العدد : ١٦٨٨٧ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ١١ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٨٨٧ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ١١ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

الثقافي

سـرديـات: في استنطاق هوامش الحروب وتواريخ البشر!

بقلم: د. ضياء عبدالله الكعبي

السبت ٢١ أكتوبر ٢٠٢٣ - 02:00

تشتغل‭ ‬الروائيّة‭ ‬البيلاروسيّة‭ ‬سفيتلانا‭ ‬أليكسييفيتش‭ ‬الحائزة‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬في‭ ‬الآداب‭ ‬عام‭ ‬2015‭ ‬على‭ ‬كتابة‭ ‬روائيّة‭ ‬أرشيفية‭ ‬وسرديات‭ ‬توثيقيّة‭ ‬تُعنى‭ ‬بالتفاصيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬المهمة‭ ‬لملايين‭ ‬البشر‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬عانوا‭ ‬ويلات‭ ‬الحروب‭ ‬الكبرى‭ ‬ودمارها‭.. ‬أولئك‭ ‬البشر‭ ‬الذين‭ ‬وثَّقوا‭ ‬في‭ ‬ذاكرتهم‭ ‬لحظاتهم‭ ‬الأخيرة‭ ‬مع‭ ‬أحبائهم‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يفقدوهم‭ ‬ويودعوهم‭ ‬الوداع‭ ‬الأخير‭. ‬وكتابة‭ ‬أليكسييفيتش‭ ‬تحتفي‭ ‬بهؤلاء‭ ‬‮«‬الشهود‮»‬‭ ‬على‭ ‬الحروب‭ ‬التاريخيّة‭ ‬المفصليّة‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬غيّرت‭ ‬وجه‭ ‬البشرية‭ ‬ومساراتها‭ (‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬وما‭ ‬تلاها‭)‬،‭ ‬ورواياتها‭ ‬تنشئ‭ ‬كتابة‭ ‬سردية‭ ‬جديدة‭ ‬يُقدم‭ ‬فيها‭ ‬الحدث‭ ‬التاريخيّ‭ ‬المفصليّ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقنية‭ ‬أصوات‭ ‬متعددة‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬التداخل؛‭ ‬ولذلك‭ ‬فإنَّ‭ ‬حبكتها‭ ‬السردية‭ ‬مغايرة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬‮«‬التبئير‮»‬‭ ‬المتعدِّد‭ ‬الأصوات‭.‬

تمثِّل‭ ‬البيريسترويكا‭_ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬في‭ ‬عهد‭  ‬ميخائيل‭ ‬غورباتشوف‭_‬في‭ ‬رواية‭ ‬أليكسييفيتش‭ ‬‮«‬زمن‭ ‬مستعمل،‭ ‬نهاية‭ ‬الإنسان‭ ‬الأحمر‮»‬‭ ‬محاكمة‭ ‬سردية‭ ‬استعادية‭  ‬لأزمنة‭ ‬الحروب‭ ‬المفصلية‭ ‬الكبرى‭ ‬وهوامش‭ ‬النهايات؛‭ ‬ويؤشّر‭ ‬عنوان‭ ‬الرواية‭ ‬الفرعي‭ ‬‮«‬نهاية‭ ‬الإنسان‭ ‬الأحمر‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬النهاية‭ ‬الكبرى‭ ‬لحقبة‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ (‬1922‭ - ‬1991‭).  ‬وتستنطق‭   ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬عشرات‭ ‬الشهود‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬شهودًا‭ ‬للحظة‭ ‬تاريخيّة‭ ‬مفصلية‭ ‬هي‭ ‬انهيار‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭. ‬إنَّ‭ ‬كتابة‭ ‬أليكسييفيتش‭ ‬السَّردية‭ ‬هي‭ ‬كتابة‭ ‬مغايرة؛‭ ‬فهذه‭ ‬الروائية‭ ‬تبتعد‭ ‬عن‭ ‬التخييل‭ ‬التاريخي‭ ‬وتستبدله‭ ‬بالكولاج‭ ‬التوثيقي‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬سنستمع‭ ‬إلى‭ ‬تداخل‭ ‬أصوات‭ ‬متعددة‭ ‬لن‭ ‬تقودنا‭ ‬إلى‭ ‬نهايات‭ ‬ثابتة‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬حقائق‭ ‬أكيدة‭: ‬عشرات‭ ‬الشهادات‭ ‬لمسؤولين‭ ‬حزبيين،‭ ‬وطلبة،‭ ‬وأمهات،‭ ‬ومحاربين‭ ‬قدامي،‭ ‬ومهووسين‭ ‬بالشيوعية‭ ‬وآخرين‭ ‬متمردين‭. ‬

لقد‭ ‬أجرت‭ ‬سفيتلانا‭ ‬أليكسييفيتش‭ ‬مسحًا‭ ‬شاملاً‭ ‬للإنسان‭ ‬خلال‭ ‬المرحلة‭ ‬السوفياتية‭ ‬خلال‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬رصدها‭ ‬لتواريخ‭ ‬المشاعر‭ ‬التي‭ ‬قلَّما‭ ‬التفت‭ ‬إليها‭ ‬مؤرخو‭ ‬الحروب‭.  ‬وربّما‭ ‬ألهمها‭ ‬اشتغالها‭ ‬في‭ ‬الصحافة‭ ‬الاستقصائية‭ ‬سنواتٍ‭ ‬عدة‭ ‬ابتكار‭ ‬تلك‭ ‬الأرشفة‭ ‬السردية‭ ‬التي‭  ‬ميَّزت‭ ‬مجمل‭ ‬أعمالها‭ ‬الروائيّة؛‭ ‬ففي‭ ‬روايتها‭ ‬‮«‬ليس‭ ‬للحرب‭ ‬وجه‭ ‬أنثوي‮»‬‭ (‬1985‭) ‬اتكأت‭ ‬أليكسييفيتش‭ ‬على‭ ‬حوارات‭ ‬تنبضُّ‭ ‬بروح‭ ‬الخسارة‭ ‬والحسرة‭ ‬مع‭ ‬مئات‭ ‬النساء‭ ‬اللواتي‭ ‬قاتلن‭ ‬في‭ ‬الجبهة‭ ‬ضد‭ ‬ألمانيا‭ ‬النازية،‭ ‬ويبلغ‭ ‬عددهن‭ ‬حوالي‭ ‬مليون‭ ‬امرأة‭. ‬وفي‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬فتيان‭ ‬الزنك‮»‬‭ (‬2016‭)  ‬استنطقت‭ ‬أليكسييفيتش‭ ‬بعض‭ ‬الأصوات‭ ‬السوفييتية‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬منسيّة؛‭ ‬حرب‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتيّ‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ (‬1979‭_‬1989‭)‬؛‭ ‬إذ‭  ‬كان‭ ‬الجيش‭ ‬السوفييتيّ‭ ‬آنذاك‭ ‬يشحن‭ ‬قتلى‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬الجنود‭ ‬السوفييت‭ ‬في‭ ‬توابيت‭ ‬من‭ ‬الزنك‭ ‬إلى‭ ‬مسقط‭ ‬رؤوسهم‭. ‬وفي‭ ‬روايتها‭ ‬‮«‬مسحور‭ ‬بالموت‮»‬‭ (‬1993‭) ‬تسرد‭ ‬أليكسييفيتش‭ ‬لحظات‭ ‬انهيار‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتيّ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬محاولات‭ ‬انتحار‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬العاديين‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يستطيعوا‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬أيديولوجيتهم‭ ‬الشيوعية‭. ‬وفي‭ ‬‮«‬صلاة‭ ‬تشرنوبل‮»‬‭ (‬1997‭) ‬أجرت‭ ‬الروائية‭ ‬مقابلات‭ ‬مع‭ ‬خمسمائة‭ ‬ناجٍ‭ ‬وناجية‭ ‬من‭ ‬مأساة‭ ‬انفجار‭ ‬مفاعل‭ ‬تشيرنوبيل‭ ‬النووية،‭ ‬ورصدت‭ ‬مشاعر‭ ‬الحزن‭ ‬والغضب‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬سردية‭ ‬نابضة‭ ‬بالألم‭. ‬

وفي‭ ‬روايتها‭ ‬‮«‬آخر‭ ‬الشهود‮»‬‭ ‬وثَّقت‭ ‬أليكسييفيتش‭ ‬اللحظات‭ ‬المفصلية‭ ‬الأليمة‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬عشرات‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬من‭ ‬شهود‭ ‬الحرب‭ ‬العالميّة‭ ‬الثانية؛‭ ‬لقد‭ ‬استنطقت‭ ‬ذاكرتهم‭ ‬الاستعادية‭ ‬لطفولة‭ ‬مغايرة‭: ‬كانوا‭ ‬أطفالاً‭ ‬صغارًا‭ ‬جدًا‭ ‬تتراوح‭ ‬أعمارهم‭ ‬من‭ ‬الرابعة‭ ‬إلى‭ ‬الرابعة‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬عندما‭ ‬اقتحمتهم‭ ‬الحرب‭ ‬فجأة،‭ ‬وسرقت‭ ‬منهم‭ ‬طفولتهم‭. ‬وهي‭ ‬أحزان‭ ‬كونية‭ ‬كبرى‭ ‬لا‭ ‬تفرق‭ ‬بين‭ ‬عرق‭ ‬أو‭ ‬دين،‭ ‬وفي‭ ‬تصديرها‭ ‬لهذه‭ ‬الرواية‭ ‬تقول‭ ‬‮«‬في‭ ‬فترة‭ ‬الحرب‭ ‬الوطنية‭ ‬العظمى‭(‬1941‭_‬1945‭) ‬قُتِلَ‭ ‬ملايين‭ ‬الأطفال‭ ‬السوفييت‭: ‬روس،‭ ‬وبيلاروس،‭ ‬وأوكرانيون،‭ ‬ويهود،‭ ‬وتتار،‭ ‬ولاتفيون،‭ ‬وغجر،‭ ‬وكازاخ،‭ ‬وأوزبيك،‭ ‬وأرمن،‭ ‬وطاجيك‮»‬‭. ‬يتخلى‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬عن‭ ‬دماهم‭ ‬المفضّلة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬قطعة‭ ‬خبز،‭ ‬وتتسلل‭ ‬إلى‭ ‬أنوفهم‭ ‬روائح‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تغادر‭ ‬الذاكرة‭ ‬مطلقًا،‭ ‬ويختلط‭ ‬البشر‭ ‬وتختلط‭ ‬الأماكن‭ ‬وتتبعثر‭ ‬إلى‭ ‬شتات‭ ‬ومنافٍ‭. ‬وفي‭ ‬الحكاية‭ ‬الأولى‭ ‬للشاهد‭ ‬الأول‭ ‬تروي‭ ‬جينا‭ ‬بلكيفتش‭ ‬البالغة‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬آنذاك‭ (‬ستة‭ ‬أعوام‭) ‬سردية‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬طفولية‭: ‬‮«‬أنارت‭ ‬الشمس‭ ‬وجهي‭. ‬شعرتُ‭ ‬بالدفء‭ ‬الشديد‭... ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬لا‭ ‬أصدق‭ ‬بأنَّ‭ ‬أبي‭ ‬ذهب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الصباح‭ ‬إلى‭ ‬الحرب،‭ ‬كنتُ‭ ‬صغيرة‭ ‬جدًا،‭ ‬لكنني‭ ‬أعتقد‭ ‬بأنني‭ ‬كنت‭ ‬أدرك‭ ‬أنّني‭ ‬أراه‭ ‬لآخر‭ ‬مرة،‭ ‬ولن‭ ‬ألقاه‭ ‬أبدًا‭. ‬كنتُ‭ ‬صغيرة‭.. ‬صغيرة‭ ‬جدًا‭.  ‬وهكذا‭ ‬ترسّخ‭ ‬في‭ ‬ذاكرتي‭ ‬أنَّ‭ ‬الحرب‭ ‬تعني‭ ‬غياب‭ ‬أبي‮»‬‭. ‬إنَّ‭ ‬مشروع‭ ‬الروائيّة‭ ‬البيلاروسيّة‭ ‬سفيتلانا‭ ‬أليكسييفيتش‭ ‬في‭ ‬سردياتها‭ ‬التوثيقيّة‭ ‬هو‭ ‬أرشفة‭ ‬سردية‭ ‬للحروب‭ ‬المفصلية‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬استنطاق‭ ‬هوامش‭ ‬الحروب‭ ‬وتواريخ‭ ‬البشر‭.‬

‭ ‬{ أستاذة‭ ‬السَّرديات‭ ‬والنقد‭ ‬الأدبيّ‭ ‬الحديث‭ ‬المشارك،‭ ‬

كلية‭ ‬الآداب،‭ ‬جامعة‭ ‬البحرين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا