لا يخفى على أحد تلك المعاناة اليومية التي نعيشها جميعا خلف مقود السيارة، حيث تتحول الطرق بما في ذلك الطرق الداخلية وبين العقارات إلى مواقف سيارات متحركة، ويزداد التوتر، ويضيع الوقت الثمين. الازدحام المروري أصبح واقعاً مريرا في مدننا، تتفاقم حدته مع بداية كل عام دراسي، لتمتزج حركة الموظفين بحركة الأسر والمدارس، في خليط يعكر صفو الحياة اليومية.
من يخنق الطريق؟
بينما نلقي باللوم على ضيق الشوارع وازدياد أعداد المركبات، تأتي الأبحاث والملاحظات الميدانية لتكشف عن «قاتل غير مرئي» يزيد الطين بلة، بل إنه في كثير من الأحيان يكون الشرارة التي تشعل الأزمة من الأساس. هذا القاتل هو الهاتف المحمول بين يدي السائق.
ففي زحام الساعة الثامنة صباحاً، أو الخامسة مساءً، لم يعد المشهد مجرد سيارات متوقفة، بل تحول إلى «مقهى إنترنت متنقل». انحناءات الرقاب، وعيون شاخصة towards الشاشات الصغيرة، وأصابع تنتقل بسرعة بين التطبيقات. الجميع يتذمر من بطء الحركة، لكن قلة فقط هي التي تدرك أنهم جزء من المشكلة.
الرياضيات لا تكذب: 5 ثوانٍ تُضيف 30 دقيقة!
لنقم بحساب بسيط: إذا تأخر كل سائق 5 ثوانٍ فقط عن الاستجابة لتحرك السيارة التي أمامه بسبب انشغاله بالهاتف، فهذا يعني أن السيارة في المركز العاشر ستفقد 50 ثانية، والمركز الخمسين ستفقد أكثر من 4 دقائق. اضرب هذا في عدد الإشارات الضوئية ونقاط الازدحام خلال رحلة واحدة، وستجد أن رحلتك التي كان من المفترض أن تنتهي في 40 دقيقة، ستستغرق ساعة وربع الساعة! الوقت الذي نضيعه ليس وهماً، إنه حصيلة تراكمية لأوقات التأخير القصيرة التي نسببها جميعاً.
مشاهد يومية تكشف الفاجعة
«الثغرة القاتلة»: في شارع مثل «البديع»، ترى مسافة فارغة تكفي لسيارة كاملة بين السيارة والأخرى، ليس احتراماً لمسافة الأمان، بل لأن السائق منشغل بالرد على رسالة. هذه «الثغرة» تمتص طاقة الحركة وتمنع تدفقها، فتمر الموجة الخضراء في الإشارة ويبقى نصف الطابور مكانه.
«الصامتون الغاضبون»: أشخاص ينتظرون خلف المقود، يتذمرون من بطء الحركة، بينما يدا أحدهم على volante والأخرى تمسك بالهاتف، غير مدرك أنه هو نفسه سبب تأخر من خلفه.
تداعيات أعمق من مجرد وقت ضائع:
1 بيئة مسمومة: محركات تعمل ساعات أطول، ووقود يتحول إلى دخان وغازات سامة نستنشقها جميعاً.
2 أعصاب مشدودة: ضغط نفسي يتحول إلى عصبية على الطريق، ثم إلى توتر داخل المنزل.
3 اقتصاد منهك: ساعات عمل ضائعة، ووقود مهدر، وتكاليف صيانة متزايدة.
4 سلامة مُهددة: الانشغال بالهاتف حتى أثناء التوقف يجعلك غافلاً عن طفل يعبر من بين السيارات، أو عن دراجة نارية قادمة.
الخلاصة: وعيٌ يحرر الطريق
الحل بسيط، لكنه يحتاج إلى إرادة جماعية. إنه ليس في هدم المباني لتوسعة الطرق فقط، بل في «توسعة» الوعي داخل مقصورة القيادة. عندما ندرك أن انتباهنا ليس مجرد اختيار شخصي، بل هو مسؤولية مجتمعية، سنبدأ بفك الاختناق.
لنضع الهاتف جانباً، ولنرفع رؤوسنا، ولننتبه إلى إيقاع الطريق، لنملأ تلك الثغرات غير المبررة بالحركة المستمرة والانتباه الدائم. تلك الـ 5 ثوانٍ التي نوفرها، قد توفر على الشخص الذي في آخر الطابور 30 دقيقة كاملة.
الطريق شريان حياة، فلنحافظ على انسيابيته.. بوعينا.
{ الرئيس التنفيذي لمجموعة الفاتح.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك