تأتي مبادرة جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة بتسريع وتيرة المشاريع الإسكانية وتوفير 50 ألف وحدة سكنية جديدة، التي أعلنها جلالته مؤخرًا لتٌعبر عن استمرار الريادة البحرينية في مجال الإسكان، والتي تعود إلى ستينيات القرن الماضي؛ فبينما كان عدد السكان قد أخذ في التزايد، ومع حرصه أن يكون لكل مواطن السكن الصحي المناسب، وألا يقف دخله المحدود حائلًا دون ذلك، أصدر الأمير الراحل عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه في 11 سبتمبر 1962 المرسوم رقم (2) لسنة 1962 الخاص بإقامة مشروع الإسكان والتملك لتحقيق هذا الهدف.
وكان هذا المرسوم بداية لتاريخ حافل من الإنجازات التي حققتها البحرين في مجال الإسكان، ففي عام 1964 نفذت المملكة أول وأكبر مشروع سكني متكامل يعد نموذجًا اقتدت به دول الخليج وهو «مدينة عيسى» الذي تم إنجازه عام 1968، واستحدثت عام 1974 وزارة للإسكان، التي أخذت تضع وتنفذ خطط الإسكان، وكان من أبرزها عام 1979 إذ وضعت مشروع 5 آلاف وحدة سكنية، و1500 قسيمة سكنية بكلفة 100 مليون دينار، وحتى عام 1980 كانت الإنشاءات قد أكملت 6173 وحدة سكنية بمدارسها ومساجدها ومراكزها الصحية، وقد أسهم الاستمرار في مشروعات الإسكان في توسيع حركة العمران، ليزيد عدد المنشآت في تعداد عام 1991 إلى 20 ألف منشأة، وتزيد المباني إلى 81.5 ألف مبنى، كلها مزودة بخدمات الماء والكهرباء والصرف الصحي، ويرتفع عدد الوحدات السكنية من 52.8 ألف في 1981 إلى 83.5 ألف في 1991، ومع نهاية عقد التسعينيات ارتفع عدد الوحدات السكنية إلى نحو 100 ألف وحدة سكنية، وفي الفترة من 1975 حتى نهاية عام 2000 بلغ عدد الوحدات السكنية التي نفذتها وزارة الإسكان 20564 وحدة في مختلف مناطق البحرين، وشكل مشروع «مدينة حمد» القسم الأكبر من إجمالي هذه الوحدات بنحو 8637 وحدة سكنية، وبلغ إجمالي ما أنفقته الوزارة على هذه المشروعات خلال الفترة من 1976 – 2001 أكثر من 672.4 مليون دينار.
كانت الريادة البحرينية في الإسكان سابقة على انضمام البحرين وتصديقها على العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي تم في 2007، وهو العهد الذي عدّ الحق في السكن الملائم أحد حقوق الإنسان الأساسية، وقد أدركت القيادة البحرينية أهمية تلبية هذا الحق لارتباطه الوثيق بالسلم الاجتماعي والاستقرار الأسري، ولم يكن تراجع إيرادات الحكومة في فترات انخفاض أسعار النفط حائلًا دون اضطلاعها بهذا الدور.
ومع تولي جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة أمانة الحكم عام 1999 برز ملف الإسكان في مقدمة أولويات المشروع الإصلاحي لجلالته، حيث وجه إلى تأسيس لجنة الإسكان والإعمار في سبتمبر 2001، بهدف تنمية حركة التطوير العمراني من خلال برنامج يقوم التخطيط العمراني الاستراتيجي، وشهد عام 2001 إنجاز «مدينة زايد» بمنحة من الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة طيب الله ثراه.
وأخذت مبادرات جلالة الملك تتعدد وتتزايد تعزيزًا للإسكان، فأصدر جلالته عام 2006 مجموعة من القوانين والقرارات، تضمنت خفض 50% من الأقساط الشهرية للتخفيف عن كاهل المواطنين الذين عليهم قروض إسكانية، وإقرار صرف بدل سكن 100 دينار لكل صاحب طلب خدمة إسكانية مضت عليه خمس سنوات، وتخفيض رسوم البلدية للأسر التي لا تمتلك مساكن خاصة وتسكن في مساكن مستأجرة، وتخفيض رسوم التسجيل العقاري من 3% إلى 1%، ودعم بنك الإسكان للحصول على تسهيلات بمبلغ 400 مليون دينار لتنفيذ مشروعاته الإسكانية، وأقرت الحكومة في 2008 رفع سقف القروض الإسكانية من 40 ألف دينار إلى 60 ألف دينار وزيادة فترة سداد القرض من 25 – 30 سنة، وفيما تتوزع خدمات الإسكان ما بين وحدات سكنية وقسائم سكنية وقروض إسكانية، فقد بلغ إجمالي هذه الخدمات حتى عام 2014، 108574 خدمة بكلفة إجمالية 3.3 مليارات دينار بحريني استفاد منها 65% من المواطنين.
وقد انتهى العقد الأول من الألفية وعدد الوحدات السكنية في المملكة قد أصبح 151580 وحدة سكنية في مقابل 105685 في بدايته، وفي 2011 بادر جلالة الملك بمكرمة ملكية لخفض الأقساط الشهرية للمستفيدين من الخدمات الإسكانية بنسبة 25%، وهي المكرمة التي استفاد منها 35858 أسرة، ووجه في ذات العام برفع مخصصات الإسكان في الميزانية إلى 360 مليون دينار في مقابل 90 مليون دينار في 2010، واستثمار برنامج التنمية الخليجي في مشروعات الإسكان، وتعميق الشراكة مع القطاع الخاص.
وأطلق جلالة الملك في 17 ديسمبر 2013 مبادرة بإقامة 40 ألف وحدة سكنية مكتملة المرافق والخدمات في أقصر فترة ممكنة لتسليمها لمستحقيها من ذوي الطلبات الإسكانية، وتنفيذًا لهذه المبادرة شرعت وزارة الإسكان في مشروعات مدينة شرق سترة، وشمال جزيرة المحرق، ومشروع المدينة الشمالية، ومشروع إسكان الرملي، وبتنفيذ هذه المبادرة يكون قد تم الانتهاء الفعلي في تنفيذ المدن السكنية: شرق الحد، شرق سترة، المدينة الشمالية، إسكان الرملي، إسكان الجنوبية، وقد شهد عام 2022 إعلان التنفيذ الكامل لهذه المبادرة.
وجاءت خطة التعافي الاقتصادي 2022 – 2026 لتزيد المساحة التعميرية للمملكة بنسبة تفوق 60%، وذلك من خلال إنشاء مدن جديدة في مناطق فشت الجارم، وجزيرة سهيلة، ومنطقة فشت العظم، ومنطقة خليج البحرين، ومنطقة جزر حوار، تُضاف إلى المدن الخمسة التي جاءت في تنفيذ مبادرة الـ40 ألف وحدة سكنية: مدينة سلمان، مدينة شرق الحد، مدينة شرق سترة، مدينة خليفة، ضاحية الرملي، ومع برنامج «شراكة» الذي يفتح المجال للقطاع الخاص في حقوق تطوير الأراضي الحكومية، وهو من شأنه أن يضيف أكثر من 19 ألف وحدة سكنية.
وفي شهر رمضان المبارك، وخلال استقباله أهالي محافظات المملكة، أطلق جلالة الملك مبادرته الجديدة لتوفير 50 ألف وحدة سكنية، ليكون تنفيذ هذه المبادرة أبرز وأهم عناوين الميزانية العامة الجديدة 2025-2026، وفي خطوة حاسمة للقضاء على ملف الانتظار للحصول على خدمة إسكانية، وبما يدفع بقوة حركة العمران في المملكة، وينعش مستوى النشاط الاقتصادي في قطاعات التشييد والبناء والعقارات، ويحقق نقلة نوعية في منظور الخدمات الإسكانية، وترسيخ استدامة الاستقرار المجتمعي والنهضة العمرانية، وهي تعكس الرؤية الملكية الطموحة لضمان مواصلة مسيرة النماء والتطوير والتحديث، وأن المواطن البحريني هو الأولوية باعتباره الهدف والغاية من وراء مشروعات وخطط التنمية. وقد أكد سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير «سلمان بن حمد آل خليفة» تكثيف جهود الحكومة لجهة تنفيذ المشاريع والبرامج الإسكانية ما يكفل سرعة تنفيذ هذه المبادرة الملكية، فيما يتواصل التعاون المثمر بين السلطتين التنفيذية والتشريعية بما يخدم الوصول إلى إنجازها، وما يحقق العيش الكريم لجميع المواطنين، وتؤكد هذه المبادرة التزام مملكة البحرين بتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030 فيما يتعلق بحصول المواطن على سكن لائق وآمن وميسور الكلفة.
وقد اشتملت الريادة البحرينية في مجال الإسكان تلبية حق المرأة البحرينية في هذا الإسكان، وذلك انعكاسًا للرؤية الملكية المتمثلة في أن الحق في حياة كريمة ليس قاصرًا على الرجل وتتساوى معه المرأة طبقًا لمبادئ الميثاق الوطني ومواد الدستور، كما يرتبط ضمان حق المرأة البحرينية في السكن بضمان الاستقرار الأسري، وطبقًا لبيانات وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، فقد بلغ عدد المستفيدات من الخدمات الإسكانية ما يزيد عن 5685 مستفيدة في الفترة من 2011 – 2024، وقدمت وزارة الإسكان إعفاء للمرأة الحاضنة لأبناء قصر من كافة المبالغ التي تشغل ذمة المتوفي المنتفع بالخدمة الإسكانية. وتشمل الخدمات الإسكانية المقدمة للمرأة خدمات التمليك والتمويلات الإسكانية وعلاوة بدل السكن، كما تغطي الخدمات الإسكانية المرأة اليتيمة لأبوين، العزباء، المهجورة، المطلقة، الأرملة، الحاضنة لأبناء غير بحرينيين، ويشكل تمتع المرأة البحرينية بخدمات الإسكان واحدة من أهم جوانب الحماية الاجتماعية التي تسبغها الدولة على المرأة كما للرجل.
وإيمانًا منها بأهمية تنمية القطاع الخاص، فإن المبادرة الملكية لتوفير 50 ألف وحدة سكنية تفتح مجالًا واسعًا لنشاط هذا القطاع، بما يسهم في رفع معدل النمو الاقتصادي البحريني، فيما أكدت وزيرة الإسكان والتخطيط العمراني أهمية هذا الدور في تعزيز منظومة السكن الاجتماعي، وأن برامج الشراكة فيه تحظى بالأولوية، ومن بين أبرز مشاريع هذه الشراكة برنامج حقوق تطوير الأراضي الحكومية، إذ تمكن الشراكة الاستراتيجية مع القطاع الخاص تحقيق الاستدامة لمعدل توفير الخدمات الإسكانية بما يتلاءم مع الطلب عليها، خاصة في أوقات انخفاض أسعار النفط وتراجع الإيرادات الحكومية.
وأخيرًا، فإن المبادرة الملكية لتوفير 50 ألف وحدة سكنية ليست فقط محركا اجتماعيا لإشباع الحاجات لدى المواطنين وتعزيز السلم الاجتماعي والاستقرار الأسري، ولكنها أيضًا محرك اقتصادي يصب في ارتفاع نسبة التشغيل للموارد البحرينية البشرية والمادية، وارتفاع معدل النمو، وخلق حالة من الرواج في كل ما يتعلق بنشاط البناء والتشييد والعقار.
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك