العدد : ١٧١٨٠ - الأحد ٠٦ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤٦هـ

العدد : ١٧١٨٠ - الأحد ٠٦ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤٦هـ

الثقافي

عِرق الصِّبا

{ بقلم: محمد فيض خالد

السبت ٠٥ أبريل ٢٠٢٥ - 02:00

كل‭ ‬شيء‭ ‬ينبئ‭ ‬بالغرابة،‭ ‬يدعوك‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تطلق‭ ‬عنان‭ ‬خيالك،‭ ‬رأس‭ ‬كبير‭ ‬مفلطح،‭ ‬عينان‭ ‬كعيني‭ ‬جمل،‭ ‬أنف‭ ‬معقوف‭ ‬كالكأس‭ ‬المقلوب،‭ ‬شفتان‭ ‬غليظتان،‭ ‬شعر‭ ‬مفلفل‭ ‬ككرة‭ ‬السلك،‭ ‬أما‭ ‬هيكله‭ ‬الضخم،‭ ‬فعملاق‭ ‬بذراعين‭ ‬طوال‭ ‬كفرعي‭ ‬شجرة‭ ‬متين،‭ ‬ركبت‭ ‬فيه‭ ‬كف‭ ‬عريضة،‭ ‬حوت‭ ‬خمسة‭ ‬أصابع‭ ‬كحبات‭ ‬البطاطا،‭ ‬يحمل‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬فوق‭ ‬ساقين‭ ‬كعمود‭ ‬الجرانيت،‭ ‬أما‭ ‬صوته‭ ‬باستطاعته‭ ‬اقتحام‭ ‬أذنيك‭ ‬عنوة‭ ‬في‭ ‬شراسة،‭ ‬يتباهى‭ ‬بقوته،‭ ‬يستعرضها‭ ‬كمصارع‭ ‬عتيد،‭ ‬حتى‭ ‬والدته‭ ‬لا‭ ‬تكف‭ ‬عن‭ ‬التغني‭ ‬به‭: ‬إن‭ ‬ابني‭ ‬غليظ‭ ‬القلب،‭ ‬خنق‭ ‬وهو‭ ‬ابن‭ ‬الخامسة‭ ‬عنزة،‭ ‬تجرأت‭ ‬فاختطفت‭ ‬كسرة‭ ‬خبز‭ ‬من‭ ‬أمامه،‭ ‬ومع‭ ‬شراسة‭ ‬طبعه،‭ ‬فإن‭ ‬لـ«مرعي‭ ‬الحلاق‮»‬‭ ‬رأيا‭: ‬هو‭ ‬طيب‭ ‬بريء،‭ ‬تستطيع‭ ‬كسبه‭ ‬بكلمة،‭ ‬تسامع‭ ‬أهل‭ ‬الزمام‭ ‬بصلابة‭ ‬عوده،‭ ‬وذراعه‭ ‬اليابسة،‭ ‬تستذكر‭ ‬أمه‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬المشؤوم،‭ ‬كانت‭ ‬الشمس‭ ‬فيه‭ ‬لينة‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬عادتها،‭ ‬تغالب‭ ‬برودة‭ ‬الصباح‭ ‬المتسلطة،‭ ‬وربيع‭ ‬قابض‭ ‬على‭ ‬رقبة‭ ‬زينهم‭ ‬زوج‭ ‬أخته،‭ ‬يتراءى‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الضحية‭ ‬يولول‭ ‬كالنساء،‭ ‬وصاحبنا‭ ‬يهدر‭ ‬كجمل‭ ‬غاضب،‭ ‬ينتظر‭ ‬الليلة‭ ‬الكبيرة‭ ‬بفارغ‭ ‬الصبر،‭ ‬ليصارع‭ ‬عويس‭ ‬فتوة‭ ‬الغجر‭ ‬المشهور،‭ ‬تعود‭ ‬منازلته‭ ‬وسحقه،‭ ‬يشرف‭ ‬مهندس‭ ‬الري‭ ‬بنفسه‭ ‬على‭ ‬نزالهما،‭ ‬تخشى‭ ‬سنية‭ ‬العايقة‭ ‬زعيمة‭ ‬الغجر‭ ‬على‭ ‬فتاها،‭ ‬تنبعث‭ ‬آلامها‭ ‬انبعاث‭ ‬الشياطين،‭ ‬يرسب‭ ‬في‭ ‬أجفانها‭ ‬الحزن،‭ ‬تتزايد‭ ‬نظرات‭ ‬ربيع‭ ‬مهتاجة،‭ ‬يتلمظ‭ ‬كثعبان،‭ ‬وقد‭ ‬برز‭ ‬عِرق‭ ‬الصِّبا‭ ‬يتوسط‭ ‬ذراعه‭ ‬منتفخا،‭ ‬تعود‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬له‭ ‬الغلبة،‭ ‬ووليمة‭ ‬تقام‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬العمدة‭ ‬ابتهاجا‭ ‬لكسر‭ ‬شوكة‭ ‬الغجري‭.‬

يشيع‭ ‬ربيع‭ ‬الطريق‭ ‬بابتسامة‭ ‬هزيلة،‭ ‬وكأنه‭ ‬يجمعها‭ ‬من‭ ‬بئر‭ ‬بعيدة،‭ ‬تدق‭ ‬في‭ ‬ذاكرته‭ ‬طبول‭ ‬الماضي‭ ‬بعنف،‭ ‬تورق‭ ‬بين‭ ‬جنبيه‭ ‬شجرة‭ ‬اليأس،‭ ‬هكذا‭ ‬يقضي‭ ‬سحابة‭ ‬نهاره،‭ ‬وقبيل‭ ‬المغيب،‭ ‬تقف‭ ‬أمامه‭ ‬ابنته،‭ ‬تقول‭ ‬على‭ ‬استحياء‭: ‬العشا‭ ‬يا‭ ‬بويا،‭ ‬ينفحها‭ ‬بابتسامة‭ ‬مشرقة،‭ ‬منذ‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭ ‬أصيب‭ ‬بداء‭ ‬الكبد،‭ ‬انتفخ‭ ‬بطنه،‭ ‬تهدل‭ ‬جسده،‭ ‬تلاشت‭ ‬قوة‭ ‬ساعده،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬لعرق‭ ‬الصبا‭ ‬أثر‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا