إنها مملكة لا نظير لها بين ممالك الأرض، وهي عطاء من الله تعالى، العزيز الحكيم، واستجابة من الله تعالى لنبي من الأنبياء سأل ربه سبحانه أن يؤتيه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، قال تعالى على لسان نبيه سليمان: (قال رب اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنك أنت الوهاب) (ص/35).
واستجاب له ربه سبحانه، ووهب له ما لم يهبه لنبي أو رسول بعده.. لقد وهبه مملكة رعاياها من الجن على اختلاف مراتبهم، ومن الإنس على تعدد معارفهم وعلومهم ، وعلمه أيضًا منطق الطير، وورث سليمان جميع العلوم والمعارف التي أوتيها أبوه نبي الله داوود (عليه السلام) قال تعالى: (وورث سليمان داوود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين (16) وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون (17) حتى إذًا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (18) فتبسم ضاحكًا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (19)) النمل.
مملكة عجيبة لا يوجد في الممالك نظير لها، أو حتى شبيه لها.. والسؤال الذي حيرني، وربما حير غيري هو: كيف يسوس النبي الملك، والملك النبي سليمان رعيته على اختلاف ألسنتها وألوانها، وأشكالها من أدنى المخلوقات، وهي النمل، وأعظم المخلوقات من الجن بدرجاتهم ومراتبهم المختلفة، وفيهم الجن العاديون، والجن العفاريت، وفيهم من عنده علم من الكتاب الذي تفوق على عفريت من الجن في سرعة إحضار عرش الملكة بلقيس من اليمن، وحسم بذلك ترددها في القدوم إليه عندما بَيَّنَ لها إمكاناته الهائلة التي منحه الله تعالى له، فتنتهي عن عزمها الدخول معه في حرب غير متكافئة بكل المقاييس، هي ملكة تحكم شعبها من البشر، وهو نبي مرسل من الله، وسليمان يحكم مملكة، بل قل ممالك من الجن والإنس والطير بأشكالها المختلفة، ويملك أيضًا النمل وما فوقه وما دونه.. يسمع لحديثهم، ويفهم غاياتهم ومقاصدهم، وحق له أن يشكر الله تعالى على هذه النعم التي انفرد بها نبي الله سليمان (عليه السلام) وفعلًا لم يحظ نبي أو رسول، وحتى أولو العزم من الرسل بمثل ما حظي به هذا النبي الكريم، وربما الرسول الوحيد الذي تفوق عليه هو رسول الإسلام محمد(صلى الله عليه وسلم) الذي ختم الله به الأنبياء ، وجعله الرسول الخاتم، صاحب الشريعة الخاتمة، والمعجزة الخاتمة، والأمة الخاتمة، ولقد بشر به نبي الله عيسى (عليه الصلاة والسلام)، قال تعالى: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين) الصف / 6.
وأنعم عليه بأمة تحمل عنه أعباء الرسالة الخاتمة، فحق لهم أن يوصفوا بأن العلماء منهم كأنبياء بني إسرائيل تحمل عنه الرسالة الخاتمة، وتنشرها في الآفاق بين الأمم ليحققوا بذلك ظهور الإسلام على غيره من الرسالات، وغلبته على الرسالات التي سبقت رسالته صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) الصف / 9.
نعم إن محمد (صلى الله عليه وسلم) رسول وخاتم النبيين هو صاحب الرسالة الخاتمة، والشرع القويم، وهو صحب الدين الكامل، قال تعالى: (.. اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) المائدة /3.
وإذا كان نبي الله سليمان قد ورث الملك عن أبيه داود، وأن الله تعالى قد آتاه ما لم يؤت أحدًا من العالمين حيث ميزه في مملكته، وجعل رعيته تستوعب الجن، والإنس، والطير، والنمل، ولكن كل ذلك ينتهي بموت النبي الذي نزلت عليه هذه المعجزات، أما معجزة رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم)، فهي باقية، خالدة خلود الزمان والمكان حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.
إن معجزة الإسلام، وعظمة شرائعه، وسمو قيمه ومبادئه تميز بها عن غيره من الرسل والأنبياء (صلوات الله وتعالى عليهم جميعًا)، وله من المعجزات ما لم يتحقق لأحد من الأنبياء كمعجزة الإسراء والمعراج، واجتماعه صلى الله عليه وسلم بإخوانه الأنبياء في بيت المقدس، وإمامته لهم جميعًا في الصلاة، وبلوغه منزلة لم يبلغها ملك مقرب، أو نبي مرسل، وقال له جبريل عليه السلام لما بلغا سدرة المنتهى ، وأحجم جبريل أن يتقدم خطوة واحدة، وقال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم): أنت لو تقدمت لاخترقت، وأنا لو تقدمت لاحترقت، وقال أمير الشعراء أحمد شوقي:
حتى بلغت سماءً لا يطار لها
على جناح ولا يسعى على قدم
وقيل كل نبي عند رتبته
ويا محمد هذا العرش فاستلم
ولما نودي للصلاة قدموه إمامًا لهم مع جبريل أمين الوحي، وهذه ميزة امتاز بها رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم)على إخوانه من الأنبياء والمرسلين ليلة الإسراء والمعراج حتى تحقق له (صلوات الله وسلامه عليه) حقيقة القرب، ليس هذا فحسب، بل جمع له الله تعالى دور العبادة التي تمثل الرسالات جميعها، وبالتالي وضع الله تعالى في عنق المسلمين مسؤولية الدفاع عن أرض الإسراء والمعراج، وهذا ما أكده الرسول الأعظم حين قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول(صلى الله عليه وسلم) ومسجد الأقصى» البخاري.
هذا هو مقام الأنبياء، وفي مقدمتهم نبي الإسلام (صلى الله عليه وسلم) فإذا كان نبي الله سليمان (عليه السلام) أوتي من العطايا ما لم يؤت أحد من العالمين، وتبسم حين سمع النملة تحذر قومها، وفهم ووعى مقالتها، فإن رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم) قد أوتي ما لم يؤت أحد من الأنبياء، أوتي معجزة دائمة ما بقي الليل والنهار، وأوتي شريعة كاملة تامة، وأمة وصفها الحق سبحانه بأنها أمةً وسطا، وهي خير أمة أخرجت للناس، وهي أمة شهيدة على الأمم جميعها.. هذه أمة أكرمها الله تعالى بمزايا لم تنلها أمة من قبل.
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك