العدد : ١٧٣٢٦ - السبت ٣٠ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٣٢٦ - السبت ٣٠ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

الثقافي

عن الجدوى الاجتماعية للفن ووظائفه

{ بقلم: د. حيدر علي الاسدي

السبت ٣٠ أغسطس ٢٠٢٥ - 02:00

اختلفت‭ ‬الرؤى‭ ‬والفلسفات‭ ‬المتفقة‭ ‬والمتناقضة‭ ‬عن‭ ‬جدوى‭ ‬الفن‭ ‬ووظائفه‭ ‬منذ‭ ‬الاغريق‭ ‬وحتى‭ ‬نظريات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭ ‬وإلى‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة‭ ‬وتزاوج‭ ‬المعارف‭ ‬وتداخل‭ ‬المفاهيم‭ ‬المتنوعة،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يرسخ‭ ‬دائماً‭ ‬فكرة‭ ‬الجدل‭ ‬المستمر‭ ‬عن‭ ‬ماهية‭ ‬العملية‭ ‬الإبداعية‭ ‬ووظيفة‭ ‬الفنان‭ ‬والفن،‭ ‬ممكن‭ ‬أن‭ ‬ينتج‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬المستمر‭ ‬من‭ ‬التفسير‭ ‬والتحليل‭ ‬لجدوى‭ ‬الفن‭ ‬وعلاقته‭ ‬بالنظم‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬القائمة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المجتمعات‭ ‬سواء‭ ‬اكانت‭ ‬نامية‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬المجتمعات‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وحتى‭ ‬هذا‭ ‬الجدل‭ ‬أحياناً‭ ‬لا‭ ‬يفضي‭ ‬الى‭ ‬مسارات‭ ‬محددة‭ ‬ويبقي‭ ‬نقطة‭ ‬الجدل‭ ‬مشرعة‭ ‬أمام‭ ‬المنظرين‭ ‬والمفكرين‭ ‬لهذا‭ ‬القطاع‭ ‬المهم‭ ‬والحيوي‭ ‬والذي‭ ‬يتصل‭ ‬بالمشاعر‭ ‬الإنسانية،‭ ‬لذا‭ ‬يقول‭ ‬ثيودر‭ ‬ادورنو‭ ‬‮«‬أصبح‭ ‬بديهياً‭ ‬ألا‭ ‬شيء‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالفن‭ ‬يعتبر‭ ‬بديهي‮»‬‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬تحديده‭ ‬ووضع‭ ‬مرتكزات‭ ‬قارة‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬اعتباره‭ ‬من‭ ‬المدروس‭ ‬المادي‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة،‭ ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬يرى‭ ‬ليو‭ ‬تولستوي‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الفن‭ ‬هو‭ ‬نشاط‭ ‬بشري‭ ‬يقوم‭ ‬فيه‭ ‬الإنسان‭ ‬عن‭ ‬عمد‭ ‬باستخدام‭ ‬عناصر‭ ‬خارجة‭ ‬عنه‭ ‬لينقل‭ ‬إلى‭ ‬الآخرين‭ ‬ما‭ ‬يجول‭ ‬في‭ ‬خاطره‭ ‬من‭ ‬مشاعر‭ ‬ما‭ ‬يجعلهم‭ ‬من‭ ‬شدة‭ ‬التأثر‭ ‬يختبرون‭ ‬نفس‭ ‬مشاعره‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نقول‭ ‬عنه‭ ‬أحياناً‭ ‬في‭ ‬القراءات‭ ‬الانطباعية‭ ‬أننا‭ ‬كقراء‭ ‬نجد‭ ‬انفسنا‭ ‬في‭ ‬مسطور‭ ‬هذا‭ ‬الكاتب‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬فالفن‭ ‬بوصفه‭ ‬ظاهرة‭ ‬اجتماعية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬ثلاث‭ ‬قوائم‭ ‬أساسية‭ ‬تتصل‭ ‬بالنمط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والفكري‭ ‬للفن‭ (‬الفنان‭/ ‬المتلقي‭/ ‬النقد‭) ‬فلا‭ ‬تكتمل‭ ‬حلقات‭ ‬الفن‭ ‬إلا‭ ‬بالنقد،‭ ‬لذا‭ ‬أشار‭ ‬برتولد‭ ‬بريخت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬النقد‭ ‬هو‭ ‬المنتج‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬الإبداعية‭ ‬ولا‭ ‬تكتمل‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬الا‭ ‬به‭ ‬وهذا‭ ‬يؤكد‭ ‬صلة‭ (‬إعادة‭ ‬انتاج‭ ‬قراءة‭ ‬المكتوب‭) ‬بالمدون‭ ‬والمؤلف‭ ‬معاً‭ ‬واهمية‭ ‬تفكيك‭ ‬تلك‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬انتاج‭ ‬النص‭ ‬والمؤلف‭ ‬واثرها‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬تفسير‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ (‬النص‭/ ‬المؤلف‭/ ‬مرجعيات‭ ‬المؤلف‭/ ‬الافضاء‭) ‬أي‭ ‬بمعنى‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إحياء‭ ‬هذا‭ ‬المدون‭ ‬المكتوب‭ ‬إلا‭ ‬عبر‭ ‬تفكيكه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬النقد‭ ‬الواعي‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬فني‭ ‬وجمالي‭ ‬وحسب‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬النقد‭ ‬الفكري‭ ‬والقراءة‭ ‬الواعية‭ ‬التفسيرية‭ ‬التحليلية‭ ‬لهذا‭ ‬النتاج‭ ( ‬الفني‭). ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬الفن‭ (‬مهنة‭) ‬كما‭ ‬يقال‭ ‬عنه‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يشبه‭ ‬بقية‭ ‬المهنة‭ ‬فهو‭ ‬المهنة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الحلم‭ ‬والحرية‭ ‬والخيال‭ ‬والكلمة‭ ‬وصداها‭ ‬وخلق‭ ‬الصور‭ ‬الجميلة‭ ‬والمعاني‭ ‬الراقية‭ ‬لتحاكي‭ ‬الروح‭ ‬الإنسانية‭ ‬وشغافها‭ ‬ومشاعرها‭ ‬وتعمل‭ ‬على‭ ‬محاكاة‭ ‬المشاعر‭ ‬والاذواق‭ ‬والمدركات،‭ ‬لذا‭ ‬يقول‭ ‬ارنست‭ ‬فيشر‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ (‬ضرورة‭ ‬الفن‭): ‬يكاد‭ ‬عمر‭ ‬الفن‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬عمر‭ ‬الإنسان،‭ ‬يعني‭ ‬لا‭ ‬ينتهي‭ ‬إلا‭ ‬بنهاية‭ ‬الفنان‭ ‬وإلى‭ ‬آخر‭ ‬رمق‭ ‬بهذه‭ ‬المعمورة‭ ‬يوجد‭ ‬فن،‭ ‬ويرى‭ ‬فيشر‭ ‬أن‭ ‬الفن‭ (‬صورة‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬العمل‭ ‬وهو‭ ‬النشاط‭ ‬الذي‭ ‬يميز‭ ‬الجنس‭ ‬البشري‭) ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬الفن‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬دينامية‭ ‬عملية‭ (‬العمل‭) ‬بما‭ ‬تشتمله‭ ‬الكلمة‭ ‬من‭ ‬معنى‭ ‬واقعي‭ ‬يحيل‭ ‬الى‭ ‬ممارسة‭ ‬تطبيقية‭ ‬محركة‭ ‬للواقع‭ ‬وليس‭ ‬هذيان‭ ‬خيالي‭ ‬محظ‭ ‬ويبقى‭ ‬وعي‭ ‬الفنان‭ ‬هو‭ ‬وسيلة‭ ‬تعبيره‭ ‬الأهم‭ ‬للتلاقي‭ ‬مع‭ ‬قضايا‭ ‬مجتمعه‭ ‬الحياتية‭ ‬واليومية،‭ ‬وبخاصة‭ ‬وعي‭ ‬الفنان‭ ‬السياسي‭ ‬لان‭ ‬الأخير‭ ‬هو‭ ‬المحرك‭ ‬لكل‭ ‬القضايا‭ ‬المعاصرة‭ ‬ومرتبط‭ ‬ارتباطاً‭ ‬وثيقاً‭ ‬بحياة‭ ‬الانسان‭ ‬ويومياته،‭ ‬لذا‭ ‬ثمة‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ (‬فن‭ ‬متواطئ‭ ‬وفن‭ ‬معارض‭ ‬وفن‭ ‬ملتزم‭ ...‬الخ‭) ‬وما‭ ‬يؤكد‭ ‬هذه‭ ‬الصلات‭ ‬المتعالقة‭ ‬هو‭ ‬التوسير‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬علاقة‭ ‬خاصة‭ ‬للفن‭ ‬بالسياسة‭ ‬ويجب‭ ‬دراسة‭ ‬الفن‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬ظاهرة‭ ‬سياسية،‭ ‬وحدد‭ ‬ماكاروف‭ ‬تطبيقات‭ ‬ذلك‭ ‬القول‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬الفن‭ ‬يعكس‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ويؤكد‭ ‬المصالح‭ ‬الطبقية‭ ‬والقومية‭ ‬ويوجه‭ ‬القراء‭ ‬والمتلقين‭ ‬نحو‭ ‬إدراك‭ ‬العالم‭ ‬ونمط‭ ‬سلوكهم،‭ ‬ولقوة‭ ‬الصلة‭ ‬بين‭ ‬الفن‭ ‬والجوانب‭ ‬الاجتماعية‭ ‬برز‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الجمالي‭ ‬الذي‭ ‬يؤكد‭ ‬الصلة‭ ‬بين‭ ‬الفن‭ ‬والمجتمع،‭ ‬أي‭ ‬عدم‭ ‬فصل‭ ‬الإبداع‭ ‬عن‭ ‬المجتمع‭ ‬ومسؤولية‭ ‬الفن‭ ‬إزاء‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع،‭ ‬فالفن‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬حالات‭ (‬الترفيه‭ ‬والاستعراض‭) ‬بل‭ ‬مرتكز‭ ‬أساس‭ ‬له‭ ‬وظائف‭ ‬عملية‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬وله‭ ‬حاكمة‭ ‬بوصف‭ ‬الثقافة‭ ‬والفكر‭ ‬خطاب‭ ‬سلطوي‭ ‬حاكم‭ ‬بإمكانه‭ ‬خلق‭ ‬الأثر‭ ‬الفاعلي‭ ‬والملموس‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الإيجابي‭ ‬أو‭ ‬السلبي‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬النظر‭ ‬بواجبات‭ ‬الفن‭ ‬والفنان‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المجتمعات‭ ‬والمنظومات‭ ‬المجتمعية‭ ‬والمؤسساتية‭ ‬لأنه‭ ‬الأنفذ‭ ‬والأقدر‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬التغيير‭ ‬لأنه‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬طابع‭ ‬المتعة‭ ‬والترفيه‭ ‬والتشويق‭ ‬والإثارة‭ ‬والتي‭ ‬ينجذب‭ ‬المتلقي‭ ‬لمساراتها‭ ‬وأطرها‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬التأطير‭ ‬بالإمكان‭ ‬تمرير‭ ‬مضامين‭ ‬الفكر‭ ‬التربوي‭ ‬الناجح‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬ذلك‭ ‬يكون‭ ‬الاستخدام‭ ‬الفاعل‭ ‬والمثمر‭ ‬للفن‭ ‬الهادف‭.‬

 

‭ ‬ناقد‭ ‬وأكاديمي‭ ‬عراقي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا