خرجت الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين، التي عقدت قبل أيام في بانكوك، بالعديد من التوصيات التي ترسم مسارات التعامل مع المخاطر والتحديات التي تواجه الاقتصادات الخليجية والعربية والعالمية. وهذا يعيدنا إلى استذكار دعوات أطلقناها في مقالات نشرت قبل أكثر من اثني عشر عاماً، لتأسيس جهاز إنذار مبكر بالأزمات الاقتصادية، كما دعونا في مقال آخر إلى إنشاء جهاز خاص لإدارة الأزمات، يجمع الاستعداد المسبق والقدرة على مواجهة الطوارئ.
كانت خلفية تلك الدعوات الدروس القاسية للأزمة المالية العالمية عام 2008، حين أثبتت التطورات أن وفرة المعلومات لا تكفي لحماية الاقتصادات، ما لم تتحول إلى مؤشرات مفهومة وقرارات مناسبة. واليوم، تتجدد أهمية هذه الفكرة، بعدما أصبحت الأزمات أكثر تشابكاً، وصار الاضطراب في سوق للطاقة أو شركة تكنولوجية أو منظومة مدفوعات قادراً على الانتقال سريعاً إلى قطاعات ودول بعيدة.
قدمت التقارير الصادرة بالتزامن مع اجتماعات بانكوك صورة لاقتصاد عالمي يواصل النمو، ولكن بكلفة متزايدة وهوامش حماية أضيق. فتوقع صندوق النقد نمواً عالمياً يبلغ 3.1% عام 2026، يرتفع إلى 3.4% في العام المقبل، مقابل تضخم عالمي يبلغ 4.7% هذا العام. وحذر من تصاعد النزاعات، وتجدد التوترات التجارية، وهشاشة الأوضاع المالية العامة، وإعادة تقييم التوقعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
تكمن الخطورة في تفاعل هذه العوامل. فاضطراب إمدادات الطاقة يرفع تكاليف الإنتاج والنقل، وقد يغذي التضخم ويؤخر انخفاض الفائدة. واستمرار كلفة الاقتراض المرتفعة يزيد أعباء الموازنات والشركات والأسر، ويضعف الاستثمار. وعندما تتزامن هذه الضغوط مع تباطؤ التجارة، تصبح قدرة الحكومات على حماية النمو والوظائف أكثر صعوبة، خصوصاً إذا كانت قد استهلكت احتياطياتها في مواجهة صدمات سابقة.
وفي الجانب المالي، حدد الصندوق ثلاثة مصادر بارزة للمخاطر: تصحيح محتمل في الأصول المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وارتفاع حاد في عوائد السندات السيادية، وهجمات سيبرانية تعطل الخدمات المالية. ودعا إلى تعزيز الشفافية، وضبط الاقتراض المفرط، وتحسين الاستعداد للصدمات. وهذه تحذيرات تستدعي قراءة تتجاوز أداء الأسواق اليومي إلى سلامة الروابط التي تجمع المصارف والمستثمرين ومقدمي الخدمات الرقمية.
بالنسبة إلى اقتصادات الخليج العربي، نرى أن قراءة هذه المخاطر تستوجب النظر إلى جانبي الميزانية الاقتصادية معاً. فارتفاع النفط قد يدعم الإيرادات، لكنه قد يتزامن مع تعطل الصادرات أو ارتفاع التأمين والشحن وتراجع السياحة والاستثمار. كما أن امتلاك أصول خارجية كبيرة يجعل مراقبة الأسواق العالمية ضرورة، لأن تراجع قيمتها أو صعوبة تسييلها قد ينقلان الصدمة إلى الداخل.
أما الاقتصادات العربية المستوردة للطاقة والغذاء، فقد تواجه ضغوطاً متزامنة على الأسعار والعملات والموازنات. ومن هنا، لا يكفي إصدار تحذير عربي عام؛ المطلوب تقدير مختلف لكل دولة، يحدد مصادر انكشافها، وقدرتها على التمويل، ومخزونها من السلع الأساسية، والفئات والقطاعات الأكثر تعرضاً. فالتعاون يصبح أكثر فاعلية عندما ينطلق من تشخيص دقيق للاختلافات، إلى جانب إدراك المصالح المشتركة. وهنا تتحدد وظيفة جهاز الإنذار المبكر الذي نجدد الدعوة إليه: جمع المعلومات المتفرقة، وربط مؤشرات الطاقة والغذاء والشحن والديون والسيولة والتجارة، ثم تحويلها إلى سيناريوهات عملية. ماذا يحدث إذا ارتفعت كلفة التمويل؟ وما أثر تعطل ممر تجاري؟ وأي المؤسسات تحتاج إلى اختبار قدرتها على تحمل الصدمة؟ ينبغي أن تصل الإجابات إلى أصحاب القرار قبل اتساع الضرر. ونقترح أن يبدأ العمل بشبكة تربط الجهات الوطنية المختصة بالمؤسسات الخليجية والعربية القائمة، وفق قواعد لتبادل البيانات وحماية سريتها، مع فريق مهني صغير يصدر تقديرات دورية وتنبيهات استثنائية. ويقاس نجاحه بدقة التحليل، وسرعة وصول التحذير، وما يتيحه من استعداد فعلي لدى الجهات المعنية. فالإنذار المبكر لا يعد بمنع كل أزمة، لكنه يمنحنا وقتاً ثميناً لتقليل الخسائر وحماية المصالح. وما أعادت اجتماعات بانكوك تأكيده هو أن الصمود يحتاج إلى استعداد متجدد. وتبقى الخطوة المكملة، التي نتناولها في الحلقة المقبلة، بناء القدرة المؤسسية على التحرك حين تتحول الإشارات إلى أزمة فعلية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك