ثارت ضجة صغيرة خلال الفترة الماضية في الأوساط الأمريكية حول ما إذا كانت اللجنة الوطنية الديمقراطية قد أخفت التقرير الذي جرى إعداده لتحليل أسباب الخسارة التي تكبدها الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في سنة 2024 أم لا.
يخشى البعض أن عدم نشر التقرير يعزى إلى احتمال إشارته إلى أن الهزيمة كانت نتيجة فشل حملة المرشحة هاريس في التخلي عن سياسة إدارة جو بايدن الكارثية الداعمة للعدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين في قطاع غزة، وهم يتهمون اللجنة الوطنية الديمقراطية بالتستر على الحقيقة ويطالبون بنشر التقرير.
لقد كنتُ عضواً في اللجنة الوطنية الديمقراطية لأكثر من ثلاثة عقود. لذلك فأنا أعرف جيداً كيف يتعامل الحزب الديمقراطي، أو يتجنب التعامل، مع القضايا المتعلقة بفلسطين/إسرائيل، كما خدمتُ طيلة ستة عشر عاماً في اللجنة التنفيذية للحزب، وأحد عشر عاماً كرئيس مشارك للجنة القرارات.
خلال هذه الفترة قدمت شهادة في ثماني مناسبات كاملة عبرت فيها عن موقفي واعتبرت أن الحزب الديمقراطي في حاجة إلى الاعتراف بالحقوق الشرعية الفلسطينية، وفي عام 2016 تم تعييني للعمل في لجنة صياغة برنامج خلال الانتخابات الرئاسية.
أذكر أنني خضت نقاشاتٍ عديدة أثناء صياغة بنود البرنامج الانتخابي وخسرت فيها، وأنا أدرك اليوم تمامًا مخاوف قيادة الحزب الديمقراطي من التطرق إلى القضايا التي تتعلق بالحقوق الفلسطينية، وخاصة في الظروف الراهنة، إلا أن الأمور بدأت تتغير بشكل ملموس. ففي العام الماضي، عُيّنتُ عضوًا في فريق العمل التابع للحزب الديمقراطي، والمُكلّف بدراسة كيفية تعامل حزبنا مع سياسات الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.
ومع ذلك، أعتقد أنه بالنسبة إلى أولئك الذين يدعمون مثلنا الحقوق الفلسطينية ويشعرون بالقلق من أن كبار الديمقراطيين كانوا على الجانب الخطأ من هذه القضية فترة طويلة جدًا، فإن الصراع حول هذا التقرير آنف الذكر لا يتطلب تركيز كل اهتمانا وطاقتنا فيه.
وفي الحقيقة، تتوفر لدينا بالفعل كل الأدلة التي نحتاجها لكتابة تقريرنا الخاص الذي يثبت بشكل قاطع أن الناخبين الأمريكيين، وخاصة منهم الديمقراطيين والمستقلين، قد سئموا من الدعم الأعمى الذي تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية للسياسات الإسرائيلية.
أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة غالوب مؤخراً أن نسبة الأمريكيين المتعاطفين مع الفلسطينيين تناهز (41%)، وهي بذلك تفوق نسبة المتعاطفين مع الإسرائيليين (35%) للمرة الأولى، وتجلى هذا التحول الملموس بشكل خاص بين الديمقراطيين، حيث يزيد التعاطف مع الفلسطينيين بثلاثة أضعاف عن التعاطف مع الإسرائيليين.
وأظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة جون زوغبي ستراتيجيز في فبراير أن الأمريكيين ينظرون الآن إلى علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بإسرائيل على أنها عبء (45%) أكثر من كونها ميزة (34%). أما بين الديمقراطيين، فالنسبة ثلاثة إلى واحد (57% مقابل 19%).
ينعكس هذا النفور المتزايد تجاه إسرائيل في تغير المواقف تجاه السياسات. ففي شهر أغسطس 2025، أفادت مجلة الإيكونوميست أن 43% من الناخبين يؤيدون خفض المساعدات العسكرية التي تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل، بينما يرغب 13% فقط في زيادة هذه المساعدات، كما أفادت المجلة نسبة المؤيدين لخفض المساعدات العسكرية تصل إلى 58% مقابل 4% للمؤيدين للزيادة من بين الديمقراطيين. أما بين المستقلين، فالنسبة متقاربة.
تُظهر استطلاعات أخرى للرأي أجريت في ذات الغرض أن الناخبين الأمريكيين يعتبرون أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في قطاع غزة، وأنهم أصبحوا أقل ميلاً للتصويت لأولئك الذين يدافعون عن السياسات الإسرائيلية.
ومما يُؤكد هذا التحول الملموس واللافت للنظر قبل أشهر قليلة من انتخابات التجديد النصفي، أن عشرات المرشحين للكونغرس قد أعلنوا بالفعل نيتهم رفض التبرعات المقدمة من الجماعات المؤيدة لإسرائيل، ويشمل ذلك عدداً من أعضاء الكونغرس الحاليين، الذين سبق لهم تلقي ملايين الدولارات من مصادر مؤيدة لإسرائيل.
في الواقع، فقد ظلت هذه التغييرات في المواقف تجاه إسرائيل وسياساتها تتطور على مدى سنوات عديدة، إلا أنها تسارعت بشكل كبير بسبب العدوان الإسرائيلي الذي استمر أكثر من عامين على الفلسطينيين في قطاع غزة.
وقد تجلى ذلك بوضوح في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في سنة 2024. فقد أظهرت استطلاعات الرأي التي أعقبت تلك الانتخابات أن نائبة الرئيس كامالا هاريس فقدت تأييد شريحة واسعة من الناخبين الديمقراطيين والمستقلين لرفضها النأي بنفسها عن موقف الرئيس جو بايدن الداعم لإسرائيل.
ومع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي في شهر نوفمبر من سنة 2026، يُتوقع أن يُعلن المزيد من المرشحين نأيهم بأنفسهم عن السياسات الإسرائيلية، كما يُتوقع أن تُصاب الجماعات المؤيدة لإسرائيل بالذعر وتُصعّد من جهودها بضخ عشرات الملايين من الدولارات في حملات هدفها إلحاق الهزيمة بالمرشحين المنتقدين لإسرائيل.
ولا شك أن هذا الأمر سيؤدي إلى حدوث نتائج عكسية، لأن ما سيثير الجدل هو السياسات الإسرائيلية والتبرعات لحملات مؤيدة لإسرائيل، وليس العكس. وكلما أدرك المحللون والمستشارون ووسائل الإعلام ذلك مبكراً، كان ذلك أفضل لسياساتنا.
وفي ضوء هذه التحولات، تصبح المطالبة بنشر التقرير المشار إليه أقل أهمية، إذ ينبغي توجيه الاهتمام نحو دعم المرشحين الرافضين للسياسات الإسرائيلية، ومطالبة الحزب الديمقراطي بحظر التمويل غير الشفاف في الانتخابات. وبذلك يمكن أن يتطلع الحزب الديمقراطي إلى الأمام، بدلا من النظر إلى الوراء. هذا هو السبيل الأمثل لإحداث التغيير المنشود، وللوصول إلى ما يصبو إليه الناخبون الديمقراطيون.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك