العدد : ١٧٥٢١ - الجمعة ١٣ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٢١ - الجمعة ١٣ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

أمريكا من الحرب التجارية مع الصين إلى حرب إيران

الخميس ١٢ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

ربما‭ ‬لم‭ ‬يدرك‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬الأحداث‭ ‬الراهنة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬تلك‭ ‬التطورات‭ ‬الدراماتيكية‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬إذ‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الأمريكية‭ ‬قد‭ ‬تتراجع‭ -‬إن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تتراجع‭ ‬تماماً‭- ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬التجارية‭ ‬والتصعيد‭ ‬الأوسع‭ ‬الذي‭ ‬شنته‭ ‬الإدارة‭ ‬ضد‭ ‬الصين‭.‬

وعلى‭ ‬عكس‭ ‬اللغة‭ ‬المبالغ‭ ‬فيها‭ ‬والتهديدات‭ ‬المتكررة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬بفرض‭ ‬‮«‬تعريفات‭ ‬جمركية‭ ‬متبادلة‮»‬‭ ‬ضخمة،‭ ‬و«فصل‮»‬‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭ ‬عن‭ ‬الصين،‭ ‬وتصحيح‭ ‬‮«‬أكبر‭ ‬سرقة‭ ‬للثروة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬العالم‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬التراجع‭ ‬يحدث‭ ‬بنبرة‭ ‬هادئة‭ ‬ولغة‭ ‬دبلوماسية‭ ‬مشفرة‭.‬

في‭ ‬يوم‭ ‬25‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬قال‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكي‭ ‬ماركو‭ ‬روبيو‭ ‬في‭ ‬تصريح‭ ‬له‭: ‬‮«‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬كلا‭ ‬البلدين‭ ‬قد‭ ‬توصلا‭ ‬إلى‭ ‬استنتاج‭ ‬مفاده‭ ‬أن‭ ‬اندلاع‭ ‬حرب‭ ‬تجارية‭ ‬عالمية‭ ‬شاملة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬والصين‭ ‬سيُلحق‭ ‬ضرراً‭ ‬بالغاً‭ ‬بالطرفين‭ ‬وبالعالم‭ ‬أجمع‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬أطلق‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬الجديدة‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬الاستقرار‭ ‬الاستراتيجي‮»‬‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬التصريحات‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬عن‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكي‭ ‬ماركو‭ ‬روبيو‭ ‬مضللة،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الصين،‭ ‬ولا‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬أخرى،‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬أشعلت‭ ‬فتيل‭ ‬الحرب‭ ‬التجارية،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬قد‭ ‬اشتعلت‭ ‬شرارتها‭ ‬وفق‭ ‬مبدأ‭ ‬‮«‬أمريكا‭ ‬أولاً‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬انتهجته‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭. ‬ففي‭ ‬يوم‭ ‬22‭ ‬مارس‭ ‬2018،‭ ‬وقّع‭ ‬ترامب‭ ‬مذكرة‭ ‬رئاسية‭ ‬تفرض‭ ‬رسوماً‭ ‬جمركية‭ ‬على‭ ‬سلع‭ ‬صينية‭ ‬بقيمة‭ ‬50‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬بموجب‭ ‬المادة‭ ‬301‭ ‬من‭ ‬قانون‭ ‬التجارة‭ ‬لعام‭ ‬1974‭. ‬وبحلول‭ ‬يوم‭ ‬6‭ ‬يوليو‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬السنة،‭ ‬دخلت‭ ‬رسوم‭ ‬جمركية‭ ‬بنسبة‭ ‬25‭% ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭ ‬على‭ ‬واردات‭ ‬صينية‭ ‬بقيمة‭ ‬34‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭.‬

منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭ ‬استمر‭ ‬التصعيد‭. ‬ففي‭ ‬شهر‭ ‬سبتمبر‭ ‬2018،‭ ‬فرضت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تعريفات‭ ‬جمركية‭ ‬على‭ ‬سلع‭ ‬صينية‭ ‬إضافية‭ ‬بقيمة‭ ‬200‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ - ‬بنسبة‭ ‬10%‭ ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬ثم‭ ‬رفعتها‭ ‬إلى‭ ‬25‭% ‬في‭ ‬شهر‭ ‬مايو‭ ‬2019‭. ‬وكان‭ ‬المنطق‭ ‬بسيطاً‭: ‬ممارسة‭ ‬ضغط‭ ‬اقتصادي‭ ‬كافٍ‭ ‬لإجبار‭ ‬سلطات‭ ‬بكين‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬تنازلات‭ ‬هيكلية‭ ‬بشأن‭ ‬الممارسات‭ ‬التجارية‭ ‬والملكية‭ ‬الفكرية‭ ‬والسياسة‭ ‬الصناعية‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬قد‭ ‬ردت‭ ‬بالمثل‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬استيعاب‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬العقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬فرضها‭ ‬ترامب‭ ‬وواجهتها‭ ‬بفضل‭ ‬نموها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الهائل‭ ‬والمذهل،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬بقية‭ ‬العالم‭ ‬قد‭ ‬عانى‭ ‬من‭ ‬اضطراب‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬وتزايد‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬اليقين،‭ ‬فيما‭ ‬ظل‭ ‬ترامب‭ ‬متشبثاً‭ ‬بموقفه‭. ‬فحتى‭ ‬بعد‭ ‬مغادرته‭ ‬منصبه‭ ‬ظل‭ ‬نظام‭ ‬التعريفات‭ ‬الجمركية‭ ‬على‭ ‬حاله‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭.‬

لم‭ ‬تكتفِ‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬برفض‭ ‬إلغاء‭ ‬نظام‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬شددته‭. ‬فبدءا‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬أكتوبر‭ ‬2022،‭ ‬فرضت‭ ‬واشنطن‭ ‬ضوابط‭ ‬تصدير‭ ‬شاملة‭ ‬استهدفت‭ ‬أشباه‭ ‬الموصلات‭ ‬المتقدمة‭ ‬ومعدات‭ ‬تصنيع‭ ‬الرقائق‭ ‬الإلكترونية‭ ‬المتجهة‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭. ‬وفي‭ ‬شهر‭ ‬مايو‭ ‬2024،‭ ‬أعقبت‭ ‬إدارة‭ ‬بايدن‭ ‬ذلك‭ ‬بزيادات‭ ‬إضافية‭ ‬في‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬على‭ ‬السيارات‭ ‬الكهربائية‭ ‬والبطاريات‭ ‬ومنتجات‭ ‬الطاقة‭ ‬الشمسية‭ ‬الصينية‭.‬

وعندما‭ ‬عاد‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬منصبه‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬يناير‭ ‬2025،‭ ‬أعاد‭ ‬إحياء‭ ‬خطاب‭ ‬أكثر‭ ‬حدة،‭ ‬مقترحًا‭ ‬فرض‭ ‬رسوم‭ ‬جمركية‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬60‭% ‬على‭ ‬جميع‭ ‬الواردات‭ ‬الصينية‭. ‬ورغم‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬أدلة‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬فعالية‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات،‭ ‬فقد‭ ‬استمرت‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬في‭ ‬كونها‭ ‬أداة‭ ‬رئيسية‭ ‬في‭ ‬السياسة‭.‬

لقد‭ ‬أتت‭ ‬استراتيجية‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬بنتائج‭ ‬عكسية،‭ ‬حيث‭ ‬أظهر‭ ‬تحليل‭ ‬أجراه‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬عام‭ ‬2019‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬تكاليف‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬تحملتها‭ ‬الشركات‭ ‬والمستهلكون‭ ‬الأمريكيون،‭ ‬وأكدت‭ ‬دراسة‭ ‬أجراها‭ ‬بنك‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬90‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬عبء‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬الأخير‭ ‬وقع‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬والأسر‭ ‬الأمريكية،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬فعلياً‭ ‬إلى‭ ‬اعتباره‭ ‬ضريبة‭ ‬محلية‭.‬

إن‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬الاستقرار‭ ‬الاستراتيجي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يتبناه‭ ‬روبيو،‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬اعتراف‭ ‬ضمني‭ ‬بأن‭ ‬الحرب‭ ‬التجارية‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬سوى‭ ‬القليل،‭ ‬وأن‭ ‬احتمالات‭ ‬تحقيق‭ ‬نجاح‭ ‬حاسم‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ضئيلة،‭ ‬ويكتسب‭ ‬هذا‭ ‬الإدراك‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬قبيل‭ ‬انتخابات‭ ‬التجديد‭ ‬النصفي‭ ‬للكونغرس‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬2026‭. ‬وهكذا‭ ‬سيتأكد‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬سيكون‭ ‬العامل‭ ‬الحاسم‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الناخبين‭ ‬الأمريكيين‭.‬

لكن‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬الإنصاف‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬الكارثة‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬وحده‭. ‬فكما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ - ‬كالاستقطاب‭ ‬السياسي،‭ ‬والهجرة،‭ ‬وعدم‭ ‬استقرار‭ ‬أسواق‭ ‬العمل،‭ ‬وسياسة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ - ‬أصبحت‭ ‬محاولة‭ ‬احتواء‭ ‬الصين‭ ‬أو‭ ‬إجبارها‭ ‬قاسمًا‭ ‬مشتركًا‭ ‬بين‭ ‬الإدارات‭ ‬المتعاقبة‭.‬

يذكر‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬باراك‭ ‬أوباما‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬إدراك‭ ‬لحدود‭ ‬سياساتها‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وتكاليفها‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬حيث‭ ‬تبنت‭ ‬استراتيجية‭ ‬‮«‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬آسيا‮»‬،‭ ‬هو‭ ‬تحول‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬التركيز‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬والعسكري‭ ‬والاقتصادي‭ ‬الأمريكي‭ ‬نحو‭ ‬منطقة‭ ‬المحيطين‭ ‬الهندي‭ ‬والهادئ،‭ ‬وكانت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأوسع‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬احتواء‭ ‬صعود‭ ‬الصين‭ ‬وإعادة‭ ‬ترسيخ‭ ‬النفوذ‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

مع‭ ‬ذلك،‭ ‬ورغم‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬تصوير‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬التحدي‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الرئيسي،‭ ‬بل‭ ‬والتهديد‭ ‬الحقيقي،‭ ‬تجد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬نفسها‭ ‬اليوم‭ ‬توسع‭ ‬وجودها‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬مجدداً،‭ ‬وسط‭ ‬توترات‭ ‬تشمل‭ ‬إيران‭ ‬والحرب‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬غزة،‭ ‬وتشير‭ ‬التقارير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الحشد‭ ‬العسكري‭ ‬الحالي‭ ‬هو‭ ‬الأكبر‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2003‭.‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬المحاولة‭ ‬الرامية‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬الصين‭ ‬لتقديم‭ ‬تنازلات‭ ‬قد‭ ‬منيت‭ ‬بالفشل‭. ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الصين‭ ‬الشريك‭ ‬التجاري‭ ‬الأكبر‭ ‬لمعظم‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الآسيوية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬حلفاء‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬المقربين‭. ‬كما‭ ‬أصبحت‭ ‬شريكاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬وطاقياً‭ ‬رائداً‭ ‬لدول‭ ‬رئيسية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

وطوال‭ ‬حملاته‭ ‬الانتخابية،‭ ‬جعل‭ ‬ترامب‭ ‬هزيمة‭ ‬الصين‭ ‬محوراً‭ ‬أساسياً‭ ‬لرسالته‭ ‬السياسية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬وبعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الخطاب‭ ‬الغاضب‭ ‬والوعود‭ ‬الرنانة‭ ‬والتهديدات‭ ‬والتعريفات‭ ‬الجمركية،‭ ‬فإن‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬وصلنا‭ ‬إليها‭ ‬الآن‭ ‬توصف‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬استقرار‭ ‬استراتيجي‮»‬‭.‬

يبدو‭ ‬أن‭ ‬سلطات‭ ‬واشنطن،‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬مسار‭ ‬الصين‭ ‬بشكل‭ ‬جذري،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعلها‭ ‬تندفع‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬مسارح‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط؛‭ ‬ولكن‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬حربي‭ ‬1990‭-‬1991‭ ‬و2003‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬فإن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تمتلك‭ ‬رؤية‭ ‬استراتيجية‭ ‬واضحة‭ ‬ومدعومة‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭.‬

في‭ ‬غضون‭ ‬ذلك،‭ ‬انتهجت‭ ‬بكين‭ ‬استراتيجية‭ ‬توسع‭ ‬منضبطة‭ ‬وطويلة‭ ‬الأمد‭ ‬لتعزيز‭ ‬نفوذها‭ ‬الجيوسياسي‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬يناير‭ ‬2026،‭ ‬قادت‭ ‬الصين‭ ‬مناورات‭ ‬‮«‬إرادة‭ ‬السلام‮»‬‭ ‬البحرية‭ ‬لمجموعة‭ ‬بريكس‭ ‬بلس‭ ‬قبالة‭ ‬سواحل‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬دورها‭ ‬المتنامي‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬الأمنية‭ ‬التي‭ ‬تهيمن‭ ‬عليها‭ ‬القوى‭ ‬الغربية‭ ‬تقليدياً‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬عززت‭ ‬الصين‭ ‬شبكاتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬وإفريقيا‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

وبغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬أسلوبه‭ ‬الشخصي‭ ‬الفريد،‭ ‬فإن‭ ‬سياسات‭ ‬ترامب‭ ‬تعكس‭ ‬مفارقة‭ ‬أوسع‭ ‬نطاقاً‭ ‬تشترك‭ ‬فيها‭ ‬إدارات‭ ‬أمريكية‭ ‬متعددة‭: ‬عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬مركز‭ ‬الثقل‭ ‬الحقيقي‭ ‬للسياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬والاعتماد‭ ‬غير‭ ‬المتناسب‭ ‬على‭ ‬العقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والضغط‭ ‬العسكري،‭ ‬والفشل‭ ‬المتكرر‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬استقرار‭ ‬دائم‭.‬

ولا‭ ‬تزال‭ ‬العقبة‭ ‬الرئيسية‭ ‬هي‭ ‬رفض‭ ‬واشنطن‭ ‬الاعتراف‭ ‬بأن‭ ‬التحولات‭ ‬الهائلة‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬الخريطة‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬العالمية‭ ‬لا‭ ‬رجعة‭ ‬فيها‭. ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬حاملات‭ ‬الطائرات‭ ‬التي‭ ‬تتنقل‭ ‬بين‭ ‬المحيطات،‭ ‬ولا‭ ‬لأي‭ ‬تصعيد‭ ‬في‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية،‭ ‬أن‭ ‬يمحو‭ ‬التحول‭ ‬الهيكلي‭ ‬الجاري‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وخارجهما‭.‬

 

{ أكاديمي‭ ‬وكاتب‭ ‬فلسطيني

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا