العدد : ١٦٩١٩ - الجمعة ١٩ يوليو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٦هـ

العدد : ١٦٩١٩ - الجمعة ١٩ يوليو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٦هـ

الثقافي

قصة قصيرة.. تناسخ

بقلم: منار السماك

السبت ١٤ أكتوبر ٢٠٢٣ - 02:00

في‭ ‬يوم‭ ‬الخميس‭ ‬الساعة‭ ‬السادسة‭ ‬مساء‭ ‬تجلس‭ ‬مريم‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬الانتظار‭ ‬بعيادة‭ ‬دكتورة‭ ‬بدرية‭ ‬النفسية‭ ‬لحضور‭ ‬جلساتها‭ ‬العلاجية‭.‬

منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬بحث‭ ‬دؤوب‭ ‬عن‭ ‬المتبقي‭ ‬من‭ ‬خيوط‭ ‬الحكاية،‭ ‬وأثناء‭ ‬انتظارها‭ ‬حَلَّقَت‭ ‬بفكرها‭ ‬من‭ ‬زجاج‭ ‬النافذة‭ ‬مطلةً‭ ‬على‭ ‬الشارع‭ ‬العام،‭ ‬لتجد‭ ‬نفسها‭ ‬وقد‭ ‬عادت‭ ‬طفلة‭ ‬في‭ ‬منزل‭ ‬صغير‭ ‬كانت‭ ‬والدتها‭ ‬تُعد‭ ‬الطعام‭ ‬والكعك‭ ‬المفضل‭ ‬لطفليها،‭ ‬أحمد‭ ‬كعادته‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عن‭ ‬اللعب‭ ‬بسيارته‭ ‬الحمراء‭ ‬يسيّرها‭ ‬بجهاز‭ ‬الحَاكُومُ‭ ‬وهو‭ ‬جهاز‭ ‬إلكتروني‭ ‬يسمح‭ ‬بالتحكم‭ ‬في‭ ‬السيارة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬موجات‭ ‬كهرومغناطيسية‭ (‬الأشعة‭ ‬الحمراء‭)‬،‭ ‬يضيء‭ ‬بها‭ ‬مصابيح‭ ‬صغيرة‭ ‬ملوّنة‭ ‬بالأحمر‭ ‬والأزرق‭ ‬والأصفر‭ ‬وتصدر‭ ‬صوت‭ ‬صفير‭ ‬وجلجلة‭ ‬مزعجة‭ ‬بعض‭ ‬الشيء،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬يهم‭. ‬كانت‭ ‬ماريا‭ ‬حينها‭ ‬تسرح‭ ‬شعر‭ ‬دميتها‭ ‬الشقراء‭ ‬وتكلّمها‭ ‬طالبةً‭ ‬منها‭ ‬عدم‭ ‬التحرك‭ ‬حتى‭ ‬تنتهي‭ ‬من‭ ‬تضفير‭ ‬شعرها،‭ ‬يعلو‭ ‬صوت‭ ‬أمها‭ ‬منادية‭ ‬والدها‭ ‬الذي‭ ‬عاد‭ ‬من‭ ‬عمله‭ ‬قبل‭ ‬قليل‭ ‬قائلة‭ ‬إنها‭ ‬انتهت‭ ‬أخيراً‭ ‬من‭ ‬الطهي‭. ‬وها‭ ‬هو‭ ‬بخطوات‭ ‬متثاقلة‭ ‬قادمًا‭ ‬من‭ ‬غرفته‭ ‬متجهًا‭ ‬نحو‭ ‬طاولة‭ ‬مربعة‭ ‬الشكل‭ ‬من‭ ‬الخشب‭ ‬الثقيل‭ ‬لونها‭ ‬بني‭ ‬داكن‭ ‬غطتها‭ ‬زوجته‭ ‬السيدة‭ ‬كلثوم‭ ‬بمفرش‭ ‬جميل‭ ‬مطرز‭ ‬بورود‭ ‬من‭ ‬خيوط‭ ‬الصوف‭ ‬الملونة‭ ‬قامت‭ ‬بتطريزه‭. ‬فالسيدة‭ ‬كلثوم‭ ‬ماهرة‭ ‬في‭ ‬الخياطة‭ ‬والتطريز‭ ‬وقامت‭ ‬بخياطة‭ ‬ستائر‭ ‬المنزل‭ ‬وكل‭ ‬ملابس‭ ‬ماريا‭. ‬وجاراتها‭ ‬تقمن‭ ‬بخياطة‭ ‬أغلب‭ ‬ملابسهن‭. ‬جلس‭ ‬الأب‭ ‬راشد‭ ‬على‭ ‬كرسيه‭ ‬وصاح‭ ‬بصوته‭ ‬الأجش‭ ‬ماريا‭... ‬أحمد‭ ‬اغسلا‭ ‬أيديكما‭ ‬وتعالى‭ ‬لتتناولا‭ ‬طعامكما‭. ‬في‭ ‬صحن‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬تصب‭ ‬شوربة‭ ‬الدجاج‭ ‬اللذيذة‭ ‬وتكثر‭ ‬الخضار‭ ‬فيها‭ ‬بعد‭ ‬تقطيعه‭ ‬لقطع‭ ‬صغيرة،‭ ‬رائحة‭ ‬الأعشاب‭ ‬تفوح‭ ‬منها‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬مختلفة‭ ‬وزكية‭.‬

فجأةً‭ ‬تسمع‭ ‬صوت‭ ‬الممرضة‭ ‬وهي‭ ‬تنادي‭: ‬السيدة‭ ‬مريم‭.. ‬تفضلي‭ ‬الدكتورة‭ ‬بدرية‭ ‬في‭ ‬انتظاركِ‭. ‬تدخل‭ ‬غرفة‭ ‬الدكتورة‭ ‬بدرية‭ ‬وتجلس‭ ‬على‭ ‬الكرسي،‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إنه‭ ‬أقرب‭ ‬لسرير‭ ‬صغير‭ ‬لونه‭ ‬أحمر‭ ‬مخملي‭ ‬ناعم،‭ ‬بمجرد‭ ‬أن‭ ‬تستلقي‭ ‬عليه‭ ‬تشعر‭ ‬بجسدك‭ ‬يسترخي‭ ‬كليًا‭. ‬الغرفة‭ ‬بها‭ ‬ضوء‭ ‬أصفر‭ ‬خافت‭ ‬يُشعرك‭ ‬بسكينة‭ ‬وراحة‭ ‬ويغطي‭ ‬حوائطها‭ ‬ورق‭ ‬جدران‭ ‬بألوان‭ ‬هادئة‭ ‬مريحة،‭ ‬ورائحة‭ ‬الخزامي‭ ‬الساحرة‭ ‬تغمر‭ ‬المكان‭ ‬كله‭. ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنبس‭ ‬بكلمة‭ ‬يرن‭ ‬هاتفها‭ ‬الخلوي‭ ‬فتنظر‭ ‬للشاشة‭ ‬ليشع‭ ‬منها‭ ‬اسم‭ ‬صديقها‭ ‬عادل‭ -‬زميلها‭ ‬في‭ ‬العمل‭.  ‬عادل‭ ‬ومريم‭ ‬يعملان‭ ‬معًا‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬السبع‭ ‬سنوات‭ ‬فهو‭ ‬رئيسها‭ ‬في‭ ‬المجلة‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬فيها‭ ‬محررة،‭ ‬علاقتهما‭ ‬ليست‭ ‬عادية‭ ‬فهي‭ ‬تشعر‭ ‬بأنه‭ ‬جزء‭ ‬منها‭ ‬لدرجة‭ ‬أنهما‭ ‬يمرضان‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت،‭ ‬يعطسان‭ ‬معًا،‭ ‬يشعران‭ ‬بالألم‭ ‬والمرض‭ ‬والفرح‭ ‬والحزن‭ ‬معًا،‭ ‬وحتى‭ ‬الأحداث‭ ‬اليومية‭ ‬المفرحة‭ ‬والمحزنة‭ ‬وغيرها‭ ‬ليكتشفا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬حكت‭ ‬له‭ ‬عن‭ ‬حياتها‭ ‬السابقة‭ ‬لتكون‭ ‬الصدفة‭ ‬أنه‭ ‬توأمها‭ ‬الذي‭ ‬ربما‭ ‬عاشت‭ ‬معه‭ ‬حياة‭ ‬سابقة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬سابق‭. ‬تقوم‭ ‬بوضع‭ ‬الهاتف‭ ‬داخل‭ ‬حقيبتها‭ ‬تغمض‭ ‬عينها‭ ‬بهدوء‭ ‬تسمع‭ ‬صوت‭ ‬الدكتورة‭ ‬بدرية‭ ‬الناعم‭ ‬هل‭ ‬أنتِ‭ ‬مستعدة‭ ‬كي‭ ‬نبدأ‭ ‬الآن‭. ‬تبدأ‭ ‬مريم‭ ‬بسرد‭ ‬أحداث‭ ‬سابقة‭ ‬عاشتها‭ ‬في‭ ‬حياتها‭ ‬السابقة‭ ‬وترويها‭ ‬بدقة‭ ‬متناهية‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬انتهت‭ ‬تطلب‭ ‬منها‭ ‬الدكتورة‭ ‬بأن‭ ‬تغمض‭ ‬عينيها‭ ‬ثم‭ ‬تفتحهما‭ ‬ببطء،‭ ‬تقوم‭ ‬بعدها‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬وجه‭ ‬الدكتورة‭ ‬بدرية‭ ‬قائلة‭: ‬هل‭ ‬ما‭ ‬زلتِ‭ ‬تعتقدين‭ ‬أنني‭ ‬أعيش‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الوهم‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬الحقائق‭ ‬والأدلة‭ ‬التي‭ ‬سردتها‭ ‬وتاريخ‭ ‬العائلة‭ ‬وحتى‭ ‬عادل‭ ‬أي‭ ‬أحمد‭ ‬أخي‭ ‬التوأم‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ ‬السابقة،‭ ‬وأنا‭ ‬أعلم‭ ‬وأعي‭ ‬جيدًا‭ ‬أن‭ ‬لي‭ ‬حياتي‭ ‬وأهلي‭ ‬الحاليين‭ ‬وحياتي‭ ‬السابقة‭ ‬انتهت‭. ‬لكن‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬الجميع‭ ‬معرفة‭ ‬ذلك‭ ‬لابد‭ ‬وأن‭ ‬يعلم‭ ‬الكل‭ ‬أن‭ ‬تناسخ‭ ‬الأرواح‭ ‬هو‭ ‬حقيقة‭ ‬وليست‭ ‬وهمًا‭ ‬أو‭ ‬خيالًا،‭ ‬ولا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أغمض‭ ‬عيني‭ ‬عن‭ ‬كونه‭ ‬حقيقة‭ ‬قائمة‭. ‬تبتسم‭ ‬بوجهها‭ ‬وتأخذها‭ ‬بين‭ ‬ذراعيها‭ ‬وتحتضها‭ ‬تغمض‭ ‬عينها‭ ‬لتشعر‭ ‬بشعور‭ ‬عميق‭ ‬يصعب‭ ‬وصفه‭ ‬تهمس‭ ‬الدكتورة‭ ‬بدرية‭ ‬في‭ ‬أذن‭ ‬مريم‭ ‬بصوت‭ ‬خافت‭ ‬هل‭ ‬مازال‭ ‬الألم‭ ‬بقدمكِ‭ ‬ابنتي‭ ‬الحبيبة‭ ‬ماريا‭.... ‬تصرخ‭ ‬ماريا‭ ‬أمي‭ ‬كلثوم‭ ‬قدمي‭ ‬تؤلمني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا