مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يشهد الشرق الأوسط تصعيدًا غير مسبوق من جانب إيران. فبعد أن كانت طهران لا تقتصر على توجيه ضربات عسكرية ضد تل أبيب وواشنطن، باتت تستهدف بشكل مباشر البنية التحتية الحيوية في دول الخليج العربي.
وأعلنت وزارة الدفاع الإماراتية، يوم الثلاثاء الماضي، أنها رصدت 186 صاروخًا باليستيًّا و812 طائرة مسيّرة أُطلقت باتجاه أراضيها، حيث تمكنت أنظمة الدفاع الجوي من تدمير معظمها، إلا أن بعضها أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين وأضرار في البنية التحتية.
وفي السعودية، استهدفت طائرات مسيّرة وصواريخ إيرانية منشآت نفطية ومواقع اقتصادية مهمة في مناطق مثل رأس تنورة، على الرغم من أن الرياض أكدت نجاحها في اعتراض العديد منها. وفي عُمان، استُهدفت موانئ ومدن ساحلية بهجمات بطائرات مسيّرة، أصاب بعضها ناقلات نفط وأسفر عن إصابة عمالها. ووقعت هجمات مماثلة في قطر والبحرين والكويت.
إن سعي طهران لتوسيع نطاق نفوذها العسكري ليشمل هذه الأهداف السياسية والاقتصادية في الخليج يخلق وضعًا جيوسياسيًّا لم يشهده الشرق الأوسط منذ عقود. وستعيد هذه الهجمات المحورية تشكيل العلاقات الأمنية في المنطقة، ومن المرجح أن تُسفر عن تحولات استراتيجية جذرية.
أولًا، لقد تلاشت أي فرصة للتعايش الاستراتيجي مع إيران. لسنوات، سعت بعض دول الخليج العربي إلى احتواء التوترات مع طهران عبر القنوات الدبلوماسية والاقتصادية، فأعادت فتح سفاراتها، بل تعاونت في بعض القضايا، لا سيما بعد التوجه نحو خفض التصعيد في أوائل عامي 2022 و2023. أما الآن، فيُنظر إلى النظام الإيراني على أنه تهديد عسكري مباشر للأمن القومي لجيرانه العرب، وليس فاعلًا إقليميًا يمكن التعاون معه عبر الأطر المؤسسية. هذا التحول يُضعف الثقة في أي حوار مستقبلي، ويُعزز موقفًا أمنيًّا متشددًا تجاه طهران.
ثانيًا، تتزايد كلفة الأمن في المنطقة بشكل حاد. فالهجمات الإيرانية ليست مجرد ضربات صاروخية، بل تشكل تهديدًا مباشرًا لسوق الطاقة العالمية، والموانئ، والممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز. وأي اضطراب طويل الأمد في البنية التحتية للطاقة أو التجارة نتيجة لهذا التصعيد سيؤدي إلى ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار النفط والغاز، واضطرابات في سلاسل التوريد العالمية.
وهذا بدوره سيضع ضغوطًا اقتصادية على دول الخليج نفسها، نظرًا لاعتمادها على صادرات الطاقة لتمويل ميزانياتها، وقد يُجبرها على إعادة توجيه مبالغ كبيرة نحو الدفاع على حساب التنمية والاستقرار الاجتماعي.
ثالثا: وضعت الحرب الأمن الجماعي في الشرق الأوسط في وضع بالغ الخطورة. يتطلب الأمن الجماعي تعاونًا بين الدول قائمًا على المصالح المشتركة والثقة المتبادلة، إلا أن الهجمات الإيرانية المباشرة على سيادة دول الخليج تُقوّض هذه الثقة. وتركز الدول حاليًا بشكل أساسي على حماية حدودها بدلًا من الاستثمار في الدبلوماسية المتعددة الأطراف أو بناء مشروع أمن جماعي قائم على فهم وتنسيق واسعين. ويُضعف هذا التراجع قدرة المنطقة على مواجهة التهديدات المستقبلية بشكل مشترك، ويزيد من احتمالية العنف والصراع.
رابعا: لا تقتصر الهجمات الإيرانية المتصاعدة على القواعد العسكرية فحسب، بل تمتد لتشمل البنية التحتية المدنية ومنشآت إنتاج الطاقة. ويبدو أن طهران تُنفذ استراتيجية مُصممة لإرهاق جيرانها وخلق ضغوط سياسية واقتصادية (فضلًا عن حالة من الارتباك) لدفعهم في نهاية المطاف إلى ممارسة ضغوط من اجل إنهاء الحرب. إلا أن هذه استراتيجية قصيرة النظر؛ فأفعال إيران لن تؤدي إلا إلى عزلتها الإقليمية.
ما نشهده اليوم في الخليج العربي ليس مجرد تصعيد عابر، بل هو تحول استراتيجي عميق يعيد المنطقة إلى منطق الصراع والتنافس، مع تضاؤل فرص التعايش مع إيران. ومرة أخرى يعود الزمن في الشرق الأوسط إلى الوراء نحو حقبة من التوترات الحادة والمواجهات العسكرية المفتوحة؛ حيث تتضاءل فرص الدبلوماسية المتعددة الأطراف والأمن الجماعي والتعاون الإقليمي.
{ مدير برنامج الشرق الأوسط
في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك