في السوق العقارية، لا تكمن المشكلة دائماً في نقص الأراضي أو ضعف الفرص الاستثمارية، بل قد تكون المشكلة في أصول موجودة بالفعل، تمتلك قيمة اقتصادية كبيرة، لكنها تظل خارج دائرة الاستثمار سنوات طويلة بسبب تعقيدات الملكية وتعدد الشركاء واختلاف المصالح بينهم. وتبرز هذه الإشكالية بصورة واضحة عندما تكون العقارات مملوكة على الشيوع بين أفراد الأسرة الواحدة أو الورثة أو مجموعة من المستثمرين، بحيث يصبح اتخاذ قرار البيع أو التطوير أو إعادة الاستثمار أكثر تعقيداً من امتلاك العقار نفسه. إن العقار الذي لا يمكن تطويره أو بيعه أو الاستفادة من عوائده بصورة عملية لا يمثل مجرد فرصة ضائعة لصاحبه، بل قد يتحول إلى أصل مجمد يحرم الاقتصاد من قيمة مضافة كان بالإمكان تحقيقها من خلال تطويره أو إعادة توظيفه. ومن هنا، فإن قضية الملكيات العقارية المتعددة تستحق أن تُطرح باعتبارها قضية اقتصادية واستثمارية، وليست مجرد خلافات عائلية أو نزاعات بين شركاء.
عندما تتحول الملكية
إلى عائق أمام الاستثمار
تبدأ المشكلة غالباً عندما تنتقل ملكية العقار إلى عدد كبير من الورثة، أو عندما تتوزع الحصص بين شركاء تختلف احتياجاتهم المالية وأولوياتهم. فقد يرغب أحد الملاك في البيع للحصول على السيولة، بينما يفضل آخر الاحتفاظ بالعقار انتظاراً الى ارتفاع قيمته، وقد يطالب ثالث بتطويره، في حين لا يمتلك بقية الشركاء القدرة على المساهمة في تكاليف البناء أو الترميم.
ومع مرور الوقت، تتراكم الخلافات وتتأخر القرارات، وقد يبقى العقار سنوات من دون تطوير أو صيانة مناسبة. وفي بعض الحالات، تنخفض جاذبية العقار الاستثمارية نتيجة تقادم المبنى أو تراجع كفاءته التشغيلية، بينما تتزايد تكاليف المحافظة عليه والالتزامات المرتبطة به.
وتكمن الخطورة في أن قيمة العقار السوقية المحتملة لا تعني بالضرورة أن الملاك قادرون على تحقيق هذه القيمة فعلياً. فالأصل قد يكون مرتفع القيمة نظرياً، لكنه ضعيف السيولة بسبب عدم القدرة على اتخاذ قرار جماعي بشأنه.
الحاجة إلى حلول تتجاوز انتظار توافق جميع الأطراف
لا يمكن معالجة هذه الإشكالية بحل واحد يناسب جميع الحالات، إذ تختلف طبيعة العقارات، وعدد الملاك، ونسب حصصهم، والالتزامات المالية والقانونية المرتبطة بها. ومع ذلك، يمكن تطوير مسارات عملية تساعد على تقليل التعطيل، مع المحافظة على حقوق جميع أصحاب المصالح. أول هذه المسارات هو إجراء تقييم مستقل للعقار، لا يقتصر على تقدير سعر الأرض أو المبنى، بل يشمل أفضل استخدام اقتصادي ممكن، وتكاليف التطوير، والعائد المتوقع من التأجير أو البيع، والالتزامات التي قد تؤثر على القيمة النهائية. فوجود معلومات مالية واضحة قد يساعد الشركاء على الانتقال من الخلافات القائمة على التقديرات الشخصية إلى نقاش مبني على أرقام واقعية.
أما المسار الثاني، فيتمثل في إتاحة حلول شراء الحصص بين الشركاء، بحيث يتمكن أحد الملاك من شراء حصص الراغبين في الخروج وفق تقييم عادل ومتفق عليه، مع توفير آليات تمويل مناسبة عند توافر الشروط اللازمة. وقد يكون هذا الخيار أكثر عملية من بيع العقار بالكامل إذا كان بعض الملاك يرغبون في الاحتفاظ به.
ويمكن كذلك دراسة تأسيس شركة ذات غرض خاص تمتلك العقار أو تتولى تطويره، بحيث تُحدد حصص الشركاء وحقوقهم والتزاماتهم وآلية توزيع الأرباح والخروج من الاستثمار بموجب اتفاق واضح. غير أن هذا النموذج يحتاج إلى دراسة قانونية وضريبية وتمويلية بحسب الحالة، ولا يصلح بالضرورة لجميع العقارات.
دور الوساطة والتسوية القانونية
من المهم تطوير مسارات مبكرة للوساطة العقارية قبل أن تتحول الخلافات إلى نزاعات طويلة ومكلفة. ويمكن أن تشمل هذه المسارات الاستعانة بخبراء تقييم مستقلين، ومستشارين قانونيين، ووسطاء متخصصين في إعادة هيكلة الملكيات، للوصول إلى حلول تحفظ الحقوق وتقلل الأضرار الاقتصادية.
وعندما يتعذر الاتفاق، يجب أن تبقى الإجراءات القضائية والقانونية المتاحة وسيلة لحماية الحقوق وفق القواعد المعمول بها، مع دراسة إمكانية تسريع معالجة النزاعات العقارية التي يترتب عليها تعطيل أصول ذات قيمة اقتصادية. ولا يعني ذلك تجاوز حقوق أي شريك أو فرض البيع عليه من دون سند قانوني، بل إيجاد توازن بين حماية الملكية الخاصة ومنع استمرار التعطيل من دون مبرر. وفي مملكة البحرين، يمكن دراسة إنشاء مبادرة متخصصة لرصد العقارات ذات الملكيات المتعددة التي يرغب أصحابها في إعادة هيكلتها طوعاً، مع توفير خدمات التقييم والوساطة والتخطيط الاستثماري، بالتعاون مع الجهات المهنية المختصة. ويمكن أن تبدأ المبادرة بصورة تجريبية، مع وضع ضوابط صارمة لحماية البيانات والحقوق.
من أصل ساكن إلى قيمة اقتصادية منتجة
إن تحويل العقارات المجمدة إلى أصول منتجة لا يتطلب بالضرورة بناء مشاريع ضخمة أو تغيير استخدامات الأراضي، بل قد يبدأ بتسوية الملكية، أو تحسين إدارة العقار، أو تجديده، أو بيعه لمستثمر قادر على تطويره. والأهم هو اتخاذ القرار المناسب بناءً على دراسة اقتصادية واضحة، لا ترك العقار رهينة الخلافات إلى أجل غير معلوم. وفي المحصلة، فإن معالجة الملكيات العقارية المتعددة تمثل فرصة لتحرير رأس المال المعطل، وتحسين استخدام الأراضي، ورفع كفاءة السوق العقارية. فالملكية حق أصيل يجب صونه، لكن حماية هذا الحق لا تتعارض مع تطوير أدوات تساعد أصحابه على الاستفادة منه. والسؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم ليس فقط: كم تبلغ قيمة العقارات التي نملكها؟ بل أيضاً: كم من هذه القيمة نستطيع تحويله إلى استثمار حقيقي يخدم الملاك والاقتصاد الوطني؟
الرئيس التنفيذي لمجموعة الفاتح
Jasim@alfateh.bh

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك