العالم يتغير بسرعة، وقد ازدادت وتيرة سرعته مع وصول الرئيس دونالد ترامب إلى كرسي الرئاسة في البيت الأبيض للمرة الثانية؛ لأنه جاء بأفكار ورؤى ومقاربات مختلفة في السياسة والاقتصاد والثقافة لم تعهدها الولايات المتحدة الأمريكية من قبل، ولم يعهدها الأوربيون ولا العالم بأسره ولا شك في أن هذه الأفكار والمقاربات سينجم عنها آثار في دول العالم قاطبة، وإن أول المتأثرين بتلك الأفكار هم الأوروبيون ودول الشرق الأوسط وذلك بحكم العلاقات الوطيدة التي تربطهم بالولايات المتحدة عبر بوابة حلف الناتو الذي تُعد الولايات المتحدة أحد أعمدته الرئيسية والممول الرئيسي له.
إن المتمعن في أفكار ترامب سيدرك حتما أن التغيير قادم وأن ملامح نظام دولي جديد بدأت تتشكل في الفضاء العالمي. وقد شعر الأوروبيون أكثر من غيرهم بهذه التحولات السريعة التي يقف وراءها الرئيس الأمريكي ترامب في ملفات عديدة لعل أبرزها ملف الحرب الروسية الأوكرانية إضافة إلى ملف الاقتصاد والمتجسم في اتجاه الولايات المتحدة إلى فرض تعريفات جمركية على الواردات الأمريكية من أوروبا.
وقد شعر قادة أوروبا بالخطر من السياسات الأمريكية نحوهم خاصة بعد اللقاء المثير الذي جمع الرئيس ترامب ونائبه فانس بالرئيس الأوكراني زيلينسكي في البيت الأبيض والذي تم نقله مباشرة على الهواء عبر شاشات وسائل الإعلام، ولفت انتباههم طريقة الحوار التي أجراها ترامب ونائبه مع زيلينسكي وتوبيخه بشكل علني وتحميله مسؤولية ما جرى لبلاده ويُعد هذا السلوك سابقة في الأعراف السياسية والبروتكولات الدبلوماسية الأمريكية.
من هنا، أدرك الأوروبيون أن السياسة الأمريكية التي ينتهجها ترامب نحوهم في طريقها إلى التغيير الجذري، وأن تصريحاته الأخيرة بشأن الحرب الروسية – الأوكرانية خير دليل على ذلك؛ حيث كشفت لهم عن نياته حيالهم، وأنه في طريقه لإنهاء هذه الحرب التي كلفت الخزينة الأمريكية المال الكثير، وأن الوقت قد حان لوقف هذا النزيف المالي الذي تحملته الولايات المتحدة، وأنها ليست على استعداد أن تتحمل المزيد من الأعباء المالية لهذه الحرب، وأن قرار وقف الدعم الأمريكي عن أوكرانيا من دون مقابل قد اتخذ وهذا ما قاله ترامب لزيلينسكي. وبناءً عليه فقد أبدت دول أوروبا تحفظها على خطة السلام الأمريكية في أوكرانيا.
لقد قرأ القادة الأوربيون الرسالة الأمريكية بوضوح، ووعوا فحواها، وأدركوا أنها بداية النهاية لحلف الناتو الذي لا يمكن له أن يستمر من دون وجود عصبه الرئيسي حيث إن انسحاب الولايات المتحدة منه يعني انفراط عقده وبالتالي بات سقوطه مؤكداً لا محالة. كما أن الذي دعا القادة الأوروبيين إلى الذهاب إلى هذا القول وزاد من شكوكهم نحو ترامب هو اتجاه الأخير نحو التقارب نحو روسيا، حيث باتوا على يقين أن هذا التقارب سيكون على حساب أوروبا.
إن شقة الخلافات بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية بدأت تتسع وتتعمق أكثر فأكثر في عدة ملفات نذكر منها ملف غزة. في هذا الملف كان الموقف الأوروبي واضحاً من خطة ترامب الداعية إلى تهجير الفلسطينيين، وهو الرفض لهذه الخطة بل إن دول أوروبا ذهبت في هذا الاتجاه إلى أبعد من ذلك حين عبرت أربع دول أوروبية هي: فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، بريطانيا في بيان صادر عنها بتأييدها للخطة العربية لإعمار غزة.
لا شك أن مثل هذا الموقف قد ساهم بتعميق الخلاف بين القادة الأوروبيين وترامب وزاد من حنق الأخير عليهم وهو ما دفعه إلى العمل على استبعادهم، والمضي قدماً في هذا الاتجاه عبر عدم مشاركتهم في ترتيب وضع النظام الدولي الجديد الذي يسعى إلى إنشائه.
بعد هذه الخلافات التي ظهرت على السطح بين أمريكا ترامب والأوروبيين نتساءل، هل سيكون لأوروبا موقع على خارطة النظام العالمي الجديد؟
إن القراءة الدقيقة للمشهد الأمريكي الأوروبي تكشف لنا عن بعض المؤشرات التي تدل على أن أوروبا لن يكون لها موطئ قدم على خارطة النظام العالمي الجديد. ويعزو بعض المراقبين والمحللين السياسيين خروج أوروبا من نادي الكبار إلى أسباب داخلية وأخرى خارجية. فعلى الصعيد الداخلي، تعاني أوروبا اليوم من مشكلات وصعوبات داخلية جمة لعل أبرزها تتمثل في ارتفاع نسب البطالة، وتراجع مستوى المعيشة. كما تعاني من صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة بصورة لافتة للنظر وهي التي ظلت فترة ليست قصيرة تراوح مكانها، باتت اليوم تحقق مكاسب متقدمة في الانتخابات في كثير من الدول الأوروبية الرئيسية كفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهذا يعكس مدى الوهن الذي تعاني منه القارة العجوز والذي أثر بصورة واضحة على مزاج الناخب الأوروبي ودفعه إلى إعطاء صوته إلى اليمين المتطرف.
على الصعيد الخارجي، فقد تأثرت أوروبا بوصول ترامب إلى سدة الحكم في أمريكا حيث إن شخصيته العجيبة، وعقليته التجارية قد انعكست على أدائه السياسي بشكل كبير وخاصة في مقاربته لعلاقة الولايات المتحدة بالاتحاد الأوروبي؛ فهو كسر القاعدة الأمريكية التي كانت تنظر إلى أوروبا بعين «رب العيلة» الذي يحميها ويدافع عنها ويساعدها من دون أن ينتظر أي مقابل منها تجاه ما يقدمه وكأن لسان حاله يقول: إن زمن الدلال قد ولى وأن على أوروبا أن تتحمل مسؤوليتها، وأن أمريكا من الآن فصاعداً لن تكون البقرة الحلوب التي تغذي أوروبا، وقد ترجم ترامب أقواله إلى أفعال في ملف أوكرانيا وملف الرسوم الجمركية والحبل على الجرار آتٍ في ملفات أخرى مثل حلف الناتو، وفي ملف الميزان التجاري بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.
في تقديري، إن السياسة الجديدة التي ينتهجها ترامب إزاء أوروبا، ستسهم بتراجع دور أوروبا في الساحة الدولية فهي من جهة لا تستطيع مجاراة الولايات المتحدة في صناعة الأسلحة، ولا تستطيع مناطحتها في الثورة الرقمية وتحتاج إلى وقت طويل حتى تستطيع اللحاق بالولايات المتحدة في هاتين السلعتين الاستراتيجيتين الأمر الذي يجعلها تتراجع القهقري وتكون خارج النظام الدولي الجديد الذي بدأت ملامحه تتشكل من القوى الثلاث الاتحاد الروسي والصين إلى جانب أمريكا.
إن ما يقلق الأوروبيين حقاً، هو تعاملهم مع رئيس من طراز خاص يجهلون ما يدور في رأسه، وماذا يخطط ليوم غد؛ فهو يتملكه شعور بأنه الأقوى ولذلك فهو لا يعترف بالأعراف والتقاليد الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية وهو ينطلق في كل تحركاته من شعار يقدسه «أمريكا أولاً» ويحلم بأن يكون عراب النظام الدولي الجديد ولهذا يسعى إلى تحطيم القواعد والمبادئ المتعارف عليها بين الدول ليقيم على أنقاضها قواعد ومبادئ جديدة للنظام الدولي الجديد الذي يحلم به.
لهذا فإن كل ما قام به ترامب من إجراءات مجتمعة منذ تربعه على عرش البيت البيضاوي وحتى الآن كلها تصب في اتجاه واحد وهو الشروع في بناء معمار جديد للنظام العالمي وفقاً للمواصفات التي يؤمن بها والتي
بالطبع لا تنسجم مع المبادئ التي يؤمن بها الأوروبيون، وبناء على ذلك نتساءل: هل سيشهد العالم ولادة النظام العالمي الجديد من دون أوروبا.
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك