نتنياهو الذي نجح أخيرا في تحقيق «حلمه» بجر الولايات المتحدة لحرب مع إيران، نجح في تحقيق ما هو أكثر أهمية، في تقديري. فهو خلق درجة غير مسبوقة في أمريكا من التذمر ضد إسرائيل! فالغضب صار علنيا بين من لم يعرف عنهم يوما معاداة إسرائيل ومن يتولون مناصب سياسية ويحتلون مكانة مرموقة في الحياة العامة.
وقد ساعد نتنياهو في تحقيق ذلك «الإنجاز» ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكي! فهو فضح إدارته حين قال: «كنا نعلم أن إسرائيل (ستضرب إيران). وكنا نعلم أن ذلك سيؤدي إلى الهجوم على القوات الأمريكية وكنا نعلم أننا إن لم نتخذ ضربة استباقية ضدهم قبل أن يشنوا ذلك الهجوم فسوف نتكبد خسائر أكبر».
المذهل والطريف معا أن الوزير لم يدر بخلده أن ما يقوله سيعني بالنسبة إلى أي عاقل يسمعه أن «الضربة الاستباقية» التي برر بها الحرب، ووفق ما قاله بنفسه من تبرير، كان لا بد منطقيا أن توجه غضبا تجاه إسرائيل!
والحقيقة أن كل فريق الإدارة للسياسة الخارجية له إسهامه في خلق ذلك الغضب المعلن تجاه إسرائيل. فالأسباب الواهية التي ساقتها الإدارة لخوض الحرب لم تؤد إلا لتأكيد مسؤولية إسرائيل.
لذلك، صار الخطاب العام في الولايات المتحدة يشير إلى إسرائيل بأصابع الاتهام لزج الولايات المتحدة لحرب تعرض مصالحها الحيوية للخطر.
ولم يعد الأمر كما كان، قبل شهر واحد فقط، يقتصر على تصريحات رموز التيار التقدمي بالحزب الديمقراطي، وبعض رموز أقصى اليمين.
فلأول مرة، بات هناك سياسيون ينتمون إلى ما يسمى «التيار السياسي السائد» يقولون الشيء نفسه علنا. فالسيناتور الديمقراطي مارك وارنر، عضو لجنة الاستخبارات، أشار إلى أن «تلك تظل حربا اختيارية... فرضتها إسرائيل. وإيران لم تمثل تهديدا وشيكا للولايات المتحدة. كان هناك تهديد لإسرائيل. أما إذا اعتبرنا أن تهديد إسرائيل يساوي تهديد أمريكا، فإن هذا هو الجديد». والسيناتور كريس فان هولن، عضو لجنة العلاقات الخارجية، بعد أن قوض كل مبررات الإدارة الواحد بعد الآخر، قال: «ولكننا نعرف من الوزير روبيو أن نتنياهو قرر ضرب إيران. وها نحن هنا نقوم بما أراد نتنياهو أن يفعله منذ أربعين عاما. ونتنياهو لم يجد من قبل رئيسا (أمريكيا) لديه من الغباء ما يكفي لجر الولايات المتحدة إلى تلك الحرب»!.
كذلك فإن كبريات الصحف الأمريكية غير المتهمة بالعداء لإسرائيل، مثل النيويورك تايمز، اعتبرت خوض أمريكا للحرب «انتصارا لنتنياهو الذي يضغط على ترامب منذ شهور»!
ويحدث كل هذا بينما تعاني إسرائيل أصلا، منذ شن حرب الإبادة في غزة، من انهيار سمعتها في أمريكا. فهي خسرت ناخبي الحزب الديمقراطي، حتى أن لوبي إسرائيل صار عبئا على المرشحين لانتخابات الكونجرس، لا مزية، فقد صاروا مرشحين ديمقراطيين يتعهدون بعدم تلقي أموال من اللوبي الصهيوني.
والمسألة لم تعد تقتصر على الديمقراطيين. فقبل حرب إيران، أثبت استطلاع للرأي أجرته مؤسسة جالوب أن 36% فقط من الأمريكيين يتعاطفون مع إسرائيل أكثر من الفلسطينيين. بل تبين من الاستطلاع أن انخفاض التعاطف مع إسرائيل ينطبق على كل الفئات العمرية، لا فقط الأجيال الشابة. أما الحرب ضد إيران، فلا يؤيدها أكثر من 20% من الأمريكيين!
وإذا كانت تكلفة الحرب على إيران حتى الآن مليار دولار يوميا، حسب المصادر الأمريكية، فإن امتداد الحرب سيعني بالضرورة ارتفاع الفاتورة، ووصول المزيد من القتلى والجرحى من القوات الأمريكية، هذا فضلا عن التكلفة الباهظة لتضرر المصالح الأمريكية في المنطقة برمتها.
وهو الأمر الذي يضع إسرائيل في مكان جديد عليها تماما في الوعي الجمعي الأمريكي، فقد أصبحت موضع اتهام.
{ باحثة في العلوم السياسية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك