نستمد من جلالة الملك الثقة والأمل في المستقبل الأفضل
الأمل قوة بناء وتقدم وتعزيز للهوية الوطنية
اليأس يخدم قوى الهدم والتخريب والأجندات الأجنبية
كيف نعزز ثقافة الأمل والثقة في النفس والقدرة على مواجهة التحديات؟
استقبلنا عاما جديدا نتمنى، كما يتمنى الكل في العالم، أن يكون عاما أفضل وأقل قسوة من العام السابق.
العالم كله مر العام الماضي، والأعوام التي سبقته، بأوضاع صعبة على كل المستويات، سواء تعلق الأمر بالحروب والصراعات الدامية، أو تعلق بالأوضاع الداخلية وما يعانيه المواطنون من صعوبات معيشية في كل دول العالم.
هذه الأوضاع أشاعت حالة من الإحباط العام في العالم، علماء سياسة وفلاسفة طرحوا هذا السؤال: كيف يجب أن يتعامل المواطنون والمجتمعات عامة مع هذه الأوضاع؟ الجواب كان دوما هو الخيار بين أمرين: إما الغرق في اليأس والإحباط، وإما الأمل والتعلق به.
هناك إجماع على أن الأمل الوطني هو الطريق الوحيد لسلامة المجتمعات وعبور الأزمات وصنع المستقبل الأفضل.
نحن في البحرين بحاجة إلى تأمل ما يطرحه العلماء بهذا الخصوص، وكيف يمكن أن نستفيد منه.
◼◼◼
الأمل.. قوة سياسية
كما ذكرت، منذ فترة طويلة أصبحت قضية الأمل موضع اهتمام كبير لدى علماء السياسة والفلاسفة والمفكرين. يوجد عدد كبير جدا من الدراسات كتبها خبراء وعلماء سياسة عالميون تحمل عناوين مثل: «الأمل في السياسة» أو «سياسات الأمل» أو «دور الأمل في السياسة» و«الأمل قوة سياسية».. وهكذا.
كل هذه الدراسات تتحدث عن الدور الحاسم للأمل في صنع السياسات وفي العمل الوطني بشكل عام وفي تحديد معالم المستقبل.
هذه الدراسات لا تتحدث عن الأمل بشكل إنشائي أو كمجرد مشاعر عامة، وإنما بوصفه أداة سياسية كبرى لسلامة المجتمع ولصنع المستقبل الأفضل.
سأورد نماذج قليلة لما يطرحه علماء السياسة والفلاسفة في هذا الخصوص.
تيتاسي ستاكي، أستاذ فلسفة في جامعة إيرلندية كتب تحليلا بعنوان «لماذا تحتاج السياسة الى الأمل؟».
يقول: «عندما يتعلق المواطنون بشكل جماعي بالأمل، فهذا يعني أن هناك تفاهما مشتركا على أن كل مواطن له دور يلعبه في مشروع طموح للمستقبل. حتى لو لم يكن هناك اتفاق كامل على طبيعة وتفاصيل هذا المشروع، فان مجرد هذا التفاهم هو في حد ذاته أداة إيجابية».
تحليل سياسي آخر حول أهمية الأمل في السياسة يقول «الأمل في السياسة يعنى أن هناك توقعا بأن حدوث الأفضل أمر ممكن. الأمل هو قوة جماعية فعالة.
ويضيف التحليل أنه حتى في الأوقات الأكثر صعوبة والتي قد تدعو إلى اليأس، فإن الناس عادة تكون لديهم أفكار يأملون في تحققها حول مستقبلهم ومستقبل أطفالهم وجيرانهم وأصدقائهم وأسرهم والمجتمع.. الأمل قوة تغيير.. إنه تجسيد لإرادة التحدي والإصرار على تصور وتوقع عالم أفضل.
دراسة لعلماء سياسة عن «قوة الأمل السياسي» حددت الجوانب التي تجعل من الأمل قوة سياسية إيجابية، وهي على النحو التالي:
1 - الأمل قوة جماعية تحفز على العمل والإنجاز، فمن شأنه تحويل عدم الرضا أو حتى الغضب إلى طاقة إيجابية بدلا من الإحباط واليأس.
2 - الأمل قوة تعزز الهوية الوطنية الموحدة، فتشارك الآمال يجمع الناس حول أهداف مشتركة ويعزز هويتهم الوطنية الجماعية المشتركة.
3 - الأمل أداة مقاومة لليأس والإحباط، ذلك أنه يكرس الاقتناع بان الوضع الراهن مهما كان سيئا أو سلبيا لا يمكن أن يستمر، وإن تغييره إلى الأفضل ممكن، وإن التحديات مهما كانت صعبة يمكن التغلب عليها وتجاوزها.
4 - الأمل أداة استقرار، ذلك أن الأمل في مستقبل أفضل ووجود رؤى مشتركة بهذا الخصوص والعمل على تحقيقها يوحد المجتمع ويحقق الاستقرار الاجتماعي.
على هذا النحو إذن يطرح علماء السياسة الأمل كقوة بناء وتقدم وإنجاز وتماسك مجتمعي وتعزيز للهوية الوطنية.
◼◼◼
اليأس قوة تدمير
بالمقابل، يناقش علماء السياسة في الوقت ذاته النتائج والآثار المدمرة للدولة والمجتمع والمستقبل التي تترتب على شيوع الإحباط واليأس وفقدان الأمل.
نتائج سلبية خطيرة كثيرة يطرحها العلماء في هذا الخصوص.
في مقدمة هذه النتائج أن شيوع الإحباط واليأس يقود إلى فقدان الثقة العامة في النفس وفي القدرة الجماعية على مواجهة التحديات أو تجاوز الأزمات.
وهذه الحالة تقود بالضرورة إلى تراجع الإيمان بجدوى العمل الجاد أو التكاتف الجماعي في مواجهة الأزمات، وبالتالي تراجع قدرة الدولة والمجتمع على الإنجاز والتقدم.
ومن أخطر الآثار السلبية المرتبطة بشيوع الإحباط واليأس التي يرصدها العلماء أنها توجد بيئة خصبة لقوى الهدم والتخريب، كما تخدم أجندات القوى الأجنبية وتتيح المجال أمامها لتنفيذ هذه الاجندات.
كما ان الإحباط واليأس يغذي مشاعر الكراهية والتعصب والرغبة في الانتقام الأمر الذي يسمم المجتمع ويهدد نسيجه الاجتماعي وتلاحمه.
أيضا يقود الإحباط والغضب واليأس إلى تراجع دور الكفاءات والكوادر السياسية الوطنية القادرة، ويحل محلها المفتقرون إلى الكفاءة والمقدرة.
وعلى وجه الإجمال يجمع العلماء على أن شيوع الإحباط واليأس في المجتمع من شأنه أن يشل الحياة العامة، ويكرس قيما سلبية كثيرة، وفي نهاية المطاف يقود إلى تفاقم الأزمات وعدم القدرة على التعامل معها.
◼◼◼
جلالة الملك ومقومات الأمل
على ضوء ما ذكرناه عن الأمل كقوة سياسية، يتضح اننا في البحرين، كما في كل دول العالم، بحاجة إلى تكريس ثقافة الأمل في المجتمع وتحويلها بالفعل إلى قوة بناء وتقدم. ولدينا في البحرين كل مقومات ودواعي الأمل.
لنا هنا قدوة في جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة.
الذي يتابع خطابات وتصريحات جلالة الملك طوال السنوات الماضية، يجد أنه لا يخلو خطاب أو تصريح لجلالته عن الشأن المحلي والعمل الوطني، من حديث عن الأمل في المستقبل الأفضل للبحرين، وعن ضرورة العمل على تحويل هذا الأمل إلى واقع.
وجلالة الملك في خطاباته وتصريحاته لا يكتفي بمجرد الحديث عن الأمل، وإنما يحرص جلالته على أن يتحدث عن دواعي ومقومات هذا الأمل. بعبارة أدق يتحدث جلالة الملك باستمرار عن مصادر قوة البحرين التي تعتبر مقومات للأمل في المستقبل الأفضل.
ومن متابعة خطابات وأحاديث جلالة الملك في السنوات الماضية، نجد أن جلالته حدد مصادر كثيرة لقوة البحرين والتي تمثل مقومات للأمل أهمها ما يلي:
أولا: تاريخ البحرين العريق وحضارتها.
جلالة الملك يتحدث باستمرار عن تاريخ البحرين وحضارتها العريقة التي نعتز بها ونفتخر بها وإسهاماتها في تاريخ البشرية. ويتحدث جلالته باستمرار عن القيم والمبادئ التي كرستها حضارة البحرين وترسخت عبر تاريخها الطويل، وأصبحت قيما ومبادئ أصيلة لدى شعب البحرين. قيم مثل التعايش والتسامح، والوحدة الوطنية، والانفتاح الحضاري، والتمسك بالعادات والتقاليد الأصيلة.. وهكذا.
الفكرة هنا أن تاريخ البحرين وحضارتها وما رسخته من قيم ومبادئ ليست ماضيا وانتهى. هي قوة حاضرة. تاريخ البحرين وحضارتها رسخت أسسا صلبة لقوة البحرين وشعبها والقدرة على مواجهة التحديات والأزمات والإيمان بحتمية تجاوزها، ومواصلة التقدم وتحقيق الإنجازات. وهي على هذا النحو من أكبر مقومات ودواعي الأمل.
ثانيا: شعب البحرين.
جلالة الملك يتحدث باستمرار عن أن أكبر ثروة تمتلكها البحرين هي ثروتها البشرية، أي شعبها.
شعب البحرين شعب متحضر عامل مكافح طوال تاريخه.
كل الإنجازات التي حققتها البحرين في كل المجالات لم يكن لها أن تتحقق لولا جهد وعمل شعب البحرين.
وشعب البحرين أثبت في كل الأوقات وبالأخص في أصعب الأزمات وطنيته وقدرته على تجاوز هذه الأزمات والتحديات.
ثالثا: الرؤية والإنجازات
من أكبر مصادر القوة التي يمتلكه أي بلد أن تمتلك القيادة رؤية واضحة للمستقبل، وخططا لتنفيذ هذه الرؤية.
وهذا هو الحال في البحرين.
لنلاحظ أن المشروع الإصلاحي الكبير الذي أطلقه جلالته وما ارتبط به من إنجازات هو بالأساس مشروع للمستقبل ورؤية متقدمة للمستقبل. ويندرج في هذا السياق الخطط البعيدة المدى التي أعلنتها الحكومة للمستقبل والإنجازات التي حققتها البحرين في إطارها.
المهم أن امتلاك الرؤية، والخطط المستقبلية والإنجازات التي تحققت هي قاعدة صلبة للأمل في المستقبل الأفضل.
رابعا: شباب البحرين
شباب البحرين هم صناع المستقبل الأفضل وهم أهل لهذا.
اننا نتابع باستمرار ابداع الكفاءات البحرينية الشابة وقدراتهم المتميزة في كل المجالات.
ونتابع باستمرار شباب البحرين يثبتون قدرات وكفاءات في المواقع القيادية التي يتولونها.
من دون تفاصيل كثيرة هنا الشباب هم أكبر دواعي الأمل في المستقبل الأفضل للبحرين.
عموما، كما نرى، فإننا نستمد من جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة الثقة في النفس والإيمان بقدراتنا في البحرين، والإيمان بقدرة البحرين على صنع الأمل الأفضل.
◼◼◼
نحو استراتيجية للأمل الوطني
ما الذي نحتاج إليه إذن لتكريس الوعي بالأمل بحيث يترسخ كثقافة وطنية؟
سبق لي أن كتبت عن هذا الموضوع تفصيلا ودعوت إلى «استراتيجية للأمل الوطني» وأعيد نشر ما كتبته لأهميته في السياق الذي نتحدث عنه.
نحن في البحرين بحاجة إلى ما يمكن أن نطلق عليه «استراتيجية الأمل الوطني».
الهدف الأساسي لهذه الاستراتيجية يجب أن يتمثل بداهة في تكريس ثقافة الأمل والتفاؤل، وتربية الشباب على الثقة في النفس والإيمان بقدرتهم على مواجهة التحديات والتغيير الإيجابي، وقيادة الدولة والمجتمع إلى مستقبل أفضل.
قد يعتبر البعض أن هذه قضية ليست بتلك الأهمية أو يجب أن تكون لها أولوية في العمل الوطني لكن هذا ليس صحيحا. الحقيقة أنه عبر التاريخ.. تاريخ البحرين ومختلف دول العالم، كان الأمل والثقة في النفس وراء كل الإنجازات الكبرى ووراء القدرة على مواجهة التحديات.
لكن، ما الذي نعنيه باستراتيجية الأمل الوطني؟.. ما العناصر الأساسية التي يجب أن تقوم عليها هذه الاستراتيجية؟
في تقديرنا أن هناك على الأقل خمسة عناصر كبرى يجب أن تقوم عليها هذه الاستراتيجية، ويجب أن تكون حاضرة في العمل الوطني، هي على النحو التالي:
أولا: تكريس الوعي بخبرة التاريخ.. خبرة تاريخ البحرين الطويل الممتد.
تاريخ البحرين حافل بالإنجازات الكبرى الرائدة في المنطقة، وحافل بكثير من الأزمات العاصفة التي تمكنت البحرين، شعبا وقيادة، من تجاوزها بنجاح، حافل بالنماذج الوطنية المشرفة في كل المجالات.. وهكذا.
الوعي بالتاريخ على هذا النحو وتكريس الفخر والاعتزاز بما حققته البحرين من إنجازات في كل الظروف، والتعريف بالنماذج الوطنية المشرفة في تاريخ البحرين، هو في حد ذاته من أكبر عوامل تعزيز ثقافة الأمل والثقة في النفس.
ثانيا: تكريس الوعي العام بأن الأمل والثقة في القدرة على تحقيق آمال المستقبل ليست بلا مبرر، وإنما لها مقوماتها وأسبابها القوية.
بعبارة أخرى من المهم الوعي بأن لدينا من القدرات والإمكانيات ما يمكننا من تحقيق آمالنا وطموحاتنا.
قد تكون هذه القدرات والإمكانيات غير مستغلة بالكامل لكنها موجودة وتمثل عناصر قوة .
والبحرين تمتلك فعلا هذه الإمكانيات ليست المادية وحسب وإنما قبل هذا إمكانياتها البشرية.
ثالثا: تعزيز الثقة في النفس لدى الشباب خصوصا.
ويعني هذا تعزيز الإيمان بالقدرة على الإنجاز وعلى إحداث التغيير وعلى صنع المستقبل الأفضل.
ويعني هذا أيضا تعزيز الايمان لدى الشباب بأننا لسنا بحاجة إلى معجزات كي نحقق ما نريد، ولسنا بحاجة إلى مساعدة خارجية، فنحن قادرون بقدراتنا وإمكانياتنا على تحقيق ما نريده لأنفسنا ولوطننا.
رابعا: انه في الخطاب السياسي والإعلامي لا يجب التوقف عند السلبيات وأوجه القصور فقط في الأداء العام، وإنما يجب إبراز الإيجابيات والاحتفاء بها.
الفكرة الجوهرية هنا أنه أيًّا كانت السلبيات، فإن هناك إنجازات يجب الإشادة بها وتمثل جوانب مضيئة تدعو إلى الأمل ويجب البناء عليها. والبحرين حققت بالفعل إنجازات مبهرة في كل المجالات تستحق الاعتزاز بها.
خامسا: وبالطبع، قبل هذا كله وبعده، لا يمكن أن نعزز ثقافة الأمل الوطني إلا على قاعدة راسخة من قيم الوطنية والولاء للوطن.
من دون الاعتزاز بالوطن والفخر به وبهويته الوطنية لا يمكن أن يتحقق إنجاز في أي مجال، لا يمكن أن نتوقع تكريس ثقافة الأمل في المجتمع ولدى الشباب خصوصا.
هذه في تقديرنا أهم الجوانب التي يجب أن تقوم عليها استراتيجية الأمل الوطني.
وحين نتحدث عن استراتيجية، فنحن نتحدث بداهة عن ضرورة وجود رؤية وخطط وبرامج عملية موجهة إلى الشباب خصوصا .

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك