العدد : ١٧٤٥٠ - الخميس ٠١ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ رجب ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٥٠ - الخميس ٠١ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ رجب ١٤٤٧هـ

مقالات

النهضة العقارية
الهاتف في الزحام.. مشاهد يومية تكشف الفاجعة

بقلم: جاسم الموسوي

الأربعاء ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٥ - 02:00

لا‭ ‬يخفى‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬تلك‭ ‬المعاناة‭ ‬اليومية‭ ‬التي‭ ‬نعيشها‭ ‬جميعا‭ ‬خلف‭ ‬مقود‭ ‬السيارة،‭ ‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬الطرق‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الطرق‭ ‬الداخلية‭ ‬وبين‭ ‬العقارات‭ ‬إلى‭ ‬مواقف‭ ‬سيارات‭ ‬متحركة،‭ ‬ويزداد‭ ‬التوتر،‭ ‬ويضيع‭ ‬الوقت‭ ‬الثمين‭. ‬الازدحام‭ ‬المروري‭ ‬أصبح‭ ‬واقعاً‭ ‬مريرا‭ ‬في‭ ‬مدننا،‭ ‬تتفاقم‭ ‬حدته‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬دراسي،‭ ‬لتمتزج‭ ‬حركة‭ ‬الموظفين‭ ‬بحركة‭ ‬الأسر‭ ‬والمدارس،‭ ‬في‭ ‬خليط‭ ‬يعكر‭ ‬صفو‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭.‬

من‭ ‬يخنق‭ ‬الطريق؟

بينما‭ ‬نلقي‭ ‬باللوم‭ ‬على‭ ‬ضيق‭ ‬الشوارع‭ ‬وازدياد‭ ‬أعداد‭ ‬المركبات،‭ ‬تأتي‭ ‬الأبحاث‭ ‬والملاحظات‭ ‬الميدانية‭ ‬لتكشف‭ ‬عن‭ ‬‮«‬قاتل‭ ‬غير‭ ‬مرئي‮»‬‭ ‬يزيد‭ ‬الطين‭ ‬بلة،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬يكون‭ ‬الشرارة‭ ‬التي‭ ‬تشعل‭ ‬الأزمة‭ ‬من‭ ‬الأساس‭. ‬هذا‭ ‬القاتل‭ ‬هو‭ ‬الهاتف‭ ‬المحمول‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬السائق‭.‬

ففي‭ ‬زحام‭ ‬الساعة‭ ‬الثامنة‭ ‬صباحاً،‭ ‬أو‭ ‬الخامسة‭ ‬مساءً،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬المشهد‭ ‬مجرد‭ ‬سيارات‭ ‬متوقفة،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مقهى‭ ‬إنترنت‭ ‬متنقل‮»‬‭. ‬انحناءات‭ ‬الرقاب،‭ ‬وعيون‭ ‬شاخصة‭ ‬towards‭ ‬الشاشات‭ ‬الصغيرة،‭ ‬وأصابع‭ ‬تنتقل‭ ‬بسرعة‭ ‬بين‭ ‬التطبيقات‭. ‬الجميع‭ ‬يتذمر‭ ‬من‭ ‬بطء‭ ‬الحركة،‭ ‬لكن‭ ‬قلة‭ ‬فقط‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تدرك‭ ‬أنهم‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬المشكلة‭.‬

الرياضيات‭ ‬لا‭ ‬تكذب‭: ‬5‭ ‬ثوانٍ‭ ‬تُضيف‭ ‬30‭ ‬دقيقة‭!‬

لنقم‭ ‬بحساب‭ ‬بسيط‭: ‬إذا‭ ‬تأخر‭ ‬كل‭ ‬سائق‭ ‬5‭ ‬ثوانٍ‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬الاستجابة‭ ‬لتحرك‭ ‬السيارة‭ ‬التي‭ ‬أمامه‭ ‬بسبب‭ ‬انشغاله‭ ‬بالهاتف،‭ ‬فهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬السيارة‭ ‬في‭ ‬المركز‭ ‬العاشر‭ ‬ستفقد‭ ‬50‭ ‬ثانية،‭ ‬والمركز‭ ‬الخمسين‭ ‬ستفقد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬4‭ ‬دقائق‭. ‬اضرب‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬الإشارات‭ ‬الضوئية‭ ‬ونقاط‭ ‬الازدحام‭ ‬خلال‭ ‬رحلة‭ ‬واحدة،‭ ‬وستجد‭ ‬أن‭ ‬رحلتك‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬في‭ ‬40‭ ‬دقيقة،‭ ‬ستستغرق‭ ‬ساعة‭ ‬وربع‭ ‬الساعة‭! ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬نضيعه‭ ‬ليس‭ ‬وهماً،‭ ‬إنه‭ ‬حصيلة‭ ‬تراكمية‭ ‬لأوقات‭ ‬التأخير‭ ‬القصيرة‭ ‬التي‭ ‬نسببها‭ ‬جميعاً‭.‬

مشاهد‭ ‬يومية‭ ‬تكشف‭ ‬الفاجعة

‮«‬الثغرة‭ ‬القاتلة‮»‬‭: ‬في‭ ‬شارع‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬البديع‮»‬،‭ ‬ترى‭ ‬مسافة‭ ‬فارغة‭ ‬تكفي‭ ‬لسيارة‭ ‬كاملة‭ ‬بين‭ ‬السيارة‭ ‬والأخرى،‭ ‬ليس‭ ‬احتراماً‭ ‬لمسافة‭ ‬الأمان،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬السائق‭ ‬منشغل‭ ‬بالرد‭ ‬على‭ ‬رسالة‭. ‬هذه‭ ‬‮«‬الثغرة‮»‬‭ ‬تمتص‭ ‬طاقة‭ ‬الحركة‭ ‬وتمنع‭ ‬تدفقها،‭ ‬فتمر‭ ‬الموجة‭ ‬الخضراء‭ ‬في‭ ‬الإشارة‭ ‬ويبقى‭ ‬نصف‭ ‬الطابور‭ ‬مكانه‭.‬

‮«‬الصامتون‭ ‬الغاضبون‮»‬‭: ‬أشخاص‭ ‬ينتظرون‭ ‬خلف‭ ‬المقود،‭ ‬يتذمرون‭ ‬من‭ ‬بطء‭ ‬الحركة،‭ ‬بينما‭ ‬يدا‭ ‬أحدهم‭ ‬على‭ ‬volante‭ ‬والأخرى‭ ‬تمسك‭ ‬بالهاتف،‭ ‬غير‭ ‬مدرك‭ ‬أنه‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬سبب‭ ‬تأخر‭ ‬من‭ ‬خلفه‭.‬

تداعيات‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬وقت‭ ‬ضائع‭:‬

1‭ ‬بيئة‭ ‬مسمومة‭: ‬محركات‭ ‬تعمل‭ ‬ساعات‭ ‬أطول،‭ ‬ووقود‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬دخان‭ ‬وغازات‭ ‬سامة‭ ‬نستنشقها‭ ‬جميعاً‭.‬

2‭ ‬أعصاب‭ ‬مشدودة‭: ‬ضغط‭ ‬نفسي‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬عصبية‭ ‬على‭ ‬الطريق،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬توتر‭ ‬داخل‭ ‬المنزل‭.‬

3‭ ‬اقتصاد‭ ‬منهك‭: ‬ساعات‭ ‬عمل‭ ‬ضائعة،‭ ‬ووقود‭ ‬مهدر،‭ ‬وتكاليف‭ ‬صيانة‭ ‬متزايدة‭.‬

4‭ ‬سلامة‭ ‬مُهددة‭: ‬الانشغال‭ ‬بالهاتف‭ ‬حتى‭ ‬أثناء‭ ‬التوقف‭ ‬يجعلك‭ ‬غافلاً‭ ‬عن‭ ‬طفل‭ ‬يعبر‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬السيارات،‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬دراجة‭ ‬نارية‭ ‬قادمة‭.‬

الخلاصة‭: ‬وعيٌ‭ ‬يحرر‭ ‬الطريق

الحل‭ ‬بسيط،‭ ‬لكنه‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إرادة‭ ‬جماعية‭. ‬إنه‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬هدم‭ ‬المباني‭ ‬لتوسعة‭ ‬الطرق‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬‮«‬توسعة‮»‬‭ ‬الوعي‭ ‬داخل‭ ‬مقصورة‭ ‬القيادة‭. ‬عندما‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬انتباهنا‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬اختيار‭ ‬شخصي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مسؤولية‭ ‬مجتمعية،‭ ‬سنبدأ‭ ‬بفك‭ ‬الاختناق‭.‬

لنضع‭ ‬الهاتف‭ ‬جانباً،‭ ‬ولنرفع‭ ‬رؤوسنا،‭ ‬ولننتبه‭ ‬إلى‭ ‬إيقاع‭ ‬الطريق،‭ ‬لنملأ‭ ‬تلك‭ ‬الثغرات‭ ‬غير‭ ‬المبررة‭ ‬بالحركة‭ ‬المستمرة‭ ‬والانتباه‭ ‬الدائم‭. ‬تلك‭ ‬الـ‭ ‬5‭ ‬ثوانٍ‭ ‬التي‭ ‬نوفرها،‭ ‬قد‭ ‬توفر‭ ‬على‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬الطابور‭ ‬30‭ ‬دقيقة‭ ‬كاملة‭.‬

الطريق‭ ‬شريان‭ ‬حياة،‭ ‬فلنحافظ‭ ‬على‭ ‬انسيابيته‭.. ‬بوعينا‭.‬

{‭ ‬الرئيس‭ ‬التنفيذي‭ ‬لمجموعة‭ ‬الفاتح‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا