كثير من المفاهيم الإدارية ولدت كأفكار عميقة، لكنها فقدت معناها حين تحولت إلى شعارات متكررة. من بينها مفهوم «الإيكيجاي» الذي يقوم على أن يجد الإنسان السبب الذي يجعله يستيقظ كل صباح بشغف ومعنى. ومع مرور الوقت، صار هذا المفهوم يستخدم في سياقات سطحية، حتى غاب عنه جوهره الإنساني الذي يدعو إلى التوازن بين الذات والعمل.
أنسنة الإيكيجاي تعني إعادته إلى مكانه الطبيعي: داخل الإنسان لا خارجه. فالمعنى لا يتحقق في الوظائف التي نؤديها بقدر ما يتحقق في إدراكنا لقيمتها، حين نربط بين الجهد والغاية، وبين المهارة والمسؤولية. العمل يفقد روحه عندما يتحول إلى واجب جامد، ويستعيدها عندما يصبح وسيلة لتحقيق أثر حقيقي في النفس وفي الآخرين.
يحكي أفلاطون في قصة الكهف عن أناس عاشوا في ظلال ظنوها الحقيقة، حتى خرج أحدهم إلى النور ورأى العالم كما هو. وحين عاد ليخبرهم رفضوا ما قال لأنهم لم يعرفوا غير الظلام. هذه القصة تختصر حال الكثيرين في بيئات العمل، حين يتمسكون بالمألوف لأنه يمنحهم شعوراً بالطمأنينة، رغم أنه يحد من وعيهم وقدرتهم على النمو. الخروج من هذا الكهف الذهني ليس مغامرة، بل خطوة نحو وعي جديد يجعلنا نرى الواقع بوضوح ومسؤولية.
الإنسان الذي يجد توازنه بين ما يحب وما يجيد وما يحتاج اليه الآخرون يعيش وعياً يجعله أكثر استقراراً أمام التغيير. هذا هو جوهر الإيكيجاي عندما يتحول من فلسفة عن السعادة إلى ممارسة عملية داخل بيئة العمل. الموظف الذي يفهم غايته يتعامل مع مهامه كجزء من رحلة تطوره المهني، لا كواجب مفروض، والقائد الذي يدرك هدفه يقود بمعنى، فيترك أثراً يتجاوز القرارات إلى بناء ثقافة ووعي مؤسسي حقيقي.
ويتقاطع جوهر الإيكيجاي مع القيم الإسلامية في أعمق معانيها، التي سبقته بقرون من الزمن.. إذ يقوم على فكرة الإتقان في العمل، والإحسان في الأداء، والنية الصادقة في السعي. وهي قيم حض عليها الإسلام بوصفها أساسا لعمارة الأرض وازدهار الحياة. فحين يؤدى العمل بإخلاص وإتقان، يتحول من مهمة مادية إلى رسالة تحمل أثرا، ويصبح الإنسان أكثر وعيا بمعناه ودوره في خدمة مجتمعه. في هذا المعنى، يلتقي الإيكيجاي مع جوهر المنظور الإسلامي الذي يربط الجهد بالنية، والإنجاز بالقيمة، والسعي بالغاية.
الحديث عن أنسنة الإيكيجاي لا يتعلق بتبسيط بيئة العمل، وإنما بإعادة ربطها بالقيمة الإنسانية للإنجاز. فالإنتاجية لا تُبنى على الضغط بل على الوعي، والفريق الذي يدرك قيمة ما يقدمه يعمل بثبات وجودة أعلى من فريق تحركه الرهبة أو التكرار. عندما يفهم الفرد الهدف من عمله، تتراجع مقاومته للتغيير ويتحول خوفه من الجديد إلى رغبة في التعلم وتحسين الأداء.
القيادة الواعية هي التي تزرع هذا الفهم داخل ثقافة المؤسسة، فلا تكتفي بتوجيه المهام، بل تمكّن الأفراد من رؤية أثرهم في كل ما ينجزونه، وتساعدهم على إدراك أن نجاح المؤسسة امتداد لنجاحهم الشخصي، وأن ما يقدمه كل فرد من جهد أو فكرة ينعكس على الصورة الكاملة للفريق بأكمله.
وحين يفهم الإنسان لماذا يعمل، يصبح أكثر قدرة على الاتزان وسط التغيير، وأكثر استعداداً لمغادرة منطقة راحته من دون خوف. والمؤسسات التي تنجح في غرس هذا الفهم داخل ثقافتها تحقق معادلة دقيقة تجمع بين الاستقرار والمرونة. فالمعنى يعمّق الأداء، والوعي يوجّه التطوير نحو استدامة أكثر نضجاً.
أنسنة الإيكيجاي ليست فكرة مثالية، بل نهجا إداريا عمليا في زمن سريع الإيقاع. وهي تذكير بأن العمل الذي يؤدى من دون وعي يفقد أثره، وأن النجاح الذي يخلو من القيمة يفتقر إلى الديمومة. فحين يدرك الإنسان والمؤسسة معاً «لماذا» يفعلان ما يفعلان، يتحول العمل إلى تجربة واعية، وتغدو المنظومات أكثر إنسانية لأنها تبدأ من الإنسان نفسه.
{ مهتمة بالحوكمة وتطوير الأداء المؤسسي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك