العدد : ١٦٦٩٦ - السبت ٠٩ ديسمبر ٢٠٢٣ م، الموافق ٢٥ جمادى الاول ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٦٩٦ - السبت ٠٩ ديسمبر ٢٠٢٣ م، الموافق ٢٥ جمادى الاول ١٤٤٥هـ

قضايا و آراء

الصوم.. وآثاره الاجتماعية

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٢ مارس ٢٠٢٣ - 02:00

الصوم‭ ‬هو‭ ‬الركن‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬أركان‭ ‬الإسلام،‭ ‬وهو‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬التدريب‭ ‬المعنوي‭ ‬والتدريب‭ ‬البدني،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬امتناع‭ ‬المسلم‭ ‬عما‭ ‬حرم‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬رمضان‭ ‬له‭ ‬ما‭ ‬يبرره،‭ ‬فإن‭ ‬امتناع‭ ‬المسلم‭ ‬عما‭ ‬أحل‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬رمضان‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬غير‭ ‬مبرر‭ ‬إذا‭ ‬قصرنا‭ ‬أسباب‭ ‬التحريم‭ ‬فيما‭ ‬يضر‭ ‬فقط،‭ ‬أما‭ ‬حين‭ ‬نطلقها،‭ ‬فإننا‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬أسباب‭ ‬تحريم‭ ‬الحلال‭ ‬طاعة‭ ‬لله‭ ‬تعالى‭ ‬وإن‭ ‬غابت‭ ‬عنا‭ ‬الحكمة‭ ‬ساعة‭ ‬الامتناع،‭ ‬ولكنها‭ ‬قد‭ ‬تظهر‭ ‬لنا‭ ‬لاحقًا‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬ندرك‭ ‬المقام‭ ‬الرفيع‭ ‬لهذه‭ ‬الفريضة‭ ‬حين‭ ‬يختارها‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬لنفسه،‭ ‬فيقول‭ ‬كما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬الحديث‭: (‬كل‭ ‬عمل‭ ‬ابن‭ ‬آدم‭ ‬له‭ ‬إلا‭ ‬الصوم،‭ ‬فإنه‭ ‬لي‭ ‬وأنا‭ ‬أجزي‭ ‬به،‭ ‬ولخلوف‭ ‬فم‭ ‬الصائم‭ ‬أطيب‭ ‬عند‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬ريح‭ ‬المسك‭) ‬رواه‭ ‬الإمام‭ ‬البخاري‭ ‬في‭ ‬صحيحه‭.‬

هذا‭ ‬المقام‭ ‬الرفيع،‭ ‬وهذه‭ ‬المنزلة‭ ‬العالية‭ ‬اختص‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬بها‭ ‬فريضة‭ ‬الصوم‭ ‬لأننا‭ ‬لم‭ ‬نسمع‭ - ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬الشيخ‭ ‬الإمام‭ ‬محمد‭ ‬متولى‭ ‬الشعراوي‭ - ‬أن‭ ‬أحدًا‭ ‬قد‭ ‬تقرب‭ ‬إلى‭ ‬عظيم‭ ‬من‭ ‬العظماء،‭ ‬أو‭ ‬وجيه‭ ‬من‭ ‬الوجهاء‭ ‬بأفعال‭ ‬الصوم،‭ ‬أو‭ ‬مظاهره،‭ ‬أما‭ ‬باقي‭ ‬العبادات،‭ ‬فمن‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يتقرب‭ ‬بها،‭ ‬أو‭ ‬بشيء‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يعظمون‭ ‬من‭ ‬الخلق‭ ‬لكن‭ ‬الصوم‭ ‬يبقى‭ ‬عبادة‭ ‬خاصة‭ ‬لله‭ ‬تعالى‭ ‬لا‭ ‬يشاركه‭ ‬فيها‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬الخلق‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬منزلة‭ ‬الصوم‭ ‬في‭ ‬الإسلام،‭ ‬وهذا‭ ‬قدره‭ ‬العظيم‭ ‬بين‭ ‬العبادات‭ ‬التي‭ ‬فرضها‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬على‭ ‬عباده‭ ‬المؤمنين،‭ ‬فما‭ ‬الآثار‭ ‬التي‭ ‬نستفيدها‭ ‬من‭ ‬الصوم؟

من‭ ‬مظاهر‭ ‬الصوم‭ ‬وآثاره‭ ‬الاجتماعية‭ ‬تجديد‭ ‬الولاء‭ ‬لله‭ ‬تعالى‭ ‬بإفراد‭ ‬هذه‭ ‬العبادة‭ ‬لله‭ ‬تعالى‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬شريك‭ ‬له،‭ ‬ومن‭ ‬آثاره‭ ‬أيضًا‭ ‬الإحساس‭ ‬بحاجة‭ ‬الفقراء‭ ‬والمساكين‭ ‬للعطاء‭ ‬والإنفاق‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬الغني‭ ‬بالجوع‭ ‬والعطش‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬يملك‭ ‬من‭ ‬المال‭ ‬والثراء‭ ‬هنا‭ ‬تتنزل‭ ‬الرحمة‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬الأغنياء‭ ‬على‭ ‬الفقراء،‭ ‬ويطلقون‭ ‬أيديهم‭ ‬من‭ ‬عقالها‭ ‬في‭ ‬البذل‭ ‬والعطاء،‭ ‬وتحدثهم‭ ‬أنفسهم‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬شعورهم‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬واحد‭ ‬فما‭ ‬بال‭ ‬الفقراء‭ ‬والمساكين‭ ‬الذين‭ ‬يعانون‭ ‬طوال‭ ‬أشهر‭ ‬السنة،‭ ‬فيكون‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬دافعًا‭ ‬لهم،‭ ‬ومحرضًا‭ ‬لهم‭ ‬على‭ ‬البذل‭ ‬والعطاء،‭ ‬وأيضًا‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬الصوم‭ ‬ومظاهره‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬يلقي‭ ‬في‭ ‬روع‭ ‬الأغنياء‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬القرب‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬في‭ ‬رمضان‭ ‬المسارعة‭ ‬إلى‭ ‬البذل‭ ‬والعطاء،‭ ‬ومشاركة‭ ‬الفقراء‭ ‬والمحتاجين‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬مما‭ ‬يملكون،‭ ‬ويدرك‭ ‬الأغنياء‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬سبيلًا‭ ‬للسعادة‭ ‬لا‭ ‬يجدونه‭ ‬في‭ ‬التملك‭ ‬والحرص‭ ‬على‭ ‬الأموال‭ ‬وكنزها،‭ ‬وليتذكروا‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: (‬مثل‭ ‬الذين‭ ‬ينفقون‭ ‬أموالهم‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الله‭ ‬كمثل‭ ‬حبة‭ ‬أنبتت‭ ‬سبع‭ ‬سنابل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬سنبلة‭ ‬مائة‭ ‬حبة‭ ‬والله‭ ‬يضاعف‭ ‬لمن‭ ‬يشاء‭ ‬والله‭ ‬واسع‭ ‬عليم‭) ‬البقرة‭ /‬261‭.‬

ومن‭ ‬آثار‭ ‬الصوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬اجتماع‭ ‬الأسرة‭ ‬حول‭ ‬مائدة‭ ‬الإفطار،‭ ‬وكان‭ ‬نادرًا‭ ‬ما‭ ‬يجتمعون‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬رمضان‭ ‬لاختلاف‭ ‬مواعيد‭ ‬أعمالهم،‭ ‬واختلاف‭ ‬مواعيد‭ ‬عودة‭ ‬أبنائهم‭ ‬من‭ ‬المدارس،‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬رمضان‭ ‬مضطرون‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬لتناول‭ ‬طعام‭ ‬رمضان‭ ‬لأنهم‭ ‬امتنعوا‭ ‬عن‭ ‬الطعام‭ ‬الحلال‭ ‬بأمر‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬وهم‭ ‬كذلك‭ ‬مأمورون‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬أن‭ ‬يتناولوا‭ ‬الطعام‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬محدد‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬تأخيره،‭ ‬بل‭ ‬مستحب‭ ‬التعجيل‭ ‬به‭ ‬لأنها‭ ‬سنة‭ ‬نبوية‭ ‬مباركة‭. ‬أما‭ ‬تناول‭ ‬طعام‭ ‬السحور‭ ‬للاستعانة‭ ‬به‭ ‬على‭ ‬صيام‭ ‬النهار،‭ ‬فهذا‭ ‬متروك‭ ‬لكل‭ ‬صائم‭ ‬يختار‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يناسبه‭ ‬أما‭ ‬عند‭ ‬الإفطار،‭ ‬فإنهم‭ ‬يجتمعون‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد‭ ‬لا‭ ‬يتجاوزونه‭ ‬وعندها‭ ‬يشعرون‭ ‬بحلاوة‭ ‬التجمع‭ ‬أو‭ ‬الاجتماع‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ذاقوا‭ ‬مرارة‭ ‬التفرق‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬رمضان‭.‬

ومن‭ ‬آثار‭ ‬الصيام‭ ‬الاجتماعية‭ ‬توثيق‭ ‬عرى‭ ‬المحبة‭ ‬والأخوة،‭ ‬ووصل‭ ‬ما‭ ‬انقطع‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬في‭ ‬بقية‭ ‬شهور‭ ‬السنة‭.‬

وفي‭ ‬رمضان‭ ‬ومن‭ ‬آثاره‭ ‬الطيبة‭ ‬شعور‭ ‬المسلم‭ ‬بقوة‭ ‬إرادته‭ ‬التي‭ ‬تجعله‭ ‬يمتنع‭ ‬عن‭ ‬الحلال‭ ‬من‭ ‬الطعام‭ ‬والشراب‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬الحرام‭ ‬مرضاة‭ ‬لله‭ ‬تعالى،‭ ‬ومن‭ ‬قبل‭ ‬كان‭ ‬يعلل‭ ‬ارتكابه‭ ‬المعاصي‭ ‬بضعف‭ ‬إرادته،‭ ‬وغلبة‭ ‬نفسه‭ ‬الأمَّارة‭ ‬بالسوء‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬اللوامة‭.‬

إذًا،‭ ‬فهو‭ ‬قوي‭ ‬الإرادة‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يطوع‭ ‬نفسه،‭ ‬ويخضع‭ ‬شيطانه‭ ‬لمرادات‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭. ‬ومن‭ ‬مظاهر‭ ‬رمضان،‭ ‬وآثاره‭ ‬الطيبة‭ ‬شعور‭ ‬المسلم‭ ‬بلذة‭ ‬العطاء‭ ‬حين‭ ‬يبذله‭ ‬إلى‭ ‬الفقراء‭ ‬والمساكين،‭ ‬وهذا‭ ‬الشعور‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬ضعيفًا‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬بقية‭ ‬شهور‭ ‬السنة،‭ ‬أمًا‭ ‬في‭ ‬رمضان‭ ‬عندما‭ ‬يتساوى‭ ‬الغني‭ ‬القادر‭ ‬مع‭ ‬الفقير‭ ‬العاجز‭ ‬في‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬الطعام‭ ‬والشراب،‭ ‬ويشعر‭ ‬الأغنياء‭ ‬بالجوع‭ ‬والعطش‭ ‬مثل‭ ‬الفقراء‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬أيديهم‭ ‬من‭ ‬مال‭.‬

ومن‭ ‬آثار‭ ‬الصيام‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أيضًا‭ ‬الإحساس‭ ‬بوحدة‭ ‬الأمة،‭ ‬واستجابتها‭ ‬لدواعي‭ ‬الخير،‭ ‬ونهي‭ ‬النفس‭ ‬عما‭ ‬تهوى‭ ‬وتشتهي،‭ ‬يقول‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭: (‬وأمًا‭ ‬من‭ ‬خاف‭ ‬مقام‭ ‬ربه‭ ‬ونهى‭ ‬النفس‭ ‬عن‭ ‬الهوى‭(‬40‭) ‬فإن‭ ‬الجنة‭ ‬هي‭ ‬المأوى‭(‬41‭)) ‬النازعات‭.‬

هذه‭ ‬بعض‭ ‬آثار‭ ‬الصيام،‭ ‬ومظاهره‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يشعر‭ ‬بها‭ ‬المسلم‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭.. ‬شهر‭ ‬الوحدة‭ ‬الإسلامية‭.. ‬وشهر‭ ‬العطايا‭ ‬والمنح‭ ‬الربانية‭.. ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الهدايا‭ ‬التي‭ ‬جاء‭ ‬رمضان‭ ‬ليوزعها‭ ‬على‭ ‬الصائمين‭ ‬الذين‭ ‬أجاعوا‭ ‬نهارهم،‭ ‬وأسهروا‭ ‬ليلهم،‭ ‬واستجابوا‭ ‬لربهم‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا