العدد : ١٧٤٩٦ - الاثنين ١٦ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٦ - الاثنين ١٦ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ شعبان ١٤٤٧هـ

مقالات

أنسنة الإيكيجاي

بقلم: عبير محمد دهام

الثلاثاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٥ - 02:00

كثير‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬الإدارية‭ ‬ولدت‭ ‬كأفكار‭ ‬عميقة،‭ ‬لكنها‭ ‬فقدت‭ ‬معناها‭ ‬حين‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬شعارات‭ ‬متكررة‭. ‬من‭ ‬بينها‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الإيكيجاي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬الإنسان‭ ‬السبب‭ ‬الذي‭ ‬يجعله‭ ‬يستيقظ‭ ‬كل‭ ‬صباح‭ ‬بشغف‭ ‬ومعنى‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬صار‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬يستخدم‭ ‬في‭ ‬سياقات‭ ‬سطحية،‭ ‬حتى‭ ‬غاب‭ ‬عنه‭ ‬جوهره‭ ‬الإنساني‭ ‬الذي‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الذات‭ ‬والعمل‭.‬

أنسنة‭ ‬الإيكيجاي‭ ‬تعني‭ ‬إعادته‭ ‬إلى‭ ‬مكانه‭ ‬الطبيعي‭: ‬داخل‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬خارجه‭. ‬فالمعنى‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬في‭ ‬الوظائف‭ ‬التي‭ ‬نؤديها‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يتحقق‭ ‬في‭ ‬إدراكنا‭ ‬لقيمتها،‭ ‬حين‭ ‬نربط‭ ‬بين‭ ‬الجهد‭ ‬والغاية،‭ ‬وبين‭ ‬المهارة‭ ‬والمسؤولية‭. ‬العمل‭ ‬يفقد‭ ‬روحه‭ ‬عندما‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬واجب‭ ‬جامد،‭ ‬ويستعيدها‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬وسيلة‭ ‬لتحقيق‭ ‬أثر‭ ‬حقيقي‭ ‬في‭ ‬النفس‭ ‬وفي‭ ‬الآخرين‭.‬

يحكي‭ ‬أفلاطون‭ ‬في‭ ‬قصة‭ ‬الكهف‭ ‬عن‭ ‬أناس‭ ‬عاشوا‭ ‬في‭ ‬ظلال‭ ‬ظنوها‭ ‬الحقيقة،‭ ‬حتى‭ ‬خرج‭ ‬أحدهم‭ ‬إلى‭ ‬النور‭ ‬ورأى‭ ‬العالم‭ ‬كما‭ ‬هو‭. ‬وحين‭ ‬عاد‭ ‬ليخبرهم‭ ‬رفضوا‭ ‬ما‭ ‬قال‭ ‬لأنهم‭ ‬لم‭ ‬يعرفوا‭ ‬غير‭ ‬الظلام‭. ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬تختصر‭ ‬حال‭ ‬الكثيرين‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬العمل،‭ ‬حين‭ ‬يتمسكون‭ ‬بالمألوف‭ ‬لأنه‭ ‬يمنحهم‭ ‬شعوراً‭ ‬بالطمأنينة،‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬وعيهم‭ ‬وقدرتهم‭ ‬على‭ ‬النمو‭. ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الكهف‭ ‬الذهني‭ ‬ليس‭ ‬مغامرة،‭ ‬بل‭ ‬خطوة‭ ‬نحو‭ ‬وعي‭ ‬جديد‭ ‬يجعلنا‭ ‬نرى‭ ‬الواقع‭ ‬بوضوح‭ ‬ومسؤولية‭.‬

الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يجد‭ ‬توازنه‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يحب‭ ‬وما‭ ‬يجيد‭ ‬وما‭ ‬يحتاج‭ ‬اليه‭ ‬الآخرون‭ ‬يعيش‭ ‬وعياً‭ ‬يجعله‭ ‬أكثر‭ ‬استقراراً‭ ‬أمام‭ ‬التغيير‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬الإيكيجاي‭ ‬عندما‭ ‬يتحول‭ ‬من‭ ‬فلسفة‭ ‬عن‭ ‬السعادة‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬عملية‭ ‬داخل‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭. ‬الموظف‭ ‬الذي‭ ‬يفهم‭ ‬غايته‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬مهامه‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬رحلة‭ ‬تطوره‭ ‬المهني،‭ ‬لا‭ ‬كواجب‭ ‬مفروض،‭ ‬والقائد‭ ‬الذي‭ ‬يدرك‭ ‬هدفه‭ ‬يقود‭ ‬بمعنى،‭ ‬فيترك‭ ‬أثراً‭ ‬يتجاوز‭ ‬القرارات‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬ثقافة‭ ‬ووعي‭ ‬مؤسسي‭ ‬حقيقي‭.‬

ويتقاطع‭ ‬جوهر‭ ‬الإيكيجاي‭ ‬مع‭ ‬القيم‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬أعمق‭ ‬معانيها،‭ ‬التي‭ ‬سبقته‭ ‬بقرون‭ ‬من‭ ‬الزمن‭.. ‬إذ‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬الإتقان‭ ‬في‭ ‬العمل،‭ ‬والإحسان‭ ‬في‭ ‬الأداء،‭ ‬والنية‭ ‬الصادقة‭ ‬في‭ ‬السعي‭. ‬وهي‭ ‬قيم‭ ‬حض‭ ‬عليها‭ ‬الإسلام‭ ‬بوصفها‭ ‬أساسا‭ ‬لعمارة‭ ‬الأرض‭ ‬وازدهار‭ ‬الحياة‭. ‬فحين‭ ‬يؤدى‭ ‬العمل‭ ‬بإخلاص‭ ‬وإتقان،‭ ‬يتحول‭ ‬من‭ ‬مهمة‭ ‬مادية‭ ‬إلى‭ ‬رسالة‭ ‬تحمل‭ ‬أثرا،‭ ‬ويصبح‭ ‬الإنسان‭ ‬أكثر‭ ‬وعيا‭ ‬بمعناه‭ ‬ودوره‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬مجتمعه‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المعنى،‭ ‬يلتقي‭ ‬الإيكيجاي‭ ‬مع‭ ‬جوهر‭ ‬المنظور‭ ‬الإسلامي‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬الجهد‭ ‬بالنية،‭ ‬والإنجاز‭ ‬بالقيمة،‭ ‬والسعي‭ ‬بالغاية‭.‬

الحديث‭ ‬عن‭ ‬أنسنة‭ ‬الإيكيجاي‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بتبسيط‭ ‬بيئة‭ ‬العمل،‭ ‬وإنما‭ ‬بإعادة‭ ‬ربطها‭ ‬بالقيمة‭ ‬الإنسانية‭ ‬للإنجاز‭. ‬فالإنتاجية‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬الضغط‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الوعي،‭ ‬والفريق‭ ‬الذي‭ ‬يدرك‭ ‬قيمة‭ ‬ما‭ ‬يقدمه‭ ‬يعمل‭ ‬بثبات‭ ‬وجودة‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬فريق‭ ‬تحركه‭ ‬الرهبة‭ ‬أو‭ ‬التكرار‭. ‬عندما‭ ‬يفهم‭ ‬الفرد‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬عمله،‭ ‬تتراجع‭ ‬مقاومته‭ ‬للتغيير‭ ‬ويتحول‭ ‬خوفه‭ ‬من‭ ‬الجديد‭ ‬إلى‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬التعلم‭ ‬وتحسين‭ ‬الأداء‭.‬

القيادة‭ ‬الواعية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تزرع‭ ‬هذا‭ ‬الفهم‭ ‬داخل‭ ‬ثقافة‭ ‬المؤسسة،‭ ‬فلا‭ ‬تكتفي‭ ‬بتوجيه‭ ‬المهام،‭ ‬بل‭ ‬تمكّن‭ ‬الأفراد‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬أثرهم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬ينجزونه،‭ ‬وتساعدهم‭ ‬على‭ ‬إدراك‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬المؤسسة‭ ‬امتداد‭ ‬لنجاحهم‭ ‬الشخصي،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬يقدمه‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬من‭ ‬جهد‭ ‬أو‭ ‬فكرة‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬الصورة‭ ‬الكاملة‭ ‬للفريق‭ ‬بأكمله‭.‬

وحين‭ ‬يفهم‭ ‬الإنسان‭ ‬لماذا‭ ‬يعمل،‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الاتزان‭ ‬وسط‭ ‬التغيير،‭ ‬وأكثر‭ ‬استعداداً‭ ‬لمغادرة‭ ‬منطقة‭ ‬راحته‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬خوف‭. ‬والمؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬غرس‭ ‬هذا‭ ‬الفهم‭ ‬داخل‭ ‬ثقافتها‭ ‬تحقق‭ ‬معادلة‭ ‬دقيقة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الاستقرار‭ ‬والمرونة‭. ‬فالمعنى‭ ‬يعمّق‭ ‬الأداء،‭ ‬والوعي‭ ‬يوجّه‭ ‬التطوير‭ ‬نحو‭ ‬استدامة‭ ‬أكثر‭ ‬نضجاً‭.‬

أنسنة‭ ‬الإيكيجاي‭ ‬ليست‭ ‬فكرة‭ ‬مثالية،‭ ‬بل‭ ‬نهجا‭ ‬إداريا‭ ‬عمليا‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬سريع‭ ‬الإيقاع‭. ‬وهي‭ ‬تذكير‭ ‬بأن‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬يؤدى‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وعي‭ ‬يفقد‭ ‬أثره،‭ ‬وأن‭ ‬النجاح‭ ‬الذي‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬القيمة‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الديمومة‭. ‬فحين‭ ‬يدرك‭ ‬الإنسان‭ ‬والمؤسسة‭ ‬معاً‭ ‬‮«‬لماذا‮»‬‭ ‬يفعلان‭ ‬ما‭ ‬يفعلان،‭ ‬يتحول‭ ‬العمل‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬واعية،‭ ‬وتغدو‭ ‬المنظومات‭ ‬أكثر‭ ‬إنسانية‭ ‬لأنها‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬نفسه‭.‬

 

{ مهتمة‭ ‬بالحوكمة‭ ‬وتطوير‭ ‬الأداء‭ ‬المؤسسي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا