اختلفت الرؤى والفلسفات المتفقة والمتناقضة عن جدوى الفن ووظائفه منذ الاغريق وحتى نظريات ما بعد الحداثة وإلى اللحظة الراهنة وتزاوج المعارف وتداخل المفاهيم المتنوعة، وهو الأمر الذي يرسخ دائماً فكرة الجدل المستمر عن ماهية العملية الإبداعية ووظيفة الفنان والفن، ممكن أن ينتج هذا الخطاب المستمر من التفسير والتحليل لجدوى الفن وعلاقته بالنظم السياسية والاجتماعية القائمة في كل المجتمعات سواء اكانت نامية أو تلك المجتمعات المتقدمة، وحتى هذا الجدل أحياناً لا يفضي الى مسارات محددة ويبقي نقطة الجدل مشرعة أمام المنظرين والمفكرين لهذا القطاع المهم والحيوي والذي يتصل بالمشاعر الإنسانية، لذا يقول ثيودر ادورنو «أصبح بديهياً ألا شيء فيما يتعلق بالفن يعتبر بديهي» يعني أن ثمة صعوبة في عملية تحديده ووضع مرتكزات قارة ممكن من خلاله اعتباره من المدروس المادي في اللحظة الراهنة، ومن ناحية أخرى يرى ليو تولستوي أن «الفن هو نشاط بشري يقوم فيه الإنسان عن عمد باستخدام عناصر خارجة عنه لينقل إلى الآخرين ما يجول في خاطره من مشاعر ما يجعلهم من شدة التأثر يختبرون نفس مشاعره» وهو ما نقول عنه أحياناً في القراءات الانطباعية أننا كقراء نجد انفسنا في مسطور هذا الكاتب أو ذاك، فالفن بوصفه ظاهرة اجتماعية يجب أن يقوم على ثلاث قوائم أساسية تتصل بالنمط الاجتماعي والفكري للفن (الفنان/ المتلقي/ النقد) فلا تكتمل حلقات الفن إلا بالنقد، لذا أشار برتولد بريخت إلى أن النقد هو المنتج الوحيد في العملية الإبداعية ولا تكتمل هذه العملية الا به وهذا يؤكد صلة (إعادة انتاج قراءة المكتوب) بالمدون والمؤلف معاً واهمية تفكيك تلك العلاقة بين انتاج النص والمؤلف واثرها على مستوى تفسير هذه المنظومة (النص/ المؤلف/ مرجعيات المؤلف/ الافضاء) أي بمعنى لا يمكن إحياء هذا المدون المكتوب إلا عبر تفكيكه من خلال النقد الواعي ليس على مستوى ما هو فني وجمالي وحسب بل على مستوى النقد الفكري والقراءة الواعية التفسيرية التحليلية لهذا النتاج ( الفني). صحيح أن الفن (مهنة) كما يقال عنه لكنه لا يشبه بقية المهنة فهو المهنة الوحيدة التي تقوم على الحلم والحرية والخيال والكلمة وصداها وخلق الصور الجميلة والمعاني الراقية لتحاكي الروح الإنسانية وشغافها ومشاعرها وتعمل على محاكاة المشاعر والاذواق والمدركات، لذا يقول ارنست فيشر في كتابه (ضرورة الفن): يكاد عمر الفن ان يكون عمر الإنسان، يعني لا ينتهي إلا بنهاية الفنان وإلى آخر رمق بهذه المعمورة يوجد فن، ويرى فيشر أن الفن (صورة من صور العمل وهو النشاط الذي يميز الجنس البشري) بمعنى أن الفن قائم على دينامية عملية (العمل) بما تشتمله الكلمة من معنى واقعي يحيل الى ممارسة تطبيقية محركة للواقع وليس هذيان خيالي محظ ويبقى وعي الفنان هو وسيلة تعبيره الأهم للتلاقي مع قضايا مجتمعه الحياتية واليومية، وبخاصة وعي الفنان السياسي لان الأخير هو المحرك لكل القضايا المعاصرة ومرتبط ارتباطاً وثيقاً بحياة الانسان ويومياته، لذا ثمة من يرى أن هناك (فن متواطئ وفن معارض وفن ملتزم ...الخ) وما يؤكد هذه الصلات المتعالقة هو التوسير الذي يرى أن ثمة علاقة خاصة للفن بالسياسة ويجب دراسة الفن على أنه ظاهرة سياسية، وحدد ماكاروف تطبيقات ذلك القول على اعتبار أن الفن يعكس الواقع الاجتماعي ويؤكد المصالح الطبقية والقومية ويوجه القراء والمتلقين نحو إدراك العالم ونمط سلوكهم، ولقوة الصلة بين الفن والجوانب الاجتماعية برز ما يسمى علم الاجتماع الجمالي الذي يؤكد الصلة بين الفن والمجتمع، أي عدم فصل الإبداع عن المجتمع ومسؤولية الفن إزاء هذا المجتمع، فالفن لم يعد حالة من حالات (الترفيه والاستعراض) بل مرتكز أساس له وظائف عملية في الحياة الاجتماعية والسياسية وله حاكمة بوصف الثقافة والفكر خطاب سلطوي حاكم بإمكانه خلق الأثر الفاعلي والملموس سواء على الجانب الإيجابي أو السلبي. ومن هنا يجب على الجهات المعنية أن تعيد النظر بواجبات الفن والفنان في بناء المجتمعات والمنظومات المجتمعية والمؤسساتية لأنه الأنفذ والأقدر على إحداث التغيير لأنه يحمل في ذاته طابع المتعة والترفيه والتشويق والإثارة والتي ينجذب المتلقي لمساراتها وأطرها ومن خلال هذا التأطير بالإمكان تمرير مضامين الفكر التربوي الناجح ومن خلال ذلك يكون الاستخدام الفاعل والمثمر للفن الهادف.
ناقد وأكاديمي عراقي
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك