العدد : ١٦٧٧٥ - الاثنين ٢٦ فبراير ٢٠٢٤ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٧٧٥ - الاثنين ٢٦ فبراير ٢٠٢٤ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤٥هـ

الثقافي

الحب.. السعادة.. والفقد في الفيلم السينمائي «أنا.. قبلك»

بقلم: نور كريم الطائي

السبت ٠٢ ديسمبر ٢٠٢٣ - 02:00

معايير‭ ‬الإنسانية‭ ‬خلقت‭ ‬بمفهوم‭ ‬الحب‭ ‬حتماً‭ ‬ليس‭ ‬حب‭ ‬الأنا‭ ‬أكيد‭.. ‬بل‭ ‬ذلك‭ ‬الحب‭ ‬النقي‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الانسان‭ ‬يترفع‭ ‬عن‭ ‬كونه‭ ‬منحطاً‭ ‬بتصرفٍ‭ ‬او‭ ‬كلمة‭ ‬او‭ ‬فعل‭ ‬او‭ ‬حتى‭ ‬خلجات‭ ‬نفس‮…‬‭ ‬ذاك‭ ‬الحب‭ ‬النقي‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬منحه‭ ‬الا‭ ‬لأناس‭ ‬يختارهم‭ ‬الرب‭ ‬رحمة‭ ‬لغيرهم‭... ‬وقيمة‭ ‬الانسانية‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬الاحتياج‭ ‬الحقيقي‭ ‬للرأفة‮…‬‭ ‬ليست‭ ‬تلك‭ ‬الممزوجة‭ ‬بالشفقة‭.. ‬انما‭ ‬تلك‭ ‬الرأفة‭ ‬الممتزجة‭ ‬بالحب‭ ‬والعاطفة‭ ‬والصدق‭ ‬والرحمة‭ ‬‮…‬‭ ‬ان‭ ‬فلم‭ ‬me‭ ‬before‭ ‬you‭ ‬من‭ ‬بطولة‭ ‬إميليا‭ ‬كلارك‭ ‬وسام‭ ‬كلافلن‭ ‬وجانين‭ ‬مكتير‭ ‬وتشارلز‭ ‬دانس‭ ‬المأخوذ‭ ‬من‭ ‬رواية‭ ‬انا‭ ‬قبلك‭ ‬لجوجو‭ ‬مويس‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الروايات‭ ‬مبيعا‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬تشهد‭ ‬تحول‭ ‬الرواية‭ ‬الى‭ ‬السينما‭ ‬تعقيدات‭ ‬عدة‭ ‬الا‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬حاول‭ ‬ان‭ ‬يحرك‭ ‬الساكن‭ ‬من‭ ‬السرد‭ ‬الروائي،‭ ‬فقد‭ ‬المخرج‭ ‬فلم‭ ‬درامي‭ ‬رومانسي‭ ‬يأخذك‭ ‬لعالم‭ ‬بسيط‭ ‬المفهوم‭ ‬عميق‭ ‬الاحساس‮…‬‭ ‬شاب‭ ‬ثلاثيني‭ ‬عاشق‭ ‬لحياة‭ ‬الرفاهية‭ ‬ناجح‭ ‬في‭ ‬اعماله‭ ‬ولديه‭ ‬تلك‭ ‬الحبيبة‭ ‬الجميلة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬ينفك‭ ‬يبادلها‭ ‬الرومانسية‮…‬‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬ممطر‭ ‬قرر‭ ‬القدر‭ ‬ان‭ ‬يجعله‭ ‬مقعداً‭ ‬مصابا‭ ‬بالشلل‭ ‬الرباعي‮…‬‭ ‬ولأنه‭ ‬كان‭ ‬يعشق‭ ‬الحياة‭ ‬ولا‭ ‬يستطيع‭ ‬ان‭ ‬يتخيل‭ ‬نفسه‭ ‬بهذا‭ ‬العجز‭ ‬البائس‭ ‬فأنه‭ ‬يقدم‭ ‬طلباً‭ ‬لما‭ ‬يسمونه‭ (‬القتل‭.. ‬الرحيم‭) ‬ولان‭ ‬والديه‭ ‬لا‭ ‬يستسيغان‭ ‬فكرة‭ ‬فقدانه‭.. ‬قررت‭ ‬أمه‭ ‬أن‭ ‬توظف‭ ‬فتاة‭ ‬بسيطة‭ ‬تتسم‭ ‬بالغباء‭ ‬نوعا‭ ‬ما‭ ‬او‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬عليها‭! ‬اكثر‭ ‬صفة‭ ‬جاذبة‭ ‬لها‭ ‬بانها‭ (‬رقيقة‭ ‬الحديث‭) ‬وصفات‭ ‬اخرى‭ ‬مرحة‭ ‬عفوية‭ ‬لطيفة‭ ‬المظهر‭ ‬حسية‭ ‬الروح‭ ‬وكذلك‭ ‬جميلة‭ ‬المنطق‮…‬‭ ‬وساذجة‭ ‬احياناً‮…‬‭ ‬ولأنها‭ ‬من‭ ‬عائلة‭ ‬فقيرة‭ ‬تضطر‭ ‬لان‭ ‬تقبل‭ ‬الوظيفة‭.. ‬جل‭ ‬مهاراتها‭ ‬اعداد‭ ‬كوب‭ ‬من‭ ‬الشاي‮…‬‭ ‬لتلتقي‭ ‬بذلك‭ ‬الفتى‭ ‬النرجسي‭ ‬المتكبر‭ ‬الذي‭. ‬ينظر‭ ‬لها‭ ‬ولملابسها‭ ‬بنظرة‭ ‬الاستهزاء‭ ‬والضحك‭... ‬تستطيع‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬نقطة‭ ‬فاصله‭ ‬بين‭ ‬قلبه‭ ‬والحزن‮…‬‭ ‬ولأنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يريد‭ ‬لها‭ ‬الوجع‭ ‬وانه‭ ‬عاجزاً‭ ‬عن‭ ‬يمنحها‭ ‬الحياة‭ ‬الطبيعية‭ ‬يقرر‭ ‬ان‭ ‬يستسلم‮…‬‭ ‬تاركاً‭ ‬لها‭ ‬احلامه‭ ‬لتحققها‭ ‬بطريقتها‭ ‬الخاصة‮…‬‭ (‬ان‭ ‬اتبعتِ‭ ‬التعليمات‭ ‬ستكونين‭ ‬في‭ ‬باريس‭.. ‬على‭ ‬أحد‭ ‬تلك‭ ‬الكراسي‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تستند‭ ‬بشكلٍ‭ ‬مستوٍ‭ ‬ابداً‭ ‬على‭ ‬الرصيف؛‭ ‬واتمنى‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬الجو‭ ‬مشمس،‭ ‬على‭ ‬يمينك‭ ‬ستري‭ ‬محل‭ ‬عطور‭ (‬لارتزيان‭) ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬تجربي‭ ‬عطر‭ ‬اسمه‭ (‬بالين‭ ‬اكستريم‭) ‬اعتقد‭ ‬ان‭ ‬رائحته‭ ‬ستكون‭ ‬رائعة‭ ‬عليكِ‮…‬لا‭ ‬تبدئي‭ ‬بخوف‭.. ‬عيشي‭ ‬بجرأة‭ ‬كلارك‭.. ‬ادفعي‭ ‬نفسك‭ ‬لا‭ ‬تستقري‭.. ‬ارتدي‭ ‬ما‭ ‬تحبين‭ ‬بفخر‮…‬‭ ‬واعلمي‭ ‬ان‭ ‬لديك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الخيارات‭ ‬كرفاهية‮…‬‭ ‬انت‭ ‬مسجلة‭ ‬على‭ ‬قلبي‭ ‬يا‭ ‬كلارك‭..) ‬كلماته‭ ‬الاخيرة‭ ‬لها‭ ‬كانت‭ ‬رسالة‭ ‬جلست‭ ‬تقرأها‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الكرسي‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬ترك‭ ‬لها‭ ‬ثروة‭ ‬طائلة‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬بتحقيق‭ ‬احلامها‭... ‬للقصة‭ ‬زمكان‭ ‬خيالي‭ ‬واقعي‭ ‬يجعل‭ ‬قلبك‭ ‬يخفق‭ ‬للحياة‭ ‬ويجعل‭ ‬نفسك‭ ‬تشعر‭ ‬بارتياح‭ ‬غرائبي‭ ‬وكأنك‭ ‬تطفو‭ ‬فوق‭ ‬السحاب‭ ‬لبرهة‭ ‬ثم‭ ‬فجأة‭ ‬ترتطم‭ ‬بالأرض‭ ‬عند‭ ‬لحظة‭ ‬يأس‭ ‬يشعر‭ ‬بها‭ ‬البطل‭ ‬وهو‭ ‬يرى‭ ‬ان‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬السعادات‭ ‬ستغادرها‭ ‬عندما‭ ‬يرحل‭.. ‬انها‭ ‬حقاً‭ ‬قصة‭ ‬عميقة‭ ‬الانسانية‭ ‬ومثالٍ‭ ‬رائع‭ ‬للحب‭ ‬والتضحية‭ ‬بصورة‭ ‬فذة‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬ثمة‭ ‬ابعاد‭ ‬إنسانية‭ ‬واجتماعية‭ ‬وعاطفية‭ ‬ولكنها‭ ‬لا‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬مسارين‭ ‬فلسفيين‭ ‬مهمين‭ ‬أولهما‭ ‬يتعلق‭ ‬بقيمة‭ ‬الطاقة‭ ‬الإيجابية‭ ‬والحياة‭ ‬المتدفقة‭ ‬التي‭ ‬تنبعث‭ ‬من‭ ‬الفتاة‭ ‬الساذجة‭ (‬كلارك‭) ‬وبين‭ ‬كمية‭ (‬الإحباط‭ ‬واليأس‭ ‬والعدمية‭) ‬التي‭ ‬تمظهرت‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬هذا‭ ‬الشاب‭ (‬المصاب‭ ‬بالشلل‭ ‬الرباعي‭) ‬رغم‭ ‬ان‭ ‬مجريات‭ ‬الاحداث‭ ‬كانت‭ ‬توحي‭ ‬بقيمة‭ ‬الحياة‭ ‬وديناميكيتها‭ ‬التي‭ ‬منحتها‭ ‬كلارك‭ ‬لهذا‭ ‬الشاب‭ ‬ويل‭ ‬تراينور،‭ ‬ان‭ ‬المؤلف‭ ‬والمخرج‭ ‬قدما‭ ‬معا‭ ‬رسالة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬وهي‭ ‬ان‭ ‬السعادة‭ ‬ربما‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬التفاصيل‭ ‬البسيطة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يراها‭ ‬الاخر‭ ‬بانها‭ (‬سذاجة‭) ‬كما‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ (‬فرحة‭ ‬كلارك‭ ‬بالجوارب‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ترتديها‭ ‬بالطفولة‭) ‬فما‭ ‬بين‭ ‬ملايين‭ ‬عائلة‭ ‬ويل‭ (‬التي‭ ‬لم‭ ‬توفر‭ ‬له‭ ‬السعادة‭) ‬وما‭ ‬بين‭ (‬فقر‭ ‬كلارك‭ ‬المادي‭ ‬وغناها‭ ‬بقناعاتها‭ ‬ولحظات‭ ‬سعاداتها‭ ‬البسيطة‭) ‬ثمة‭ ‬رسالتين‭ ‬متناقضة‭ ‬أراد‭ ‬لهما‭ ‬المخرج‭ ‬ان‭ ‬يكشفا‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬الانسان‭ ‬سعيداً‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعمورة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الجزئيات‭ ‬البسيطة،‭ ‬فإن‭ ‬تعيش‭ ‬بجزئيات‭ ‬بسيطة‭ ‬توفر‭ ‬لك‭ ‬السعادة‭ ‬ممكن‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬نسق‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬يحمل‭ ‬معه‭ ‬مفاجآت‭ ‬مستقبلية‭ ‬كما‭ ‬حصل‭ ‬للفتاة‭ ‬الساذجة‭ ‬كلارك‭ ‬والتي‭ ‬حصلت‭ ‬على‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬ثروة‭ ‬ويل،‭ ‬ولكن‭ ‬السؤال‭ ‬الجدلي‭ ‬لماذا‭ ‬دفعنا‭ ‬المؤلف‭ ‬والمخرج‭ ‬ان‭ ‬نعتقد‭ ‬ان‭ ‬نهاية‭ ‬الفيلم‭ ‬مثلت‭ ‬انتصار‭ (‬البؤس‭ ‬والعدمية‭) ‬على‭ (‬طرق‭ ‬السعادة‭ ‬وبساطتها‭ ‬وحب‭ ‬الحياة‭) ‬فانتصرت‭ ‬في‭ ‬الأخيرة‭ ‬إرادة‭ ‬ويل‭ ‬بطلب‭ (‬الموت‭ ‬الرحيم‭). ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬يدفعك‭ ‬للتفكير‭ ‬ملياً‭ ‬وترتيب‭ ‬اوراقك‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬عن‭ ‬بساطة‭ ‬العيش‭ ‬سعيداً‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعمورة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الثروة‭ ‬المادية،‭ ‬ففي‭ ‬بعض‭ ‬الجزئيات‭ ‬والتفاصيل‭ ‬تكمن‭ ‬السعادة‭ ‬الحقيقية،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬ترسخه‭ ‬كلارك‭ ‬بسلوكياتها‭ ‬اليومية‭ ‬غير‭ ‬المصطنعة‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬فتاة‭ ‬على‭ ‬سجيتها‭ ‬بجمال‭ ‬روحها‭ ‬وابتسامتها‭ ‬التي‭ ‬تضف‭ ‬سعادة‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يشاهدها،‭ ‬فيلم‭ ‬يستحق‭ ‬التحليل‭ ‬والتشريح‭ ‬النفسي‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬ابعاد‭ ‬ودلالات‭ ‬وقيم‭ ‬فكرية‭ ‬استطاع‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬المؤلف‭ ‬والمخرج‭ ‬وببراعة‭ ‬تمثيلية‭ ‬من‭ ‬البطلين‭ ‬ان‭ ‬يوصلاها‭ ‬إلينا‭ ‬كمتلقين‭.‬

كاتبة‭ ‬ومترجمة‭ ‬

من‭ ‬العراق‭ - ‬البصرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا