العدد : ١٧٥١٧ - الاثنين ٠٩ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥١٧ - الاثنين ٠٩ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

عن النتائج الكارثية لاعتداءات إيران على دول الخليج

بقلم: د. عمرو حمزاوي

الاثنين ٠٩ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

مع‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬يشهد‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬تصعيدًا‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬إيران‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬طهران‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬توجيه‭ ‬ضربات‭ ‬عسكرية‭ ‬ضد‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬وواشنطن،‭ ‬باتت‭ ‬تستهدف‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الحيوية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭.‬

وأعلنت‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬الإماراتية،‭ ‬يوم‭ ‬الثلاثاء‭ ‬الماضي،‭ ‬أنها‭ ‬رصدت‭ ‬186‭ ‬صاروخًا‭ ‬باليستيًّا‭ ‬و812‭ ‬طائرة‭ ‬مسيّرة‭ ‬أُطلقت‭ ‬باتجاه‭ ‬أراضيها،‭ ‬حيث‭ ‬تمكنت‭ ‬أنظمة‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬من‭ ‬تدمير‭ ‬معظمها،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬بعضها‭ ‬أسفر‭ ‬عن‭ ‬سقوط‭ ‬ضحايا‭ ‬مدنيين‭ ‬وأضرار‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭.‬

‭ ‬وفي‭ ‬السعودية،‭ ‬استهدفت‭ ‬طائرات‭ ‬مسيّرة‭ ‬وصواريخ‭ ‬إيرانية‭ ‬منشآت‭ ‬نفطية‭ ‬ومواقع‭ ‬اقتصادية‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مثل‭ ‬رأس‭ ‬تنورة،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الرياض‭ ‬أكدت‭ ‬نجاحها‭ ‬في‭ ‬اعتراض‭ ‬العديد‭ ‬منها‭. ‬وفي‭ ‬عُمان،‭ ‬استُهدفت‭ ‬موانئ‭ ‬ومدن‭ ‬ساحلية‭ ‬بهجمات‭ ‬بطائرات‭ ‬مسيّرة،‭ ‬أصاب‭ ‬بعضها‭ ‬ناقلات‭ ‬نفط‭ ‬وأسفر‭ ‬عن‭ ‬إصابة‭ ‬عمالها‭. ‬ووقعت‭ ‬هجمات‭ ‬مماثلة‭ ‬في‭ ‬قطر‭ ‬والبحرين‭ ‬والكويت‭.‬

إن‭ ‬سعي‭ ‬طهران‭ ‬لتوسيع‭ ‬نطاق‭ ‬نفوذها‭ ‬العسكري‭ ‬ليشمل‭ ‬هذه‭ ‬الأهداف‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬يخلق‭ ‬وضعًا‭ ‬جيوسياسيًّا‭ ‬لم‭ ‬يشهده‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭. ‬وستعيد‭ ‬هذه‭ ‬الهجمات‭ ‬المحورية‭ ‬تشكيل‭ ‬العلاقات‭ ‬الأمنية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ومن‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬تُسفر‭ ‬عن‭ ‬تحولات‭ ‬استراتيجية‭ ‬جذرية‭.‬

أولًا،‭ ‬لقد‭ ‬تلاشت‭ ‬أي‭ ‬فرصة‭ ‬للتعايش‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬مع‭ ‬إيران‭. ‬لسنوات،‭ ‬سعت‭ ‬بعض‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬احتواء‭ ‬التوترات‭ ‬مع‭ ‬طهران‭ ‬عبر‭ ‬القنوات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬فأعادت‭ ‬فتح‭ ‬سفاراتها،‭ ‬بل‭ ‬تعاونت‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬القضايا،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬بعد‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬خفض‭ ‬التصعيد‭ ‬في‭ ‬أوائل‭ ‬عامي‭ ‬2022‭ ‬و2023‭. ‬أما‭ ‬الآن،‭ ‬فيُنظر‭ ‬إلى‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬تهديد‭ ‬عسكري‭ ‬مباشر‭ ‬للأمن‭ ‬القومي‭ ‬لجيرانه‭ ‬العرب،‭ ‬وليس‭ ‬فاعلًا‭ ‬إقليميًا‭ ‬يمكن‭ ‬التعاون‭ ‬معه‭ ‬عبر‭ ‬الأطر‭ ‬المؤسسية‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬يُضعف‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬حوار‭ ‬مستقبلي،‭ ‬ويُعزز‭ ‬موقفًا‭ ‬أمنيًّا‭ ‬متشددًا‭ ‬تجاه‭ ‬طهران‭.‬

ثانيًا،‭ ‬تتزايد‭ ‬كلفة‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬بشكل‭ ‬حاد‭. ‬فالهجمات‭ ‬الإيرانية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬ضربات‭ ‬صاروخية،‭ ‬بل‭ ‬تشكل‭ ‬تهديدًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬لسوق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية،‭ ‬والموانئ،‭ ‬والممرات‭ ‬البحرية‭ ‬الحيوية‭ ‬مثل‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭. ‬وأي‭ ‬اضطراب‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للطاقة‭ ‬أو‭ ‬التجارة‭ ‬نتيجة‭ ‬لهذا‭ ‬التصعيد‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاعات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬واضطرابات‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬العالمية‭.‬

‭ ‬وهذا‭ ‬بدوره‭ ‬سيضع‭ ‬ضغوطًا‭ ‬اقتصادية‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬نفسها،‭ ‬نظرًا‭ ‬لاعتمادها‭ ‬على‭ ‬صادرات‭ ‬الطاقة‭ ‬لتمويل‭ ‬ميزانياتها،‭ ‬وقد‭ ‬يُجبرها‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬مبالغ‭ ‬كبيرة‭ ‬نحو‭ ‬الدفاع‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬التنمية‭ ‬والاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭.‬

ثالثا‭: ‬وضعت‭ ‬الحرب‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬بالغ‭ ‬الخطورة‭. ‬يتطلب‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬تعاونًا‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬قائمًا‭ ‬على‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭ ‬والثقة‭ ‬المتبادلة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الهجمات‭ ‬الإيرانية‭ ‬المباشرة‭ ‬على‭ ‬سيادة‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬تُقوّض‭ ‬هذه‭ ‬الثقة‭. ‬وتركز‭ ‬الدول‭ ‬حاليًا‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬حدودها‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬المتعددة‭ ‬الأطراف‭ ‬أو‭ ‬بناء‭ ‬مشروع‭ ‬أمن‭ ‬جماعي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬وتنسيق‭ ‬واسعين‭. ‬ويُضعف‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬قدرة‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التهديدات‭ ‬المستقبلية‭ ‬بشكل‭ ‬مشترك،‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬احتمالية‭ ‬العنف‭ ‬والصراع‭.‬

رابعا‭: ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬الهجمات‭ ‬الإيرانية‭ ‬المتصاعدة‭ ‬على‭ ‬القواعد‭ ‬العسكرية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬لتشمل‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المدنية‭ ‬ومنشآت‭ ‬إنتاج‭ ‬الطاقة‭. ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬طهران‭ ‬تُنفذ‭ ‬استراتيجية‭ ‬مُصممة‭ ‬لإرهاق‭ ‬جيرانها‭ ‬وخلق‭ ‬ضغوط‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ (‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الارتباك‭) ‬لدفعهم‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬ضغوط‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬استراتيجية‭ ‬قصيرة‭ ‬النظر؛‭ ‬فأفعال‭ ‬إيران‭ ‬لن‭ ‬تؤدي‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬عزلتها‭ ‬الإقليمية‭.‬

ما‭ ‬نشهده‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬تصعيد‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تحول‭ ‬استراتيجي‭ ‬عميق‭ ‬يعيد‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬الصراع‭ ‬والتنافس،‭ ‬مع‭ ‬تضاؤل‭ ‬فرص‭ ‬التعايش‭ ‬مع‭ ‬إيران‭. ‬ومرة‭ ‬أخرى‭ ‬يعود‭ ‬الزمن‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬نحو‭ ‬حقبة‭ ‬من‭ ‬التوترات‭ ‬الحادة‭ ‬والمواجهات‭ ‬العسكرية‭ ‬المفتوحة؛‭ ‬حيث‭ ‬تتضاءل‭ ‬فرص‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬المتعددة‭ ‬الأطراف‭ ‬والأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬والتعاون‭ ‬الإقليمي‭.‬

{ مدير‭ ‬برنامج‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬

في‭ ‬مؤسسة‭ ‬كارنيجي‭ ‬للسلام‭ ‬الدولي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا