مع دخول العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، تتجدد في قلوب المؤمنين معاني الصبر والثبات والرجاء. فهي أيام مباركة تتنزل فيها الرحمات وتتعاظم فيها القيم التي قامت عليها حضارتنا الإسلامية؛ قيم الإيمان، والوحدة، والصمود أمام الشدائد.
وفي هذه الأيام العظيمة، تعيش مملكتنا الحبيبة البحرين لحظات تستدعي استحضار هذه المعاني العميقة، حيث تتلاقى الروحانية الرمضانية مع الحاجة الوطنية إلى التماسك والثبات في مواجهة التحديات والعدوان.
لقد علَّمنا التاريخ الإسلامي أن الأزمات لم تكن يوماً سبباً في انكسار الأمة، بل كانت في كثير من الأحيان محطاتٍ يتجلى فيها معدنها الحقيقي. ففي شهر رمضان نفسه وقعت أحداث مفصلية في تاريخ المسلمين، أبرزها معركة بدر الكبرى التي وقعت في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة. يومها وقف المسلمون قلةً في العدد والعدة، لكنهم كانوا كثرةً بالإيمان ووحدة الهدف. لقد انتصروا لأنهم اجتمعوا على كلمة واحدة، واستمدوا قوتهم من يقينهم بالله ومن صبرهم على الشدائد.
ثم جاء بعد ذلك فتح مكة في العشرين من رمضان من السنة الثامنة للهجرة، ليكون تتويجاً لسنوات من الصبر والثبات، حيث عاد النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى مكة فاتحاً بعد رحلة طويلة من الدعوة والابتلاء، فأرسى بذلك مرحلة جديدة من الاستقرار ووحدة الأمة.
وفي صفحات التاريخ الإسلامي أيضاً تتكرر هذه الدروس؛ ففي رمضان وقعت معركة عين جالوت التي أوقفت زحف المغول، كما شهد الشهر نفسه فتح الأندلس بقيادة طارق بن زياد وغيرها من المحطات التاريخية، وكلها جاءت بعد مراحل من الصبر الطويل ووحدة الصف.
إن هذه الوقائع التاريخية ليست مجرد أحداث ماضية، بل هي دروس متجددة تؤكد أن تماسك المجتمعات هو الدرع الحقيقي أمام أي عدوان أو تحدٍ.
واليوم، ونحن في البحرين نستحضر هذه القيم، ندرك أن قوة الوطن لا تقاس فقط بما يمتلكه من إمكانات، بل بما يتحلى به شعبه من وعي ووحدة وتلاحم. فالوطن الذي يجتمع أبناؤه حول هويته وثوابته، ويتقاسمون همومه وآماله، يصبح أكثر قدرة على تجاوز الأزمات ومواجهة أي اعتداء يستهدف أمنه أو استقراره.
وفي هذه الأيام المباركة، لا يقتصر التقرب إلى الله على العبادة الفردية فحسب، بل يمتد ليشمل الدعاء للوطن وأهله وقيادته، والدعاء لولاة الأمر بالتوفيق والسداد لما فيه خير البلاد والعباد. فقد درج المسلمون عبر العصور أن يلهجوا في صلواتهم بالدعاء لمن يتولى مسؤولية الحكم، إدراكاً منهم أنّ استقرار الأوطان وصلاح أحوالها مرتبط بتوفيق قيادتها وحكمة قراراتها.
كما يتجه الدعاء في هذه الليالي المباركة إلى المرابطين على الثغور، من الجنود ورجال الأمن وكل من يقف في الصفوف الأولى لحماية الوطن وأمنه. فهؤلاء يعيشون حالة من الرباط التي عدّها الإسلام من أعظم القربات، إذ جاء في الحديث الشريف أن «عينين لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله». ومن هنا فإن سهرهم على أمن البلاد وحراسة حدودها إنما هو عبادة عظيمة وأجرها عند الله كبير، فهم يتركون أهليهم وراحتهم ليبقى الوطن آمناً مطمئنا.
وفي العشر الأواخر من رمضان، حين ترفع الأكف في المساجد وتلهج الألسن بالدعاء في القيام والأسحار، يستحضر المؤمنون هؤلاء المرابطين بالدعاء، يسألون الله أن يحفظهم، ويثبتهم، ويجزيهم خير الجزاء على ما يقدمونه من تضحيات في سبيل حماية الوطن واستقراره.
إنّ البحرين بتاريخها العريق وهويتها العربية والإسلامية، كانت دائماً مثالاً للمجتمع المتماسك الذي يجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الإيمان والعمل. وفي هذه المرحلة، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى استلهام هذه القيم، وترسيخها في الوعي الجمعي، حتى يبقى الوطن قوياً بأبنائه، قادراً على ردع أي عدوان يستهدف أمنه واستقراره.
وفي ختام هذه الأيام المباركة، يبقى الأمل معقوداً على أن تتحول روح رمضان إلى طاقة دائمة للصبر والصمود والعمل المشترك. فالأمم التي تتسلح بالإيمان، وتستند إلى تاريخها، وتتمسك بوحدتها الوطنية، قادرة دائماً على تجاوز المحن وصناعة مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. ففي ظلال العشر الأواخر، تتجدد الرسالة. الصبر قوة، والوحدة حصن، والإيمان طريقٌ إلى النصر.
{ أكاديمية وباحثة في التاريخ

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك