في الشارع أو على وسائط التواصل الاجتماعي ينشغل ملايين الناس بالحرب التي اندلعت إثر بدء هجوم من إسرائيل والولايات المتحدة على إيران، وعلى المقهى، سألني شاب: هل يمكن أن تكون إسرائيل هي التي قد ضربت بمسيراتها مصادر النفط في دول الخليج لدفعها إلى دخول الحرب؟ أجبته: راجع تاريخ الحروب الإسرائيلية جيدا، وراجع العقيدة التي يؤمن بها نتنياهو، والتاريخ الذي ينتمي إليه عبر ثلاثة آلاف سنة، ستجد أن إسرائيل قد سبق أن أقدمت على أعمال شبيهة، والتاريخ اليهودي حافل بمثل هذه الأفعال. إسرائيل يمكن أن تضرب حتى مصالح غربية لدفع دول أوروبية إلى دخول الحرب. سبق أن فعلها الإنجليز ليجروا أمريكا إلى الحرب العالمية الثانية في مواجهة ألمانيا.
عاد يسأل: هل الروايات الإسرائيلية بتدمير سلاح إيران سليمة؟ أجبته: ظلت إسرائيل تضرب غزة المكشوفة أرضها تمامًا سنتين كاملتين، ثم خرجت من الحرب تطالب بنزع سلاح حماس، فما بالك بإيران ومساحتها تساوى أربعة آلاف وخمسمائة قطاع غزة، وبها مناطق جبلية وعرة، لا يمكن للطيران أو الصواريخ أن تنال منها. ولا تنسى أن إيران المحاصرة منذ عقود تصنع سلاحها بنفسها، وهناك ورش عديدة قادرة على صناعة صواريخ ومسيرات، بتكلفة زهيدة، ما يعني أن إيران قادرة على الدخول في حرب استنزاف طويلة.
سأل أيضا: هل يمكن أن تتدخل أمريكا بريًا؟ قلت له على الفور: من الصعب جدا أن تتخذ واشنطن هذا القرار، وإن فعلت فسيكون القرار متهورًا، وتجربة أمريكا في أفغانستان والعراق والصومال وقبلها فيتنام تبين إلى أين ستنتهي الأمور. وأحسب أن إيران أقوى من كل هذه الدول، ليس فقط بسبب الجغرافيا، ولا التاريخ، إنما تدريبات الحرس الثوري، والثقافة الاستشهادية التي رأيناها في الحرب العراقية ـ الإيرانية، ولا تنسى وقتها أن العالم كله تقريبا، كان يقف خلف العراق، بينما إيران كانت خارجة من ثورة، ولم يستقر نظامها بعد، فما بالنا بما هي عليه الآن.
وسأل: وماذا عن الحرب السيبرانية؟ أجبته: لدى أمريكا وإسرائيل باع فيها بالطبع، وقد انتقلتا إليها في الساعات الأخيرة، لكن إيران أيضا لديها قدرة في مثل هذه الحروب، وهي تستخدمها في تعطيل أسلحة الدفاع الإسرائيلية، وقد يتطور الأمر إلى ما بعدها.
وسأل من جديد: هل ترى تراجعًا في الموقف الأمريكي والإسرائيلي وفق تصريحات نتنياهو وترامب الأخيرة؟ أجبته: إن حديث نتنياهو لفوكس نيوز، وكذلك تصريحات ترامب، تبين أنهما في ورطة، خاصة ترامب الذي طلب من نتنياهو أن يتحدث للشعب الأمريكي، كي يقنعه بضرورة دخول الولايات المتحدة الحرب، وهذا يكرس ما يتردد في أمريكا على ألسنة الديمقراطيين، وحتى بعض الجمهوريين، وقطاع عريض من الشعب الأمريكي على أنها حرب إسرائيل، وأن أمريكا ما كان عليها أن تضحى بمصالحها في الخليج، وتعجز عن حماية شركائها أو حلفائها في سبيل إسرائيل.
وعاد يسأل: وماذا عن النظام في إيران، هل يمكن أن يسقط؟ أجبته: النظام الإيراني يحكم منذ 47 سنة، وخلالها تجذر في الواقع الاجتماعي، وليس من السهل إسقاطه بهجمة تقتل القيادة مثلما تصورت أمريكا وإسرائيل، فإيران ليست فنزويلا. والمظاهرات التي خرجت في المدن الإيرانية تنديدا بالعدوان الإسرائيلي ـ الأمريكي، تبين أن الشعب الإيراني يهتم الآن بكرامته الوطنية، وليس بإسقاط النظام، والدليل على ذلك أن حزب تودة الشيوعي الإيراني المناوئ للسلطة أصدر بيانا يرفض فيه هذه الحرب.
وجاء سؤال مهم: بعد أكثر من أسبوع، كيف تقيم الأمر؟ أجبته: انتقلت إيران من الدفاع إلى الهجوم، وانتقل مهاجموها من الفعل إلى رد الفعل.
صمت الشاب برهة، وقال: يمكن لأمريكا أن تضرب إيران بالسلاح النووي؟ سكت مثله بعض الوقت، وأجبته: هذا ليس سهلا، وإن حدث فليس هناك ما يمنع إيران من ضرب مفاعل ديمونة الإسرائيلي، وقد تكون لديها أسلحة كيماوية وبيولوجية، ومن أدرانا لعل بحوزتها سلاح نووي بالفعل، أو يمكنها الوصول إليه سريعًا، فالأمريكيون يقولون إن من يصل إلى نسبة تخصيب لليورانيوم 60% مثل ما عليه واقع إيران اليوم يمكنه أن يصعد بها إلى 90% في غضون عشرة أيام، وما لدى إيران يمكنها من صناعة 11 قنبلة نووية. هذا ما يقوله الأمريكيون، ولست أنا، على أي حال.
وأنهيت كلامي قائلا: هذا ما أراه في ضوء المعلومات المتاحة، أو الثقافة السياسية والتاريخية العامة، لكن الحروب تكون دائما مفتوحة على مختلف الاحتمالات، نعرف متى بدأت، لكن لا نعرف متى وكيف تنتهي؟ ودعك مما أقوله، أو أميل إليه، وإليك ما تتحدث به صحف أوروبية وأمريكية عن أن ترامب ونتنياهو كانا يعتقدان أنهما قد جهزا مفاجأة لإيران بشن هجوم مباغت عليها وسط المفاوضات، وقتل قائدها الأعلى، وبعض أركان الحكم، وفق نظرية «الصدمة والرعب» لإحداث إرباك شديد لنظام الحكم يؤدى إلى تصدعه، وبالتالي تسهل الإطاحة به، لكن إيران استعدت بترتيب هيكل السلطة، حتى القيادة الرابعة، وامتثلت لقول المرشد «قوتنا في الصواريخ وليس في التفاوض»، وهي تعمل على إرهاق الدفاع الجوي الغربي خاصة صواريخ باتريوت وثاد، وإرهاق القبة الحديدية الإسرائيلية، بضخ زخات من الصواريخ والمسيرات، ثم الصعود التدريجي في توظيف الصواريخ، مما تسميه إيران «الخردة» إلى «الفرط صوتي»، في هجمات متصاعدة ولو بشكل متدرج، وهو ما يجد ترامب نفسه في مأزق، فهو من بدأ الحرب، والآن قد لا يعرف كيف ينهيها.
{ كاتب وباحث في العلوم السياسية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك