العدد : ١٧٣٢٦ - السبت ٣٠ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٣٢٦ - السبت ٣٠ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

الثقافي

«رف اليوم، ما لم يستطع السيد الحصول عليه» للكاتبة نجوى العتيبي

السبت ٣٠ أغسطس ٢٠٢٥ - 02:00

الرواية‭ ‬تقدم‭ ‬لنا‭ ‬عالماً‭ ‬مستقبلياً‭ ‬بارداً‭ ‬وغريباً،‭ ‬تُستبدل‭ ‬فيه‭ ‬العلاقات‭ ‬الإنسانية‭ ‬بمنتجات‭ ‬تُباع‭ ‬وتشترى‭. ‬يعيش‭ ‬البطل‭ ‬في‭ ‬عزلة‭ ‬خانقة،‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ (‬صديق‭ ‬نجمي‭) ‬ليملأ‭ ‬فراغه‭ ‬العاطفي،‭ ‬لكنه‭ ‬يفشل‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬عليه‭ ‬لندرته‭. ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬يكتشف‭ ‬أن‭ ‬صداقة‭ ‬قديمة‭ ‬اشتراها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬سوى‭ ‬فخ‭ ‬للتجسس‭ ‬عليه،‭ ‬فيما‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬تضخم‭ ‬قلبه‭ ‬كلما‭ ‬تعرض‭ ‬لضغط‭ ‬أو‭ ‬خوف‭. ‬تتعقد‭ ‬حياته‭ ‬أكثر‭ ‬مع‭ ‬تدخل‭ (‬الجهات‭ ‬الرسمية‭) ‬التي‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬الناس،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬مختطفاً‭ ‬داخل‭ (‬غرفة‭ ‬الجميم‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬يشهد‭ ‬تجارب‭ ‬بشعة‭ ‬وتشويهاً‭ ‬لأجساد‭ ‬البشر،‭ ‬بينها‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬أمه‭. ‬عندها‭ ‬يكتشف‭ ‬أن‭ ‬جسده‭ ‬نفسه‭ ‬ليس‭ ‬بشرياً‭ ‬خالصاً،‭ ‬بل‭ ‬آلة‭ ‬مكسورة‭ ‬مزروعة‭ ‬فيها‭ ‬أجهزة‭ ‬للمراقبة‭. ‬يهرب‭ ‬نحو‭ (‬المزرعة‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬مكان‭ ‬للرافضين‭ ‬لسلطة‭ ‬التقنية،‭ ‬لكنه‭ ‬يبقى‭ ‬عالقاً‭ ‬بين‭ ‬عالمين‭: ‬لا‭ ‬هو‭ ‬إنسان‭ ‬كامل،‭ ‬ولا‭ ‬آلة‭ ‬مطيعة‭.‬

جماليات‭ ‬الرواية‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬لغتها‭ ‬العاطفية‭ ‬المليئة‭ ‬بالصور‭ ‬والتأملات‭. ‬كما‭ ‬تبرز‭ ‬قوة‭ ‬الرموز‭ ‬فيها،‭ ‬إذ‭ ‬تتحول‭ (‬العين‭ ‬المحتلة‭) ‬إلى‭ ‬علامة‭ ‬على‭ ‬المراقبة،‭ ‬و‭(‬الغرفة‭ ‬الزجاجية‭) ‬إلى‭ ‬صورة‭ ‬عن‭ ‬العزلة،‭ ‬فيما‭ ‬تعكس‭ (‬المعرفة‭ ‬الداخلية‭) ‬صراع‭ ‬الإنسان‭ ‬بين‭ ‬عقله‭ ‬وإحساسه‭.‬

السرد‭ ‬جاء‭ ‬متقطعاً‭ ‬وغير‭ ‬مرتب‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬واحد،‭ ‬متنقلاً‭ ‬بين‭ ‬الأزمنة‭ ‬والأفكار‭ ‬ليعكس‭ ‬اضطراب‭ ‬الراوي،‭ ‬كما‭ ‬حضرت‭ ‬السخرية‭ ‬السوداء‭ ‬في‭ ‬نقد‭ ‬الأنظمة‭ ‬التي‭ ‬تعامل‭ ‬الإنسان‭ ‬كشيء‭ ‬يمكن‭ ‬استبداله‭ ‬أو‭ ‬التخلص‭ ‬منه‭.‬

لكن‭ ‬الرواية‭ ‬لم‭ ‬تخلُ‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬السلبيات‭. ‬فقد‭ ‬طال‭ ‬السرد‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المقاطع‭ ‬وتكرر‭ ‬مشهد‭ ‬تضخم‭ ‬القلب‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يضيف‭ ‬جديداً،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الغموض‭ ‬الشديد‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬الأخير‭ ‬حول‭ (‬غرفة‭ ‬الجميم‭) ‬قد‭ ‬يربك‭ ‬القارئ‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يوضح‭. ‬كما‭ ‬ان‭ ‬بعض‭ ‬الشخصيات‭ ‬الجانبية‭ ‬مثل‭ (‬سبعة‭) ‬و‭(‬الطبيب‭ ‬4ب‭) ‬بقيت‭ ‬غامضة‭ ‬وغير‭ ‬واضحة‭ ‬رغم‭ ‬أهميتها‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬تبقى‭ ‬الرواية‭ ‬عملاً‭ ‬مميزاً‭ ‬يمزج‭ ‬بين‭ ‬الخيال‭ ‬والنقد،‭ ‬مقدمة‭ ‬صورة‭ ‬مخيفة‭ ‬لمجتمع‭ ‬يُحوِّل‭ ‬المشاعر‭ ‬إلى‭ ‬سلع،‭ ‬ويجعل‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬دائم‭ ‬بين‭ ‬طاعته‭ ‬للنظام‭ ‬أو‭ ‬بحثه‭ ‬عن‭ ‬ذاته‭. ‬وبرغم‭ ‬هناتها،‭ ‬فهي‭ ‬تذكرنا‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬شراؤه،‭ ‬مثل‭ ‬الحب‭ ‬والصداقة‭ ‬والحرية،‭ ‬هو‭ ‬وحده‭ ‬ما‭ ‬يستحق‭ ‬الحياة‭.‬

 

أديب‭ ‬وروائي‭ ‬من‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا