العدد : ١٦٨٩٤ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٨٩٤ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

الثقافي

قصة قصيرة : محمد الأبيض

بقلم: محمد فيض خالد

السبت ٢٥ مارس ٢٠٢٣ - 02:00

ظَلَّ‭ ‬عمره‭ ‬يَتشوّق‭ ‬ابنا،‭ ‬يَحمِلُ‭ ‬اسمه‭ ‬ويبقي‭ ‬ذِكره‭ ‬بعد‭ ‬فَناء،‭ ‬هَكذا‭ ‬حَال‭ ‬أبناء‭ ‬الطِّين؛‭ ‬لابُدَّ‭ ‬وأن‭ ‬يرَوا‭ ‬أثرهم‭ ‬بعد‭ ‬الرَّحيل‭ ‬عَلامةً‭ ‬عَلى‭ ‬الفَلاحَةِ،‭ ‬فالجدران‭ ‬وأشَجار‭ ‬الكَافور‭ ‬والنَّخلاتِ‭ ‬المُعمِّرات‭ ‬أطلال‭ ‬تُكابِّر،‭ ‬تُذكِّر‭ ‬الحَيّ‭ ‬بالميتِ،‭ ‬الشيخ‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬الأبيض‮»‬‭ ‬انتظر‭ ‬حَتّى‭ ‬أحرقه‭ ‬لهيب‭ ‬الانتظار،‭ ‬يئس‭ ‬من‭ ‬تَعطُّفِ‭ ‬الأقدار،‭ ‬يَأوي‭ ‬إلى‭ ‬خلوةِ‭ ‬جده‭ ‬يتَمسَّح‭ ‬بها،‭ ‬يمسك‭ ‬مسبحته‭ ‬الكوك‭ ‬يكرها‭ ‬في‭ ‬وجومٍ،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يتَذكَّر‭ ‬حالَ‭ ‬عهد‭ ‬إليه‭ ‬جده‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬حَشرجِة‭ ‬الموت‭ :‬‮«‬ابق‭ ‬على‭ ‬الطَّريق‮»‬،‭ ‬يتَخوُّفُ‭ ‬أن‭ ‬يَؤول‭ ‬مآله‭ ‬ليصبح‭ ‬كذكرِ‭ ‬النخيل‭ ‬الفارد‭ ‬الذي‭ ‬غرس‭ ‬نواته‭ ‬بجوارِ‭ ‬الجدار‭ ‬مُنتظرا‭ ‬طرحه،‭ ‬لكَنَّه‭ ‬خَيَّب‭ ‬ظَنَّه،‭ ‬يتَحلَّب‭ ‬رِيقه،‭ ‬يتشهى‭ ‬وهو‭ ‬يمرر‭ ‬يده‭ ‬فوق‭ ‬كرنافه،‭ ‬يُؤمِّلُ‭ ‬نفسه‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬بلحه‭ ‬يتلألأ‭ ‬تحت‭ ‬وهَجِ‭ ‬الشمس،‭ ‬كما‭ ‬أخبر‭ ‬‮«‬انشراح‮»‬‭ ‬زوجته‭ ‬الفاتنة،‭ ‬حِين‭ ‬أوصته‭ ‬أن‭ ‬يّتّخِذ‭ ‬من‭ ‬خِلفةِ‭ ‬نخلات‭ ‬الباشا‭ ‬الحُمر،‭ ‬فحَلاهم‭ ‬كاَلجَّلابِ،‭ ‬هكذا‭ ‬تمَنَّت،‭ ‬وهكذا‭ ‬فعل‭.‬

لكنَّه‭ ‬لم‭ ‬يحسب‭ ‬للأقدارِ‭ ‬حِسابها،‭ ‬إذ‭ ‬كيف‭ ‬يَخيب‭ ‬غرسه،‭ ‬وهو‭ ‬مَضرَب‭ ‬الأمثال‭ ‬بين‭ ‬الفلاحين،‭ ‬يتَحاكون‭ ‬عن‭ ‬ضربةِ‭ ‬فأسه،‭ ‬وبّراعةِ‭ ‬يده،‭ ‬وخصوبة‭ ‬أرضه،‭ ‬ووفرة‭ ‬محصوله،‭ ‬لم‭ ‬تفلح‭ ‬الرعاية‭ ‬فجاء‭ ‬ذكرًا‭ ‬خشنا،‭ ‬يهتز‭ ‬جريده‭.‬

مُتحدِّيا،‭ ‬يُطالِعه‭ ‬مع‭ ‬الصَّباحِ،‭ ‬يلعن‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬غَرَسَ‭ ‬نواته،‭ ‬أقدم‭ ‬ألف‭ ‬مرة‭ ‬أن‭ ‬يقتلعه‭ ‬من‭ ‬جذورهِ،‭ ‬لكنه‭ ‬اهتدى‭ ‬بالأخيرِ‭ ‬فجعلَ‭ ‬من‭ ‬أكواز‭ ‬طَلعهِ‭ ‬سبيلا،‭ ‬يلقح‭ ‬نخيل‭ ‬الناس،‭ ‬شَبَّ‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬الأبيض‮»‬‭ ‬يافِعَا،‭ ‬تلقفه‭ ‬جده‭ ‬يربيه‭ ‬في‭ ‬حِجره،‭ ‬يلقنه‭ ‬آداب‭ ‬الطريق،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬نسلهم‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬أجداده،‭ ‬من‭ ‬رُزِقَ‭ ‬حمرة‭ ‬وجهه،‭ ‬وزُرقة‭ ‬عينيه‭ ‬ولا‭ ‬شعره‭ ‬الأشهب،‭ ‬حِدة‭ ‬بصره‭ ‬في‭ ‬حِلكة‭ ‬الليل‭ ‬أكسبته‭ ‬شهرة،‭ ‬لكنه‭ ‬وحده‭ ‬من‭ ‬يكره‭ ‬شمس‭ ‬النهار،‭ ‬يتلصّص‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬فجوةِ‭ ‬داره،‭ ‬ريثما‭ ‬يخرج‭ ‬يلعن‭ ‬ويَسبّ،‭ ‬ماتت‭ ‬‮«‬انشراح‮»‬‭ ‬وحلم‭ ‬الأمومة‭ ‬يخايلها‭ ‬كزوجها،‭ ‬الذي‭ ‬أسلم‭ ‬أمره‭ ‬للهِ‭ ‬مُضطرا،‭ ‬انقطع‭ ‬تدريجيا‭ ‬عن‭ ‬الناس،‭ ‬انكفأ‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬غرفةٍ‭ ‬منزويا،‭ ‬وفي‭ ‬صبيحةِ‭ ‬يومٍ‭ ‬صائف،‭ ‬أطلق‭ ‬‮«‬محمود‭ ‬أبو‭ ‬جعارة‮»‬‭ ‬صوته‭ ‬الذي‭ ‬يشبه‭ ‬النِّباح‭ ‬من‭ ‬ميكروفون‭ ‬الجامع‭ :‬‮«‬يفنى‭ ‬الخلق‭ ‬ويبقى‭ ‬الله،‭ ‬توفي‭ ‬إلى‭ ‬رحمة‭ ‬الله‭ ‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬الأبيض،‭ ‬والجنازة‭ ‬بعد‭ ‬صلاة‭ ‬الظهر‮»‬،‭ ‬هل‭ ‬كان‭ ‬الرجل‭ ‬على‭ ‬اتفاق‭ ‬بالرَّحيلِ‭ ‬مع‭ ‬ذَكرِ‭ ‬النَّخيل،‭ ‬ضربت‭ ‬الصِّفرة‭ ‬جريده،‭ ‬وتَهدّلَ‭ ‬قلبه‭ ‬المعتدل،‭ ‬نَخَرَ‭ ‬السُّوس‭ ‬جزعه‭ ‬المتين،‭ ‬فتدلّى‭ ‬عنقه،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬اقتلاعه،‭ ‬ليرحل‭ ‬إثرِ‮ ‬صاحبه‭.‬‮ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا