بدأ عام 2025 وانتهى بإعلان وقف إطلاق النار مرتين في قطاع غزة، وفي كلتا الحالتين تم انتهاك وقف إطلاق النار بشكل فوري ووحشي من قبل إسرائيل، التي مضت قدما في ارتكاب انتهاكاتها بإفلات تام من العقاب في غياب أي مساءلة.
إن التعريف العملي لوقف إطلاق النار، من وجهة نظر إسرائيلية، هو حملة أحادية الجانب بحكم الأمر الواقع حيث يتم تجريد الطرف المعارض -سواء الفلسطينيون أو اللبنانيون- بالقوة من حقه في القتال أو الدفاع عن نفسه.
أما إسرائيل، فقد ظلت تُصوّر آلتها الحربية دائمًا على أنها عمل دفاعي عن النفس، رغم أن الضحايا الرئيسيين لهذه الحملات هم النساء والأطفال كما يتضح جليًا من الإبادة الجماعية التي شهدتها غزة على مدى عامين. فمع نهاية عام 2025، قُتل أكثر من 70 ألف فلسطيني في غزة، وأُصيب أكثر من 170 ألفًا، ولا يزال آلاف آخرون في عداد المفقودين تحت الأنقاض.
لكن العام لم يبدأ بمثل هذه النظرة القاتمة؛ فقد كان الكثيرون يأملون بشدة أن يضع وقف إطلاق النار في 19 يناير 2025 حداً نهائياً للمعاناة الفلسطينية. وقد أوقف الاتفاق الإبادة الجماعية فترة وجيزة للسماح بتبادل الأسرى ودخول مساعدات محدودة وسط مجاعة متفاقمة.
أثبتت فترة الهدوء القصيرة التي حظي بها الفلسطينيون أنها مؤقتة بشكل مأساوي، إذ بدأت إسرائيل بانتهاك وقف إطلاق النار فور تطبيقه تقريباً. وبحلول أوائل شهر مارس الماضي، أوقفت إسرائيل المساعدات الإنسانية، ما أدى إلى نقص حاد في الغذاء وأزمة صحية خانقة. وحتى خلال فترة التوقف المزعومة، هلك الفلسطينيون بأعداد هائلة نتيجة الجوع والمرض المتعمدين.
في يوم 17 مارس الماضي، استأنفت إسرائيل رسمياً الصراع، وبدأت بضربات عسكرية مكثفة وعمليات برية موسعة، إلا أن الفلسطينيين أبدوا مقاومة شرسة في جميع أنحاء قطاع غزة، وقد نزح مئات الآلاف ممن عادوا إلى شمال غزة خلال فترة وقف إطلاق النار مرة أخرى، فيما قُتل آلاف أخرون.
لم تسلم الضفة الغربية المحتلة من هذه الانتهاكات الإسرائيلية الصارخة على مدى سنة 2025، إلا أن مأساة المنطقة لم تحظَ بتغطية إعلامية واسعة نظراً إلى حجم المجازر الكارثية المرتكبة في غزة. ومع ذلك، فقد تكبدت الضفة الغربية المحتلة خسائر بشرية فادحة، وشهدت تهجيراً جماعياً لسكان شمال الضفة وتدميراً كاملاً لمخيمات اللاجئين.
وفي الواقع، فقد عانت الضفة الغربية في الوقت نفسه من حملة موازية من العقاب الجماعي المتعمد والاستيلاء العدواني على الأراضي المملوكة للفلسطينيين بالقوة؛ فابتداءً من شهر يناير 2025، تعرضت مخيمات اللاجئين في جنين وبلاطة وعين شمس، من بين مناطق أخرى، لغارات عسكرية متكررة وواسعة النطاق، ما أدى إلى تدمير البنية التحتية الحيوية ومقتل المئات.
أما في المناطق الأخرى، مثل عين شبلي وفي تلال الخليل الجنوبية، فقد تم طرد مجتمعات بدوية بأكملها بالقوة، وهُدمت منازلهم عمداً، ما أضفى الطابع الرسمي على عملية الضم تحت ستار العمليات «الأمنية».
شهد العام المنقضي أعمال عنف إسرائيلية بالغة، واعتماد عدد قياسي من الوحدات الاستيطانية الجديدة التي حصلت على الموافقة. ورغم الإدانات الدولية والرفض القاطع لمحاولات إسرائيل الواضحة لاستعمار وضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية، إلا أن الهجوم الإسرائيلي ظل مستمراً من دون أي رادع.
كما اتسع نطاق الحرب في غزة بسرعة، ليصل إلى كل جزء من القطاع، حيث عادت عمليات النزوح القسري بنفس الشراسة، بل أحيانًا بضراوة أكبر مما كانت عليه في السنة الأولى من حرب الإبادة الجماعية.
وفي حين استمرت المحادثات المكثفة التي توسطت فيها الولايات المتحدة والعديد من الدول العربية والشرق أوسطية، اندلعت احتجاجات عالمية في 4 و5 أكتوبر الماضي، حيث تظاهر الملايين في جميع أنحاء أوروبا مطالبين بإنهاء الحرب وفرض حظر فوري على توريد الأسلحة إلى إسرائيل.
أُعلن وقف إطلاق النار نهائياً في 10 أكتوبر الماضي، وأعقبه إطلاق سراح جميع الأسرى الإسرائيليين ونحو ألفي أسير فلسطيني، حيث بقي بعض الأسرى في الضفة الغربية، بينما رُحِّل آخرون إلى خارج فلسطين أو أُعيدوا إلى غزة.
في 13 أكتوبر الماضي، عُقدت قمة دولية في شرم الشيخ بمصر حيث أقرت وقف إطلاق النار المعلن حديثاً، ووضعت خارطة طريق لإعادة إعمار غزة، وتم إعلان إنشاء «قوة استقرار دولية» في خطوة أثارت جدلاً واسعاً.
في نهاية المطاف، تمت الموافقة على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 بتاريخ 17 نوفمبر 2025، على الرغم من الاحتجاجات المبكرة من الصين وروسيا. وأكد القرار الدولي المذكور وقف إطلاق النار ودعا إلى إنشاء مجلس سلام في غزة، وهو هيئة حاكمة يرأسها دونالد ترامب بنفسه.
ورغم رغبتهم الشديدة في إنهاء الحرب التي أودت بحياة عدد لا يحصى من المدنيين، فقد رفض الفلسطينيون أي عودة إلى الحكم على غرار سياسة الانتداب، وأصروا على أن غزة سيحكمها شعبها.
لم تُضعف هذه المبادرات الدبلوماسية التضامن الدولي؛ فقد أعلنت إسبانيا إضرابًا عامًا في 15 أكتوبر 2025، مُصرّةً على المطالبة بمحاسبة إسرائيل، وتلت ذلك المزيد من الاحتجاجات بمناسبة اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني في 29 نوفمبر، حيث احتشد الملايين في شوارع العديد من العواصم والمدن حول العالم، مُشكلين بذلك تحولًا عالميًا حاسمًا ضد إسرائيل وتضامنًا مع فلسطين.
يختتم العام ببعض الأرقام الكئيبة، ولكن أيضاً بالكثير من الأمل والصمود الأسطوري بين الفلسطينيين العاديين.
في 25 نوفمبر، أصدر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) تقريراً حذر من أن الناتج المحلي الإجمالي لغزة قد انهار بمعدل «غير مسبوق وكارثي» بلغ 80 بالمائة منذ عام 2023.
في 25 نوفمبر، توصل باحثون من معهد ماكس بلانك الألماني للأبحاث الديموغرافية ومركز الدراسات الديموغرافية الإسباني إلى أن متوسط العمر المتوقع في غزة عام 2024 انخفض بنسبة 47% مقارنةً بما كان سيكون عليه متوسط العمر لو لم تندلع الحرب. ويعكس هذا الانخفاض الحاد بلا شك ارتفاعاً كارثياً في معدلات الوفيات.
رغم الدمار الهائل، نظم اللاجئون في مخيم النصيرات بوسط قطاع غزة مباراة كرة قدم في 29 نوفمبر الماضي وسط أنقاض خرسانية وأرض محفورة، مُعلنةً عودة كرة القدم إلى غزة بروح التحديّ. وقبل انطلاق المباراة، وقف اللاعبون والمشجعون المتحمسون دقيقة صمت حدادًا على أرواح 320 رياضيًا ورياضيًا قُتلوا خلال حرب الإبادة الجماعية.
وبينما تقيس إسرائيل نجاحاتها وإخفاقاتها في الحروب بناءً على عدد قتلى أعدائها فقط، يستخدم الفلسطينيون نوعاً مختلفاً من القياس: الروح التي لا تقهر لشعب يرفض الموت على الرغم من الدمار الشامل والكامل الناتج عن الحروب الإسرائيلية.
شهدت السنوات القليلة الماضية بعضًا من أكثر التجارب إيلامًا في الذاكرة الجماعية الفلسطينية. نأمل أن يكون العام الجديد عام سلام دائم وعادل، وأن يتم إجبار إسرائيل بقوة دولية على احترام وقف إطلاق النار، وأن تُمهد التضحيات الجسام التي قدمها الشعب الفلسطيني الطريق أخيرًا لعصر طال انتظاره من العدالة والمساءلة.
{ أكاديمي وكاتب فلسطيني

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك