العدد : ١٧٥٢١ - الجمعة ١٣ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٢١ - الجمعة ١٣ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

في ظلال العشر الأواخر.. الصبر والصمود ووحدة الصف في مواجهة العدوان

بقلم: د. أسماء خالد

الجمعة ١٣ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

مع‭ ‬دخول‭ ‬العشر‭ ‬الأواخر‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك،‭ ‬تتجدد‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬المؤمنين‭ ‬معاني‭ ‬الصبر‭ ‬والثبات‭ ‬والرجاء‭. ‬فهي‭ ‬أيام‭ ‬مباركة‭ ‬تتنزل‭ ‬فيها‭ ‬الرحمات‭ ‬وتتعاظم‭ ‬فيها‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬عليها‭ ‬حضارتنا‭ ‬الإسلامية؛‭ ‬قيم‭ ‬الإيمان،‭ ‬والوحدة،‭ ‬والصمود‭ ‬أمام‭ ‬الشدائد‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬العظيمة،‭ ‬تعيش‭ ‬مملكتنا‭ ‬الحبيبة‭ ‬البحرين‭ ‬لحظات‭ ‬تستدعي‭ ‬استحضار‭ ‬هذه‭ ‬المعاني‭ ‬العميقة،‭ ‬حيث‭ ‬تتلاقى‭ ‬الروحانية‭ ‬الرمضانية‭ ‬مع‭ ‬الحاجة‭ ‬الوطنية‭ ‬إلى‭ ‬التماسك‭ ‬والثبات‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬والعدوان‭.‬

لقد‭ ‬علَّمنا‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي‭ ‬أن‭ ‬الأزمات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬يوماً‭ ‬سبباً‭ ‬في‭ ‬انكسار‭ ‬الأمة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬محطاتٍ‭ ‬يتجلى‭ ‬فيها‭ ‬معدنها‭ ‬الحقيقي‭. ‬ففي‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬نفسه‭ ‬وقعت‭ ‬أحداث‭ ‬مفصلية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المسلمين،‭ ‬أبرزها‭ ‬معركة‭ ‬بدر‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬وقعت‭ ‬في‭ ‬السابع‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬رمضان‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬الثانية‭ ‬للهجرة‭. ‬يومها‭ ‬وقف‭ ‬المسلمون‭ ‬قلةً‭ ‬في‭ ‬العدد‭ ‬والعدة،‭ ‬لكنهم‭ ‬كانوا‭ ‬كثرةً‭ ‬بالإيمان‭ ‬ووحدة‭ ‬الهدف‭. ‬لقد‭ ‬انتصروا‭ ‬لأنهم‭ ‬اجتمعوا‭ ‬على‭ ‬كلمة‭ ‬واحدة،‭ ‬واستمدوا‭ ‬قوتهم‭ ‬من‭ ‬يقينهم‭ ‬بالله‭ ‬ومن‭ ‬صبرهم‭ ‬على‭ ‬الشدائد‭.‬

ثم‭ ‬جاء‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬فتح‭ ‬مكة‭ ‬في‭ ‬العشرين‭ ‬من‭ ‬رمضان‭ ‬من‭ ‬السنة‭ ‬الثامنة‭ ‬للهجرة،‭ ‬ليكون‭ ‬تتويجاً‭ ‬لسنوات‭ ‬من‭ ‬الصبر‭ ‬والثبات،‭ ‬حيث‭ ‬عاد‭ ‬النبي‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬إلى‭ ‬مكة‭ ‬فاتحاً‭ ‬بعد‭ ‬رحلة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الدعوة‭ ‬والابتلاء،‭ ‬فأرسى‭ ‬بذلك‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬ووحدة‭ ‬الأمة‭.‬

وفي‭ ‬صفحات‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي‭ ‬أيضاً‭ ‬تتكرر‭ ‬هذه‭ ‬الدروس؛‭ ‬ففي‭ ‬رمضان‭ ‬وقعت‭ ‬معركة‭ ‬عين‭ ‬جالوت‭ ‬التي‭ ‬أوقفت‭ ‬زحف‭ ‬المغول،‭ ‬كما‭ ‬شهد‭ ‬الشهر‭ ‬نفسه‭ ‬فتح‭ ‬الأندلس‭ ‬بقيادة‭ ‬طارق‭ ‬بن‭ ‬زياد‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المحطات‭ ‬التاريخية،‭ ‬وكلها‭ ‬جاءت‭ ‬بعد‭ ‬مراحل‭ ‬من‭ ‬الصبر‭ ‬الطويل‭ ‬ووحدة‭ ‬الصف‭. ‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬الوقائع‭ ‬التاريخية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬أحداث‭ ‬ماضية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬دروس‭ ‬متجددة‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬تماسك‭ ‬المجتمعات‭ ‬هو‭ ‬الدرع‭ ‬الحقيقي‭ ‬أمام‭ ‬أي‭ ‬عدوان‭ ‬أو‭ ‬تحدٍ‭.‬

واليوم،‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬نستحضر‭ ‬هذه‭ ‬القيم،‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬قوة‭ ‬الوطن‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬فقط‭ ‬بما‭ ‬يمتلكه‭ ‬من‭ ‬إمكانات،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬يتحلى‭ ‬به‭ ‬شعبه‭ ‬من‭ ‬وعي‭ ‬ووحدة‭ ‬وتلاحم‭. ‬فالوطن‭ ‬الذي‭ ‬يجتمع‭ ‬أبناؤه‭ ‬حول‭ ‬هويته‭ ‬وثوابته،‭ ‬ويتقاسمون‭ ‬همومه‭ ‬وآماله،‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬الأزمات‭ ‬ومواجهة‭ ‬أي‭ ‬اعتداء‭ ‬يستهدف‭ ‬أمنه‭ ‬أو‭ ‬استقراره‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬المباركة،‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬التقرب‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬العبادة‭ ‬الفردية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليشمل‭ ‬الدعاء‭ ‬للوطن‭ ‬وأهله‭ ‬وقيادته،‭ ‬والدعاء‭ ‬لولاة‭ ‬الأمر‭ ‬بالتوفيق‭ ‬والسداد‭ ‬لما‭ ‬فيه‭ ‬خير‭ ‬البلاد‭ ‬والعباد‭. ‬فقد‭ ‬درج‭ ‬المسلمون‭ ‬عبر‭ ‬العصور‭ ‬أن‭ ‬يلهجوا‭ ‬في‭ ‬صلواتهم‭ ‬بالدعاء‭ ‬لمن‭ ‬يتولى‭ ‬مسؤولية‭ ‬الحكم،‭ ‬إدراكاً‭ ‬منهم‭ ‬أنّ‭ ‬استقرار‭ ‬الأوطان‭ ‬وصلاح‭ ‬أحوالها‭ ‬مرتبط‭ ‬بتوفيق‭ ‬قيادتها‭ ‬وحكمة‭ ‬قراراتها‭.‬

كما‭ ‬يتجه‭ ‬الدعاء‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الليالي‭ ‬المباركة‭ ‬إلى‭ ‬المرابطين‭ ‬على‭ ‬الثغور،‭ ‬من‭ ‬الجنود‭ ‬ورجال‭ ‬الأمن‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬يقف‭ ‬في‭ ‬الصفوف‭ ‬الأولى‭ ‬لحماية‭ ‬الوطن‭ ‬وأمنه‭. ‬فهؤلاء‭ ‬يعيشون‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الرباط‭ ‬التي‭ ‬عدّها‭ ‬الإسلام‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬القربات،‭ ‬إذ‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬الشريف‭ ‬أن‭ ‬‮«‬عينين‭ ‬لا‭ ‬تمسهما‭ ‬النار‭: ‬عين‭ ‬بكت‭ ‬من‭ ‬خشية‭ ‬الله،‭ ‬وعين‭ ‬باتت‭ ‬تحرس‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الله‮»‬‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬سهرهم‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬البلاد‭ ‬وحراسة‭ ‬حدودها‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬عبادة‭ ‬عظيمة‭ ‬وأجرها‭ ‬عند‭ ‬الله‭ ‬كبير،‭ ‬فهم‭ ‬يتركون‭ ‬أهليهم‭ ‬وراحتهم‭ ‬ليبقى‭ ‬الوطن‭ ‬آمناً‭ ‬مطمئنا‭.‬

‭ ‬وفي‭ ‬العشر‭ ‬الأواخر‭ ‬من‭ ‬رمضان،‭ ‬حين‭ ‬ترفع‭ ‬الأكف‭ ‬في‭ ‬المساجد‭ ‬وتلهج‭ ‬الألسن‭ ‬بالدعاء‭ ‬في‭ ‬القيام‭ ‬والأسحار،‭ ‬يستحضر‭ ‬المؤمنون‭ ‬هؤلاء‭ ‬المرابطين‭ ‬بالدعاء،‭ ‬يسألون‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يحفظهم،‭ ‬ويثبتهم،‭ ‬ويجزيهم‭ ‬خير‭ ‬الجزاء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يقدمونه‭ ‬من‭ ‬تضحيات‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬حماية‭ ‬الوطن‭ ‬واستقراره‭.‬

إنّ‭ ‬البحرين‭ ‬بتاريخها‭ ‬العريق‭ ‬وهويتها‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية،‭ ‬كانت‭ ‬دائماً‭ ‬مثالاً‭ ‬للمجتمع‭ ‬المتماسك‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الأصالة‭ ‬والانفتاح،‭ ‬وبين‭ ‬الإيمان‭ ‬والعمل‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭ ‬إلى‭ ‬استلهام‭ ‬هذه‭ ‬القيم،‭ ‬وترسيخها‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي،‭ ‬حتى‭ ‬يبقى‭ ‬الوطن‭ ‬قوياً‭ ‬بأبنائه،‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬ردع‭ ‬أي‭ ‬عدوان‭ ‬يستهدف‭ ‬أمنه‭ ‬واستقراره‭.‬

وفي‭ ‬ختام‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬المباركة،‭ ‬يبقى‭ ‬الأمل‭ ‬معقوداً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬روح‭ ‬رمضان‭ ‬إلى‭ ‬طاقة‭ ‬دائمة‭ ‬للصبر‭ ‬والصمود‭ ‬والعمل‭ ‬المشترك‭. ‬فالأمم‭ ‬التي‭ ‬تتسلح‭ ‬بالإيمان،‭ ‬وتستند‭ ‬إلى‭ ‬تاريخها،‭ ‬وتتمسك‭ ‬بوحدتها‭ ‬الوطنية،‭ ‬قادرة‭ ‬دائماً‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬المحن‭ ‬وصناعة‭ ‬مستقبل‭ ‬أكثر‭ ‬أمناً‭ ‬واستقراراً‭. ‬ففي‭ ‬ظلال‭ ‬العشر‭ ‬الأواخر،‭ ‬تتجدد‭ ‬الرسالة‭. ‬الصبر‭ ‬قوة،‭ ‬والوحدة‭ ‬حصن،‭ ‬والإيمان‭ ‬طريقٌ‭ ‬إلى‭ ‬النصر‭.‬

 

{‭ ‬أكاديمية‭ ‬وباحثة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا