تَعَوَّدْ الإنسان منذ زمن بعيد على مشاهدة الحَمَام وهو يطير أمامنا، ويحلق فوق رؤوسنا ومن حولنا من دون أن يراودنا أدنى شك بأن هذا الحمام الطائر فوقنا ما هو إلا مجرد نوعٍ من أنواع الطيور الكثيرة التي يتم تربيتها، وإكثارها، وتدريبها في المنازل للمتعة والترفيه والتسلية والمسابقات. فقبل قرون طويلة استخدم الحمام لنقل الرسائل من موقع إلى آخر بسبب المميزات والخصائص الفطرية المتجذرة في هذا الطائر من القدرة العالية على الطيران ولمسافات طويلة، والثبات، والسرعة، ثم الرجوع والعودة مرة ثانية إلى المنزل.
ولكن اليوم استغل الإنسان كل هذه الصفات الفطرية الحميدة التي يتمتع بها الحمام خدمة للإنسانية، وراحة للبشرية لأغراض عسكرية خبيثة، منها تجسسية من جهة، ومنها قتالية وهجومية انتحارية من جهة أخرى، بحيث أصبحنا اليوم إذا رأينا الحمام الحي وهو يطير فوقنا، ويحوم أمامنا، فإننا نشك، وننظر بعين الريبة والحذر في الهدف من وجوده وهو يطير فوق رؤوسنا. فهل هو طائر الحمام الفطري البريء الذي تعودنا على رؤيته، ومشاهدة منظره الجميل، أم أنه طائر الحمام العدو المبرمج داخلياً، والمزود بأنظمة تحكم عن بعد، وبأجهزة تجسس، وتنصت، وتصوير، وربما أجهزة هجومية قاتلة، سواء أكانت كيميائية كالقنابل الكيميائية، أو حيوية كالقنابل الجرثومية المعدية؟
وليس هذا من قبيل التوقعات المستقبلية والمعدات والأجهزة العسكرية التي قد ينتجها الإنسان في القريب المنظور، ولكن هذا ما حدث الآن، وهذا ما هو موجود ضمن الأسلحة التجسسية والقتالية عند بعض الجيوش الحديثة المتقدمة والمتطورة كثيراً.
فعلى سبيل المثال، نشرتْ مجلة «الأسبوع» البريطانية الأمريكية (The Week) مقالاً في 11 فبراير 2026 تحت عنوان: «حَمَام التجسس الآلي الروسي». وقد جاء في الخبر قيام شركة روسية متخصصة في التقنية العصبية على إجراء أبحاث متطورة جداً على زرع شرائح عصبية في مخ الطيور للتحكم في طيرانها من ناحية السرعة والاتجاه، والعمل على إنتاج ما يُطلق عليه «الطائرات الحيوية بدون طيار«(bio-drones). كما أكدت وكالة «بلومبيرج» على هذا الخبر في تحقيق معمق تحت عنوان: «شركة روسية تطور حمام «درون حيوي» بزراعة الأعصاب»، حيث جاء فيه بأن العلماء الروس في مجموعة «نيري» (Neiry Group) في موسكو يطورون حماماً حيوياً مزوداً بآلات وأجهزة للتنصت والتصوير وزراعة أعصاب في المخ، وذلك من خلال زرع أقطاب كهربائية متناهية في الصغر في دماغ الحمام للتحكم عن بعد في طيران الطائر يميناً وشمالاً من أجل القيام بمهمات عسكرية خاصة. كذلك أصدرت صحيفة «تلجراف» البريطانية تقريراً مفصلاً حول هذه التطورات العسكرية الفريدة من نوعها تحت عنوان: «كيف يستخدم الروس شرائح عصبية لتحويل الحمام الحي إلى طائرات بدون طيار».
وهذا التوجه العسكري الجديد والحديث نحو استغلال الطيور للقيام بمهمات عسكرية، وبخاصة استخدام الحمام بدلاً من الطائرات بدون طيار أو «الدرون» يأتي لعدة أسباب وايجابيات موجودة ذاتياً في الحمام.
فالحمام الذي ينبض بالحياة والمزود بأجهزة حسب الحاجة والمَهمة لا يحتاج إلى طاقة كالبطاريات لنقله وتحريكه والتنقل من منطقة إلى أخرى، كما أن الحمام يطير يومياً لمسافة تبلغ قرابة 400 كيلومتر من دون تقطع ومن دون الحاجة إلى النزول والصعود والارتفاع من على الأرض بشكلٍ متكرر. وعلاوة على ذلك فإن الحمام يستطيع التحليق فوق المواقع العسكرية وغير العسكرية الحساسة والسرية من دون أن يشك أي إنسان فيه عند رؤيته فوق هذه المناطق المحظورة التي يمنع أي أحدٍ من دخولها والطيران فوقها.
فاستخدام الحمام والطيور الأخرى هو تطور وتقدم نوعي في مجال الطائرات بدون طيار، والتي دخلت المعارك الحديثة بقوة وبفاعلية كبيرة جداً، وشكلت ثورة مشهودة في عالم التسليح الحديث والمتطور، ويُطلق عليها: «المركبات الجوية غير المأهولة» (unmanned aerial vehicles? UAVs) أو الدرون، وأول استخدام وعملية هجوم عسكرية كان في 2001 من خلال اعتداء الجيش الأمريكي على المجاهدين الأفغان.
وهذا المجال الجديد في عالم التسلح والمتمثل في إدخال وزرع الآلات والأجهزة، والشرائح العصبية وغيرها في أجسام الكائنات الحية، سواء أكان الإنسان، أو الطيور، أو الثدييات يُطلق عليه «سيبورج»، أو الكائن الحي السيبراني (cybernetic organism? cyborg)، أي دمج وزرع الآليات الميكانيكية والإلكترونية الدقيقة التي يصنعها الإنسان بيديه في جسم كائن حي آخر لرفع قدراته، وتطوير إمكاناته، لأهداف قد تكون مدنية للعلاج ومواجهة بعض أنواع الإعاقات العضوية، أو عسكرية، فتُستخدم كنوع من الأسلحة الدفاعية، أو العسكرية الهجومية الانتحارية، أو المعلوماتية والتجسسية.
ولكن مع هذه التطورات النوعية في مجال التسلح وقتل الإنسان لأخيه الإنسان، تراودني أسئلة كثيرة تشغل بالي منذ زمن طويل.
فلماذا يوجه الإنسان كل هذه الطاقات الجبارة لإنتاج أسلحة الدمار والفساد للبشر والحجر والشجر، فيهلك الحرث والنسل؟
ولماذا يسخر الإنسان عقله وفكره وقدراته الإبداعية نحو صناعة أكثر أنواع الأسلحة فتكاً وقوة تدميرية من الناحيتين النوعية والكمية، بحيث إنه كلما أنتج قنبلة شديدة التدمير يعمل على إنتاج قنبلة أخرى أكبر من أختها، وأكثر فتاكاً وهلاكاً، والجميع يدخل في هذا السباق الأزلي العقيم الذي لا ينتهي أبداً؟
ولماذا ينفق الإنسان مئات المليارات من أموال الشعوب، وثروات الأمم ومواردهم المالية من أجل تدمير البشرية وفساد مكتسباته التنموية التي سهر عليها عقوداً طويلة من الزمن؟
أليس من الأولى أن يوجه الإنسان كل علمه، وخبراته، وجهوده من أجل خير الشعوب، ونماء المجتمعات البشرية جمعاء في قطاع الطب العلاجي والوقائي، وحماية البيئة، وتطوير السكن المناسب والكريم، وتوفير المياه العذبة النقية الخالية من الملوثات؟
أليس من الأفضل تطوير وإنتاج تقنيات متقدمة لمنع دخول الملوثات والمواد المسرطنة إلى مكونات البيئة من هواء، وماء، وتربة، ومعالجة هذه السموم قبل أن نتعرض لها فتصيبنا بالأمراض العضال المستعصية على العلاج؟
أليس من الأجدى أن يحول الإنسان ثرواته المالية، وقدراته العقلية نحو البناء، والتقدم، والتطوير لما فيه خير وسعادة البشرية جمعاء؟
ismail.almadany@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك