العدد : ١٦٨٩٥ - الثلاثاء ٢٥ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٩ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٨٩٥ - الثلاثاء ٢٥ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٩ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

الثقافي

شعرية علي النهام (جدلية الامتداد والقطيعة) 1-2

السبت ٢٥ نوفمبر ٢٠٢٣ - 02:00

أُتيحَ‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أتعرّف‭ ‬على‭ ‬الأستاذ‭ ‬علي‭ ‬النهام‭ ‬على‭ ‬فضاء‭ ‬الأوراق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ديوانه‭ (‬دهشةُ‭ ‬النّاي‭)‬،‭ ‬وأنا‭ ‬عندما‭ ‬أصافحُ‭ ‬لشاعرٍ‭ ‬ديوانًا‭ ‬جديدًا‭ ‬أسأل‭: ‬ما‭ ‬الثابت؟‭ ‬وما‭ ‬المتغير؟

عندما‭ ‬نطالع‭ ‬هذا‭ ‬الديوان‭ ‬الجديد،‭ ‬هل‭ ‬استطاع‭ ‬علي‭ ‬النهام‭ ‬أن‭ ‬يقلبَ‭ ‬الطاولة؟‭ ‬وأن‭ ‬يتمرد‭ ‬على‭ ‬ذاته؟‭ ‬وأن‭ ‬يحتفر‭ ‬بأظافره‭ ‬معجمًا‭ ‬جديدًا‭ ‬ونسقًا‭ ‬جديدًا‭ ‬من‭ ‬الأخيلة‭ ‬والصّور؟‭ ‬هذا‭ ‬سؤال،‭ ‬ويتبعهُ‭ ‬بالضّرورةِ‭ ‬سؤالٌ‭ ‬آخر‭: ‬أين‭ ‬علي‭ ‬النهام‭ ‬من‭ ‬الخارطة‭ ‬الشعريّة‭ ‬البحرينيّة؟

و‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نعرف،‭ ‬وأنا‭ ‬أعرف‭ ‬أنّ‭ ‬القارئ‭ ‬العربي‭ ‬ليسَ‭ ‬متابعًا‭ ‬للشّعرِ‭ ‬البحرينيّ‭ ‬بالقدرِ‭ ‬الكافي‭ ‬

الشّعرُ‭ ‬البحرينيُّ‭ ‬تتوزّعهُ‭ ‬تياراتٌ‭ ‬أربعة‭: ‬تيّار‭ ‬الإحيائيّة،‭ ‬وتيّار‭ ‬الإحيائيّة‭ ‬الجديدة،‭ ‬وتيّار‭ ‬الرومنسيّة،‭ ‬وتيّارُ‭ ‬الحداثة‭ .‬

وأنا‭ ‬في‭ ‬تقديري‭ ‬الخاص،‭ ‬وقد‭ ‬أكونُ‭ ‬مخطئًا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التقدير‭: ‬أنّ‭ ‬علي‭ ‬النهام‭ ‬هو‭ ‬الامتداد‭ ‬الطّبيعي‭ ‬لمدرسة‭ ‬قاسم‭ ‬حدّاد،‭ ‬هو‭ ‬الامتداد‭ ‬الطّبيعي‭ ‬لمدرسة‭ ‬الحداثة‭ ‬الشّعريّة‭ ‬بنسق‭ ‬صورِهِ‭ ‬وأخيلتهِ‭ (‬البيوريتانية‭)‬،‭ ‬أخيلة‭ ‬ترتبط‭ ‬بالطّبيعة،‭ ‬وتستحثُّ‭ ‬الطّبيعة،‭ ‬وتستفزُّ‭ ‬مفرداتِ‭ ‬الطّبيعة،‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬القصيدة‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬الديوان‭ ‬تكاد‭ ‬تشعر‭ ‬أنّ‭ ‬الذات‭ ‬الشّاعرة‭ ‬لا‭ ‬تعيشُ‭ ‬في‭ ‬المدينةِ‭ ‬أصلًا،‭ ‬وإنّما‭ ‬تلتحمُ‭ ‬بالطبيعةِ‭ ‬طولَ‭ ‬الوقت‭ ‬هذه‭ ‬واحدة،‭ ‬الأمر‭ ‬الثاني‭: ‬نحنُ‭ ‬عندما‭ ‬نقارِبُ‭ ‬نصًّا‭ ‬شعريًّا‭ ‬‭ ‬وبالمناسبة‭ ‬لفظة‭ (‬نقد‭) ‬انتهت‭ ‬من‭ ‬المشهد،‭ ‬ما‭ ‬عاد‭ ‬الناس‭ ‬يستخدمون‭ ‬تعبير‭ (‬نقد‭)‬،‭ ‬وإنّما‭ ‬أصبحوا‭ ‬يستخدمون‭ ‬تعبيرًا‭ ‬آخر‭ (‬مقاربة‭) ‬‭ ‬فنحن‭ ‬نقارب‭ ‬النقطة‭ ‬التي‭ ‬نزعم‭ ‬أنّنا‭ ‬فهمناها‭ ‬من‭ ‬النّص،‭ ‬لكنّنا‭ ‬لا‭ ‬نحتكمُ‭ ‬المعنى‭ .‬

علي‭ ‬النهام‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يجدّد‭ ‬َ‭ ‬في‭ ‬عدّةِ‭ ‬مسارات،‭ ‬والمقاربة‭ ‬الحداثيّة‭ ‬تقول‭ ‬لك‭ ‬أنّه‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تُقاربَ‭ ‬النّصَّ‭ ‬الشّعريَّ‭ ‬من‭ ‬خلالِ‭ ‬خمسةِ‭ ‬مستويات،‭ ‬أبرزها‭ ‬مستوى‭ ‬الإيقاع‭ ‬لأنَّ‭ ‬علي‭ ‬النهام‭ ‬ما‭ ‬زالَ‭ ‬محتفظًا‭ ‬بالإيقاع‭ ‬الخليلي،‭ ‬ولم‭ ‬يبرح‭ ‬مدائِنَ‭ ‬الإيقاع‭ ‬الخليلي،‭ ‬وبالتالي‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الإيقاعي‭ ‬ركبَ‭ ‬سمك‭ ‬ُ‭ ‬البحرِ‭ ‬البسيط‭ ‬في‭ ‬عدّة‭ ‬مواضع،‭ ‬وهذا‭ ‬يجعلني‭ ‬أسأل‭: ‬لماذا‭ ‬هذه‭ ‬اللُّحمة‭ ‬بينَ‭ ‬شعريّته‭ ‬وبين‭ ‬البحر‭ ‬البسيط؟‭ ‬والبحر‭ ‬البسيط‭ ‬يربطهُ‭ ‬العَروضيون‭ ‬بالطويل،‭ ‬ولكنّهم‭ ‬يرونَ‭ ‬أنّهُ‭ ‬بحرٌ‭ ‬أرقّ،‭ ‬يتعلّق‭ ‬بالموضوعات‭ ‬الأكثر‭ ‬رهافة،‭ ‬وهذا‭ ‬يجعلنا‭ ‬نعود‭ ‬مرّة‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الدّيوان‭ .‬

النّاقد‭ ‬يحارُ‭ ‬عندما‭ ‬يقاربُ‭ ‬نصًّا‭ ‬شعريًّا؛‭ ‬لأنّه‭ ‬عندما‭ ‬يقاربُ‭ ‬النَّصَّ‭ ‬الشِّعريّ‭ ‬يكادُ‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬داماسو‭ ‬ألونسو‭ ‬‮«‬يمسِكُ‭ ‬بشكيمتهِ‭ ‬عصفورًا،‭ ‬فإذا‭ ‬أطبَقَ‭ ‬شكيمَتَهُ‭ ‬مات‭ ‬العصفور‮»‬،‭ ‬معنى‭ ‬هذا‭ ‬أنّك‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تمسك‭ ‬بحذرٍ‭ ‬شديد،‭ ‬فلا‭ ‬تكون‭ ‬الشكيمَة‭ ‬النقديَّة‭ ‬بالغةِ‭ ‬الإحكام،‭ ‬وأن‭ ‬تسمح‭ ‬لهذا‭ ‬العصفور‭ ‬بأن‭ ‬يتنفَّس‭. ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الأساس‭ ‬أعود‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬شعرية‭ ‬علي‭ ‬النهام‭ .‬

علي‭ ‬النهام‭ ‬يجدّد‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬المورفولوجي‭ ‬الاشتقاقي‭ .‬

لم‭ ‬أجد‭ ‬شاعرًا‭ ‬يستخدم‭ ‬تعبير‭ (‬يؤبجد‭)‬،‭ ‬ولم‭ ‬أجد‭ ‬شاعرًا‭ ‬يستخدم‭ ‬تعبير‭ (‬يجوهر‭)‬،‭ ‬هو‭ ‬اشتق‭ ‬أو‭ ‬احتفرَ‭ ‬اشتقاقًا‭ ‬لهذين‭ ‬التعبيرين‭ ‬ونَحَتَهُما‭ ‬بأظافره‭. ‬الذات‭ ‬الشاعرة‭ ‬هنا‭ ‬مطالبة‭ ‬بتعبير‭ ‬الشّاعر‭ ‬نفسه‭ ‬أن‭ ‬تجوهرَ‭ ‬الطيب،‭ ‬وهذا‭ ‬النّوع‭ ‬من‭ ‬الاشتقاق‭ ‬يجعلني‭ ‬أسأل‭: ‬هل‭ ‬مهمة‭ ‬الشّعراء‭ ‬أن‭ ‬يستَبْقوا‭ ‬المستوى‭ ‬اللّغوي‭ ‬كما‭ ‬هو؟‭ ‬مراميق‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬الشّعراء‭ ‬هم‭ ‬طليعةُ‭ ‬الخلقِ‭ ‬في‭ ‬اللّغة،‭ ‬فإذا‭ ‬استسلمَ‭ ‬الجميع‭ ‬للغةٍ‭ ‬بحسبانها‭ ‬عُرفًا،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الشّاعرَ‭ ‬هو‭ ‬الكائنُ‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يخترقُ‭ ‬هذا‭ ‬العُرف‭ ‬ويصنع‭ ‬المعابرَ‭ ‬الجديدة‭ .‬

على‭ ‬هذا‭ ‬الأساس‭.. ‬إذا‭ ‬اتفقنا‭ ‬أنّ‭ ‬علي‭ ‬النهام‭ ‬هو‭ ‬الامتداد‭ ‬الطبيعي‭ ‬لمدرسة‭ ‬قاسم‭ ‬حدّاد‭ ‬بنسقِ‭ ‬صورهِ‭ ‬وأخيلتهِ‭ ‬وحداثتهِ‭ ‬الخاصّة،‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نستدير‭ ‬مرَّة‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬الشّعرِ‭ ‬البحرينيّ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬موقع‭ ‬علي‭ ‬النهام‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشّعر‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬الديوان‭ ‬الذي‭ ‬ينتظمُ‭ ‬بينَ‭ ‬دفَّتيه‭ ‬ثلاث‭ ‬وثلاثونَ‭ ‬قصيدة،‭ ‬ليست‭ ‬معمّدة‭ ‬بماءٍ‭ ‬واحد،‭ ‬هناك‭ ‬قصائدٌ‭ ‬حلّقت،‭ ‬بل‭ ‬صعدت‭ ‬إلى‭ ‬الجوزاء،‭ ‬وهناك‭ ‬قصائد‭ ‬أرادَ‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬أن‭ ‬ينقل‭ ‬رسالة،‭ ‬فكانت‭ ‬الرّسالة‭ ‬مؤنةً‭ ‬وعبئًا‭ ‬على‭ ‬القصيدة،‭ ‬حَدَثَ‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬التفاتات‭ ‬قليلة،‭ ‬ولكنَّ‭ ‬علي‭ ‬النهام‭ ‬يمتلك‭ ‬أدواته‭ ‬ويمتلك‭ ‬البوصلة‭ ‬التي‭ ‬تذهب‭ ‬بهِ‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬الابتكار‭. ‬‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرينَ‭ ‬عامًا‭ ‬سألتُ‭ ‬الكاتب‭ ‬العراقي‭ ‬الكبير‭ ‬جبرا‭ ‬إبراهيم‭ ‬جبرا،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬صنّاع‭ ‬الحداثة‭ ‬العربيّة،‭ ‬قلت‭ ‬له‭: ‬ما‭ ‬أصعب‭ ‬مهمة‭ ‬تواجهك؟‭ ‬قال‭ ‬لي‭: ‬أن‭ ‬ابتكرَ‭ ‬مساحةً‭ ‬جديدة‭. ‬‭ ‬بدأ‭ ‬بإهداء‭ ‬الديوان‭ ‬إلى‭ ‬الرّفاق،‭ ‬ولا‭ ‬ندري‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬الرّفاق‭ ‬بألِف‭ ‬لام‭ ‬العهد،‭ ‬لكنّه‭ ‬تركَها‭ ‬سائبة‭ ‬معلّقة‭ ‬لتأويل‭ ‬القارئ،‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬هؤلاء‭ ‬الرفاق‭ ‬في‭ ‬بطاقته‭ ‬التعريفيّة؟‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬تقاسموا‭ ‬معه‭ ‬الشّعر‭ ‬والخبز‭ ‬والأحلام،‭ ‬فبدأ‭ ‬بتوطيد‭ ‬هذه‭ ‬الأقاليم‭ ‬الثلاثة‭ ‬وأدار‭ ‬عليها‭ ‬قصائده،‭ ‬وأنا‭ ‬أعتقد‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬الدّيوان‭ ‬ينتمي‭ ‬تصنيفيًا‭ ‬إلى‭ ‬المدرسة‭ ‬الرومنسيّة‭ ‬الجديدة‭ ‬بين‭ ‬ظفرين؛‭ ‬لأنّ‭ ‬المدرسة‭ ‬الرومنسيّة‭ ‬الجديدة‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬روجر‭ ‬هنكل‭ ‬ترى‭ ‬فيها‭ ‬الأشياء‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬ضباب،‭ ‬لا‭ ‬يحدد‭ ‬شيئًا‭ ‬بذاته،‭ ‬لا‭ ‬يرسم‭ ‬مسارات‭ ‬بعينها،‭ ‬يحفّز‭ ‬بأكثر‭ ‬ممّا‭ ‬يحدّد،‭ ‬نحن‭ ‬كنقّاد‭ ‬كائنات‭ ‬مشاكسة،‭ ‬يمكن‭ ‬الكَرمة‭ ‬علمتنا‭ ‬في‭ ‬مدرستها‭ ‬العريقة‭ ‬أن‭ ‬نمعن‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشّكاس،‭ ‬وأن‭ ‬نستفزَّ‭ ‬الركود‭. ‬

شعريّة‭ ‬علي‭ ‬النهام‭ ‬تتحرك‭ ‬في‭ ‬ثلاث‭ ‬مساحات‭ ‬محدَّدَة،‭ ‬وهو‭ ‬زاد‭ ‬هذا‭ ‬التحديد‭ ‬بالتحديد‭ ‬الذي‭ ‬أحكمهُ‭ ‬في‭ ‬الإهداء،‭ ‬منذ‭ ‬عشرين‭ ‬عامًا‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬نمرُّ‭ ‬على‭ ‬الإهداء،‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬فتوح‭ ‬علم‭ ‬النّص،‭ ‬من‭ ‬ظهور‭ ‬فان‭ ‬دايك‭ ‬رائد‭ ‬علم‭ ‬النصّ‭ ‬أدخل‭ ‬الإهداء،‭ ‬فأصبحنا‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬عتبة‭ ‬العنوان،‭ ‬أصبحنا‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬عتبة‭ ‬الإهداء،‭ ‬وأصبحنا‭ ‬بالضّرورة‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬الغلاف‭ ‬بألوانهِ‭ ‬وأطيافه‭ .‬

علي‭ ‬النهام‭ ‬تحدّث‭ ‬عن‭ (‬كورونا‭)‬،‭ ‬وتحدّث‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬الدكتور‭ ‬أحمد‭ ‬معراف‭ ‬بالأدب‭ ‬الكوروني،‭ ‬وأنا‭ ‬أؤمن‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح،‭ ‬أدبٌ‭ ‬ظهرَ‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬العزلة‭ ‬المقبضة‭ ‬ومع‭ ‬هذه‭ ‬العزلة‭ ‬غير‭ ‬المسبوقة‭ ‬مع‭ ‬التباعد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسميهُ‭ ‬مجازًا‭ ‬بالأدب‭ ‬الكوروني‭ .‬

استخدم‭ ‬التناص‭ ‬طول‭ ‬الوقت،‭ ‬وآخر‭ ‬قصيدة‭ ‬ودعنا‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬الديوان‭ ‬حذّرَ‭ ‬أنَّ‭ ‬النبوّةَ‭ ‬العائدة‭ ‬فقدت‭ ‬سحرَ‭ ‬العصر،‭ ‬قالها‭ ‬لنا‭ ‬صراحةً،‭ ‬النبوّة‭ ‬العائدة‭ ‬فقدت‭ ‬سحر‭ ‬العصر،‭ ‬ولن‭ ‬نستعيد‭ ‬سحرَ‭ ‬العصر،‭ ‬ولن‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نغيّر،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لنا‭ ‬موطئ‭ ‬تحتَ‭ ‬الشّمس‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬حالةٍ‭ ‬واحدة‭: ‬أن‭ ‬نخلعَ‭ ‬النعلين‭ ‬مجدَّدًا‭ ‬وأن‭ ‬نتطهَّر‭ .‬

من‭ ‬أول‭ ‬قصيدة‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬قصيدة‭ ‬يشتغل‭ ‬على‭ ‬ثيمة‭ ‬محددة،‭ ‬وبالتّالي‭ ‬نحنُ‭ ‬أمامَ‭ ‬ديوانٍ‭ ‬بالمعنى‭ ‬الاصطلاحيِّ‭ ‬الكامل؛‭ ‬لأن‭ ‬هناك‭ ‬فروقًا‭ ‬بين‭ ‬الدّيوان‭ ‬والمجموعة‭ ‬الشّعريّة‭. ‬القصائد‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬منجّمة،‭ ‬هناك‭ ‬خيط‭ ‬دلالي‭ ‬رابط‭ ‬ضامّ‭ ‬يأخذ‭ ‬هذه‭ ‬القصائد‭ ‬ويجمعها‭ ‬في‭ ‬جديلةٍ‭ ‬واحدة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬نحن‭ ‬بالضرورة‭ ‬أمام‭ ‬ديوان‭ ‬بالمعنى‭ ‬الاصطلاحيّ‭ ‬الكامل‭. ‬

في‭ ‬العنوان‭ ‬الاتساع‭ ‬هنا‭ ‬يعني‭ ‬في‭ ‬الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬العملة‭ ‬رفيف‭ ‬الأجنحة‭ ‬أي‭: ‬الحريّة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬العنوان‭ ‬دالّ،‭ ‬ويشاكس‭ ‬القارئ‭ ‬من‭ ‬اللّحظة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬إنّ‭ ‬علي‭ ‬النهام‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الشعراء‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬العشر‭ ‬الأخيرة‭ ‬ارتباطًا‭ ‬بالطبيعة،‭ ‬ومن‭ ‬أكثر‭ ‬الشعراء‭ ‬اقترابًا‭ ‬من‭ ‬أشجارها‭ ‬ونباتها‭ ‬وحيوانها،‭ ‬واستخدمَ‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المفردات‭ ‬في‭ ‬نسقِ‭ ‬صورهِ‭ ‬وأخيلته‭ ‬لدرجة‭ ‬أنّهُ‭ ‬يسمي‭ ‬النّخلة‭ ‬تسميةً‭ ‬غريبة‭ ‬‮«‬جدتي‭ ‬الكبرى‮»‬،‭ ‬وكأنّ‭ ‬بينهُ‭ ‬وبين‭ ‬الطبيعة‭ ‬ارتباطًا‭ ‬سلاليا،‭ ‬كأنّ‭ ‬الطبيعة‭ ‬جزءٌ‭ ‬من‭ ‬رحِمه‭ ‬أو‭ ‬كأنّه‭ ‬جزءٌ‭ ‬من‭ ‬رَحِمها‭. (‬جّدتي‭ ‬النخلة‭ ‬الكبرى‭)‬

‮«‬وجدّتي‭ ‬النخلةُ‭ ‬الكبرى‭ ‬تعاتبني‮…‬‭ ‬على‭ ‬صلاتي‭ ‬ولم‭ ‬آتِ‭ ‬بآمينِ‮»‬،‭ ‬ولاحظ‭ ‬معي‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬لحظاتِ‭ ‬العشق‭ ‬تحوّلت‭ ‬في‭ ‬معجمهِ‭ ‬إلى‭ ‬محاريب،‭ ‬وإلى‭ ‬صلاة،‭ ‬وإلى‭ ‬قداسة،‭ ‬وإلى‭ ‬معانٍ‭ ‬علويّة‭ ‬لا‭ ‬تعرفها‭ ‬الأرض‭ ‬وبالتّالي‭ ‬سرَّبَ‭ ‬أو‭ ‬فَتَحَ‭ ‬ثلمةً‭ ‬للمنحى‭ ‬العرفاني‭ ‬أو‭ ‬الصوفي‭ ‬طولَ‭ ‬الوقت‭. ‬أنتَ‭ ‬أمامَ‭ ‬ذاتٍ‭ ‬عاكفة‭ ‬على‭ ‬محاريبها،‭ ‬تصنعُ‭ ‬جملتها‭ ‬الشّعريّة،‭ ‬وتنحتُ‭ ‬صورَها‭ ‬وأخيِلَتها‭. ‬

‮«‬يا‭ ‬جدّتي‭ ‬نشوةُ‭ ‬الألوانِ‭ ‬تُسكرني‮…‬‭ ‬يا‭ ‬للعراءِ‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬جَفَّ‭ ‬يقطيني‮»‬‭. ‬العراء‭ ‬واليقطين‭ ‬والنخل‭ ‬والزهور،‭ ‬هل‭ ‬الذات‭ ‬الشاعرة‭ ‬هنا‭ ‬ابنةُ‭ ‬المدينةِ‭ ‬على‭ ‬الحقيقة‭ ‬أم‭ ‬أنّها‭ ‬ابنةُ‭ ‬البراري‭ ‬والصحراءِ‭ ‬البِكر؟‭ ‬أَتَصَوَّر‭ ‬أنَّ‭ ‬استدعاءَ‭ ‬الطبيعةِ‭ ‬بهذا‭ ‬الزَّخَم‭ ‬وبهذهِ‭ ‬الكثافة‭ ‬معنىً‭ ‬متعمد‭ ‬ومقصود‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا