القراء الأعزاء،
لا يخفى على أحد فخر كل بحريني بالمنجز البحريني، على صعيد رسمي أو أهلي أو شخصي، لذا نفرح كثيرا كلما برز للعالم اسم البحرين، ولا سيما بجهود ذاتية لأنها تمثل تعبير صاحبها عن وفائه وولائه وانتمائه إلى هذا الوطن، وهذا النوع على الأخص يستحق المزيد من التقدير لأنه لم يتوقف أمام طموحاته ورفعة اسم وطنه بحجة (لم يدعمني أحد) فيضع إبداعاته في خانة التأجيل.
أقول هذا وأنا أشاهد إبداعات المايسترو البحريني وحيد الخان، الذي شهدت السنوات الأخيرة انطلاقة إبداعية مغايرة لتجربته الفنية، فتجاوز بها حدود الوطن لتغزو موسيقاه الذائقة العالمية من خلال مشاركاته الحيّة لفِكْره الموسيقي الجديد بدءاً من انطلاقة (العودة) وصولاً إلى (ربيع الألوان) الذي شارك به على مسرح البحرين الوطني يوم الخميس 5 نوفمبر الجاري، ضمن احتفالية هيئة البحرين للثقافة والآثار بالنسخة الخامسة والثلاثين لمهرجان البحرين الدولي للموسيقى.
ربيع ألوان وحيد الخان، قد جاء مُعبراً عن هاجس المايسترو الإنساني البحت من خلال حسّه الفني الأنيق، حيث مارس قلقه حول أهمية الألوان ودورها في إحياء الروح في الحياة، في الناس، في الأماكن والنفوس، في تعبير عن رفضه للأوان المحايدة التي لا روح فيها كالرمادي مثلاً، والذي اشتق اسمه من الرماد، بكل ما يرتبط به من زوال ودمار ونهايات، وهي معان تُخالف تماماً توجه الخان وفكره المتّجه بأقصى سرعة نحو البدايات المُبهجة ونحو الفرح وعودة الحياة، فكان الناتج ربيعاً للألوان رسمته نوتاته الموسيقية بتوزيعها الأنيق، والذي يُبرز عمق الفكر والوعي الثقافي البحريني الراسخ على ثقافة التعايش السلمي والتعايش الديني من خلال إشراك أحد أعرق الكورالات في مملكة البحرين (كورال منامة سنغرز) والذي يضم في عضويته مؤدين من خمس عشرة جنسية مختلفة تدين بديانات متنوعة، ووحّدتهم إنسانيتهم وحبهم للموسيقى والغناء الجماعي، كما شاركت فيها أوركسترا سانت بطرسبرغ من روسيا وشارك بها مغنون من روسيا (ايفيغينا بيتروشينا) ومن مصر ( كارين دانيال) ومن البحرين (المبدع حسين أسيري ) وأبدع مع الفرقة الموسيقية مبدعو الفنون الإيقاعية البحرينية الفنان راشد العميري وأخوته والمبدع محمد خليفة على الدرامز، وفي الوسط وقف المايسترو وحيد الخان يرسم الإيقاعات ويقود خُطاها بمنتهى اللطف البحريني وبشموخٍ فنّي هو أهل له.
وقد كان اختلاف اللغات من أهم جماليات ربيع الألوان ، فبين الروسية والإيطالية والعربية الفصحى واللهجة البحرينية العامية اللذيذة حظيت ذائقة الحاضرين بوجبة فنية متكاملة، أشبعت ذائقتهم بجدارة، وبقي طعم الموسيقى وسحر الألوان عالقاً في الذائقة لما بعد الحفل الذي حظي بحضور جمهور نوعي كبير رغم أن الموسم الثقافي كان زاخراً بأحداث وفعاليات كبيرة موازية كمهرجان المسرح، وانعقاد الدورة الثلاثين لاجتماع وزراء الثقافة بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي والزيارة التاريخية لرئيس مجلس وزراء جمهورية العراق الشقيقة لمملكة البحرين في أول زيارة لرئيس وزراء عراقي للبحرين منذ عام 2003.
وتبلورت قمة جمال ربيع الألوان في رشاقة المزج بين الفن البحريني الأصيل التقليدي الذي حفظته ذاكرة الشعوب مع إعادة توزيعه موسيقياً بتلوينه بلونٍ معاصر أضفى على الأغنيات نكهة مغايرة، فتطايرت في الأجواء نكهة (على الويل ويلاه يا سمسمه يعني لا مت؟ عذاب السمسمة) و(يامن هواه أعزّه وأذلّني، كيف السبيل إلى وصالك دلّني) حتى انحنت جميع الألوان عند لحظة (من خلقت الدنيا واحنا أهل البحرين بالجود ويا الكرم والعزّ معروفين) وسط تناغم جميل تغنّت فيه الفنانة الروسية باللغة العربية وتغنّى الفنان البحريني والفنانة المصرية باللغة الروسية وتمازج الفن كما ينبغي له أن يكون باعتباره هوية لا حدود ولا جنسية لها، سوى الإنسانية.
وهنا يجدر أن يُساق الشكر لأهله، فشكراً لهيئة البحرين للثقافة والآثار بكل القائمين عليها على دعم الفنان البحريني وإتاحة مثل هذه الفرصة الجديرة بالتكرار، وعلى رأسها الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة، والشكر لوزير الإعلام الدكتور رمزان بن عبدالله النعيمي على حرصه لحضور هذا الحفل رغم الظروف، والشكر بالتأكيد لمبدع ربيع الألوان الفنان المايسترو البحريني وحيد الخان، على ليلة استثنائية أضاءت سماء الفن في بحريننا الغالية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك