العدد : ١٧١٧١ - الجمعة ٢٨ مارس ٢٠٢٥ م، الموافق ٢٨ رمضان ١٤٤٦هـ

العدد : ١٧١٧١ - الجمعة ٢٨ مارس ٢٠٢٥ م، الموافق ٢٨ رمضان ١٤٤٦هـ

قضايا و آراء

سقوط السرديات الغربية في الحرب الأوكرانية

بقلم: د. نبيل العسومي

الثلاثاء ٢٥ مارس ٢٠٢٥ - 02:00

يطرح‭ ‬الغرب‭ ‬على‭ ‬الصعيدين‭ ‬السياسي‭ ‬والإعلامي‭ ‬أطروحات‭ ‬مضللة‭ ‬حول‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬منذ‭ ‬بدايتها،‭ ‬ويكتفون‭ ‬بتوجيه‭ ‬الإدانة‭ ‬إلى‭ ‬روسيا‭ ‬واعتبار‭ ‬تدخلها‭ ‬مخالفا‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي،‭ ‬ولكنهم‭ ‬بالمقابل‭ ‬لا‭ ‬يستذكرون‭ ‬حقيقة‭ ‬الوضع،‭ ‬وماذا‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬العملية‭ ‬العسكرية‭ ‬الروسية‭ ‬الخاصة‭ ‬ضرورية‭ ‬ومبررة‭ ‬أم‭ ‬لا‭.‬

فهذا‭ ‬الصراع‭ ‬بدأه‭ ‬الغرب‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬روسيا‭ ‬تحمل‭ ‬أي‭ ‬توجه‭ ‬أو‭ ‬برنامج‭ ‬عدائي‭ ‬لا‭ ‬تجاه‭ ‬أوكرانيا‭ ‬ولا‭ ‬تجاه‭ ‬الغرب،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تطمح‭ ‬إليه‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬أوروبا‭ ‬تتكامل‭ ‬معها‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الأصعدة‭ ‬الأمنية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬لأن‭ ‬أوروبا‭ ‬خاصة‭ ‬الشرقية‭ ‬والوسطى‭ ‬هي‭ ‬فضاؤها‭ ‬الحيوي،‭ ‬وكانت‭ ‬منذ‭ ‬1994‭ ‬تنشد‭ ‬الحوار‭ ‬والتفاهم‭ ‬وتدعو‭ ‬إلى‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬هيكل‭ ‬أمني‭ ‬أوروبي‭ ‬متكامل‭ ‬يراعي‭ ‬مصالح‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭.‬

ولكن‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1994م‭ ‬كان‭ ‬توسع‭ ‬الناتو‭ ‬ووجود‭ ‬قوات‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬روسيا‭ ‬غير‭ ‬مقبول،‭ ‬حتى‭ ‬منذ‭ ‬أيام‭ ‬الرئيس‭ ‬السابق‭ ‬بوريس‭ ‬يلتسين‭. ‬وقدم‭ ‬الأمريكان‭ ‬تعهدات‭ ‬بعدم‭ ‬التقدم‭ ‬نحو‭ ‬الحدود‭ ‬الروسية،‭ ‬ولكن‭ ‬جميع‭ ‬تلك‭ ‬التعهدات‭ ‬ذهبت‭ ‬مع‭ ‬الريح،‭ ‬وها‭ ‬هي‭ ‬روسيا‭ ‬نفسها‭ ‬محاصرة‭ ‬تماما‭. ‬وكانت‭ ‬أوكرانيا‭ ‬هي‭ ‬المساحة‭ ‬المتبقية‭ ‬قبل‭ ‬الإطباق‭ ‬على‭ ‬روسيا‭ ‬الاتحادية‭ ‬وحصارها‭. ‬ولذلك‭ ‬حاولت‭ ‬عدة‭ ‬مرات‭ ‬ومنذ‭ ‬نهاية‭ ‬التسعينيات‭ ‬ثني‭ ‬الغرب‭ ‬عن‭ ‬التقدم‭ ‬نحو‭ ‬أوكرانيا‭ ‬دون‭ ‬جدوى‭. ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬الغرب‭ ‬متفهما‭ ‬تماما‭ ‬للمخاوف‭ ‬والمصالح‭ ‬الروسية‭.‬

وكانت‭ ‬بداية‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2014‭ ‬عندما‭ ‬جرى‭ ‬الانقلاب‭ ‬على‭ ‬الرئيس‭ ‬الشرعي‭ ‬المنتخب‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الشعب،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬ملتزما‭ ‬بسياسة‭ ‬الحياد،‭ ‬وبعلاقات‭ ‬متوازنة‭ ‬مع‭ ‬الجار‭ ‬الروسي‭. ‬وجاءت‭ ‬حكومة‭ ‬الانقلاب‭ ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬ومن‭ ‬القوى‭ ‬القومية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬المتشددة‭ ‬والتي‭ ‬تناصب‭ ‬روسيا‭ ‬العداء،‭ ‬بل‭ ‬وتناصب‭ ‬قسما‭ ‬مهما‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬الأوكراني‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬روسي‭ ‬نفس‭ ‬العداء‭. ‬وكان‭ ‬أول‭ ‬قرارات‭ ‬حكومة‭ ‬الانقلاب‭ ‬منع‭ ‬استخدام‭ ‬اللغات‭ ‬غير‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬فانتفض‭ ‬الأوكرانيون‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬روسي‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الدونباس،‭ ‬رافضين‭ ‬هذه‭ ‬القرارات،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬الرئيس‭ ‬زيلينسكي‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬حكمه‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬وعد‭ ‬بمراعاة‭ ‬حقوق‭ ‬الأقليات‭ ‬القومية،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬القوميين‭ ‬المتطرفين‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬مفتوحة‭ ‬مع‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬شعبه‭ ‬في‭ ‬الدونباس‭.‬

إن‭ (‬90%‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬الدونباس‭ ‬روس‭) ‬ولذلك‭ ‬انتفض‭ ‬هؤلاء‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬الدولة‭ ‬تستخدم‭ ‬المدافع‭ ‬والطائرات‭ ‬لردعهم‭ ‬وبلغ‭ ‬عدد‭ ‬القتلى‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬الإقليم‭ ‬من‭ ‬المدنيين‭ ‬حول‭ ‬15‭ ‬ألف‭ ‬قتيل،‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬كان‭ ‬كل‭ ‬هدفهم‭ ‬هو‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬حقوقهم‭ ‬الثقافية‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الانفصال‭ ‬عن‭ ‬أوكرانيا‭ ‬مطروحا‭ ‬من‭ ‬قبلهم‭ ‬قبل‭ ‬هذه‭ ‬المجازر‭ ‬التي‭ ‬ارتكبت‭ ‬بحقهم‭.‬

وبعد‭ ‬تصاعد‭ ‬هذه‭ ‬المواجهة‭ ‬تدخل‭ ‬الروس‭ ‬لدعم‭ ‬سكان‭ ‬دونباس‭ ‬بالسلاح،‭ ‬دون‭ ‬اجتياحه‭ ‬مطلقا‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تم‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاق‭ ‬منسك‭ ‬الأول‭ ‬والثاني‭ ‬بين‭ ‬الطرفين،‭ ‬والذي‭ ‬تضمن‭ ‬حكما‭ ‬ذاتيا‭ ‬للسكان‭. ‬ووافق‭ ‬الرئيس‭ ‬زيلينسكي‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الاتفاق‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ترشح‭ ‬للرئاسة‭ ‬ولكنه‭ ‬تراجع‭ ‬لاحقا‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬القوميين‭ ‬وقادة‭ ‬الناتو،‭ ‬ويلاحظ‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬السيدة‭ ‬أنجيلا‭ ‬ميركل‭ ‬المستشارة‭ ‬الألمانية‭ ‬السابقة‭ ‬قد‭ ‬اعترفت‭ ‬صراحة‭ ‬بأن‭ ‬ذلك‭ ‬الاتفاق‭ ‬كان‭ ‬مجرد‭ ‬فرصة‭ ‬متاحة‭ ‬لأوكرانيا‭ ‬للتسلح‭ ‬لمواصلة‭ ‬الحرب‭ ‬ضد‭ ‬شعب‭ ‬الدونباس‭ ‬وضد‭ ‬روسيا‭ ‬أيضا‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬مجرد‭ ‬اتفاق‭ ‬لكسب‭ ‬الوقت‭. ‬وكانت‭ ‬أوروبا‭ ‬وأمريكا‭ ‬طرفا‭ ‬مؤثرا‭ ‬في‭ ‬رفض‭ ‬أوكرانيا‭ ‬أي‭ ‬حوار‭ ‬مع‭ ‬روسيا‭ ‬أو‭ ‬عقد‭ ‬اتفاق‭ ‬معها‭. ‬كانت‭ ‬الحرب‭ ‬هي‭ ‬اللغة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬تبنيها‭ ‬استنادا‭ ‬إلى‭ ‬اعتقاد‭ ‬خاطئ‭ ‬بأن‭ (‬روسيا‭ ‬ضعيفة‭ ‬ويمكن‭ ‬إلحاق‭ ‬الهزيمة‭ ‬بها‭ ‬بكل‭ ‬سهولة‭.). ‬كما‭ ‬كانوا‭ ‬يقولون‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬يتبين‭ ‬أن‭ ‬السرديات‭ ‬الغربية‭ ‬بخصوص‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬خاطئة‭ ‬تماما‭ ‬وقائمة‭ ‬على‭ ‬التضليل‭. ‬فروسيا‭ ‬اضطرت‭ ‬اضطرارا‭ ‬للدخول‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬لأنه‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معروف‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬السياسة‭ ‬بأن‭ ‬أي‭ ‬بلد‭ ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬مصالحه‭ ‬القومية‭ ‬سلميا،‭ ‬فلا‭ ‬يبقى‭ ‬أمامه‭ ‬سوى‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬لمواجهة‭ ‬التهديديات‭ ‬الضاغطة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬فعلته‭ ‬روسيا‭ ‬مضطرة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا