العدد : ١٧٧٤٩ - الثلاثاء ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٩ - الثلاثاء ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

مقالات

من بانكوك إلى الاقتصادات العربية..
بحاجة إلى جهاز للتنبؤ بالأزمات (1–2)

بقلم: عدنان أحمد يوسف.

الاثنين ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

خرجت‭ ‬الاجتماعات‭ ‬السنوية‭ ‬لصندوق‭ ‬النقد‭ ‬والبنك‭ ‬الدوليين،‭ ‬التي‭ ‬عقدت‭ ‬قبل‭ ‬أيام‭ ‬في‭ ‬بانكوك،‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬التوصيات‭ ‬التي‭ ‬ترسم‭ ‬مسارات‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المخاطر‭ ‬والتحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الخليجية‭ ‬والعربية‭ ‬والعالمية‭. ‬وهذا‭ ‬يعيدنا‭ ‬إلى‭ ‬استذكار‭ ‬دعوات‭ ‬أطلقناها‭ ‬في‭ ‬مقالات‭ ‬نشرت‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اثني‭ ‬عشر‭ ‬عاماً،‭ ‬لتأسيس‭ ‬جهاز‭ ‬إنذار‭ ‬مبكر‭ ‬بالأزمات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬كما‭ ‬دعونا‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬آخر‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬جهاز‭ ‬خاص‭ ‬لإدارة‭ ‬الأزمات،‭ ‬يجمع‭ ‬الاستعداد‭ ‬المسبق‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الطوارئ‭.‬

كانت‭ ‬خلفية‭ ‬تلك‭ ‬الدعوات‭ ‬الدروس‭ ‬القاسية‭ ‬للأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬عام‭ ‬2008،‭ ‬حين‭ ‬أثبتت‭ ‬التطورات‭ ‬أن‭ ‬وفرة‭ ‬المعلومات‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬لحماية‭ ‬الاقتصادات،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مؤشرات‭ ‬مفهومة‭ ‬وقرارات‭ ‬مناسبة‭. ‬واليوم،‭ ‬تتجدد‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة،‭ ‬بعدما‭ ‬أصبحت‭ ‬الأزمات‭ ‬أكثر‭ ‬تشابكاً،‭ ‬وصار‭ ‬الاضطراب‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬للطاقة‭ ‬أو‭ ‬شركة‭ ‬تكنولوجية‭ ‬أو‭ ‬منظومة‭ ‬مدفوعات‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬سريعاً‭ ‬إلى‭ ‬قطاعات‭ ‬ودول‭ ‬بعيدة‭.‬

قدمت‭ ‬التقارير‭ ‬الصادرة‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬اجتماعات‭ ‬بانكوك‭ ‬صورة‭ ‬لاقتصاد‭ ‬عالمي‭ ‬يواصل‭ ‬النمو،‭ ‬ولكن‭ ‬بكلفة‭ ‬متزايدة‭ ‬وهوامش‭ ‬حماية‭ ‬أضيق‭. ‬فتوقع‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬نمواً‭ ‬عالمياً‭ ‬يبلغ‭ ‬3‭.‬1‭%‬‭ ‬عام‭ ‬2026،‭ ‬يرتفع‭ ‬إلى‭ ‬3‭.‬4‭%‬‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬المقبل،‭ ‬مقابل‭ ‬تضخم‭ ‬عالمي‭ ‬يبلغ‭ ‬4‭.‬7‭%‬‭ ‬هذا‭ ‬العام‭. ‬وحذر‭ ‬من‭ ‬تصاعد‭ ‬النزاعات،‭ ‬وتجدد‭ ‬التوترات‭ ‬التجارية،‭ ‬وهشاشة‭ ‬الأوضاع‭ ‬المالية‭ ‬العامة،‭ ‬وإعادة‭ ‬تقييم‭ ‬التوقعات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬

تكمن‭ ‬الخطورة‭ ‬في‭ ‬تفاعل‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭. ‬فاضطراب‭ ‬إمدادات‭ ‬الطاقة‭ ‬يرفع‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬والنقل،‭ ‬وقد‭ ‬يغذي‭ ‬التضخم‭ ‬ويؤخر‭ ‬انخفاض‭ ‬الفائدة‭. ‬واستمرار‭ ‬كلفة‭ ‬الاقتراض‭ ‬المرتفعة‭ ‬يزيد‭ ‬أعباء‭ ‬الموازنات‭ ‬والشركات‭ ‬والأسر،‭ ‬ويضعف‭ ‬الاستثمار‭. ‬وعندما‭ ‬تتزامن‭ ‬هذه‭ ‬الضغوط‭ ‬مع‭ ‬تباطؤ‭ ‬التجارة،‭ ‬تصبح‭ ‬قدرة‭ ‬الحكومات‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬النمو‭ ‬والوظائف‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬استهلكت‭ ‬احتياطياتها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬صدمات‭ ‬سابقة‭.‬

وفي‭ ‬الجانب‭ ‬المالي،‭ ‬حدد‭ ‬الصندوق‭ ‬ثلاثة‭ ‬مصادر‭ ‬بارزة‭ ‬للمخاطر‭: ‬تصحيح‭ ‬محتمل‭ ‬في‭ ‬الأصول‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬وارتفاع‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬عوائد‭ ‬السندات‭ ‬السيادية،‭ ‬وهجمات‭ ‬سيبرانية‭ ‬تعطل‭ ‬الخدمات‭ ‬المالية‭. ‬ودعا‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬الشفافية،‭ ‬وضبط‭ ‬الاقتراض‭ ‬المفرط،‭ ‬وتحسين‭ ‬الاستعداد‭ ‬للصدمات‭. ‬وهذه‭ ‬تحذيرات‭ ‬تستدعي‭ ‬قراءة‭ ‬تتجاوز‭ ‬أداء‭ ‬الأسواق‭ ‬اليومي‭ ‬إلى‭ ‬سلامة‭ ‬الروابط‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬المصارف‭ ‬والمستثمرين‭ ‬ومقدمي‭ ‬الخدمات‭ ‬الرقمية‭.‬

بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬اقتصادات‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬نرى‭ ‬أن‭ ‬قراءة‭ ‬هذه‭ ‬المخاطر‭ ‬تستوجب‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬جانبي‭ ‬الميزانية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬معاً‭. ‬فارتفاع‭ ‬النفط‭ ‬قد‭ ‬يدعم‭ ‬الإيرادات،‭ ‬لكنه‭ ‬قد‭ ‬يتزامن‭ ‬مع‭ ‬تعطل‭ ‬الصادرات‭ ‬أو‭ ‬ارتفاع‭ ‬التأمين‭ ‬والشحن‭ ‬وتراجع‭ ‬السياحة‭ ‬والاستثمار‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬امتلاك‭ ‬أصول‭ ‬خارجية‭ ‬كبيرة‭ ‬يجعل‭ ‬مراقبة‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬ضرورة،‭ ‬لأن‭ ‬تراجع‭ ‬قيمتها‭ ‬أو‭ ‬صعوبة‭ ‬تسييلها‭ ‬قد‭ ‬ينقلان‭ ‬الصدمة‭ ‬إلى‭ ‬الداخل‭.‬

أما‭ ‬الاقتصادات‭ ‬العربية‭ ‬المستوردة‭ ‬للطاقة‭ ‬والغذاء،‭ ‬فقد‭ ‬تواجه‭ ‬ضغوطاً‭ ‬متزامنة‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬والعملات‭ ‬والموازنات‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬إصدار‭ ‬تحذير‭ ‬عربي‭ ‬عام؛‭ ‬المطلوب‭ ‬تقدير‭ ‬مختلف‭ ‬لكل‭ ‬دولة،‭ ‬يحدد‭ ‬مصادر‭ ‬انكشافها،‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬التمويل،‭ ‬ومخزونها‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية،‭ ‬والفئات‭ ‬والقطاعات‭ ‬الأكثر‭ ‬تعرضاً‭. ‬فالتعاون‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬عندما‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬تشخيص‭ ‬دقيق‭ ‬للاختلافات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إدراك‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭. ‬وهنا‭ ‬تتحدد‭ ‬وظيفة‭ ‬جهاز‭ ‬الإنذار‭ ‬المبكر‭ ‬الذي‭ ‬نجدد‭ ‬الدعوة‭ ‬إليه‭: ‬جمع‭ ‬المعلومات‭ ‬المتفرقة،‭ ‬وربط‭ ‬مؤشرات‭ ‬الطاقة‭ ‬والغذاء‭ ‬والشحن‭ ‬والديون‭ ‬والسيولة‭ ‬والتجارة،‭ ‬ثم‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬سيناريوهات‭ ‬عملية‭. ‬ماذا‭ ‬يحدث‭ ‬إذا‭ ‬ارتفعت‭ ‬كلفة‭ ‬التمويل؟‭ ‬وما‭ ‬أثر‭ ‬تعطل‭ ‬ممر‭ ‬تجاري؟‭ ‬وأي‭ ‬المؤسسات‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬اختبار‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬الصدمة؟‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬الإجابات‭ ‬إلى‭ ‬أصحاب‭ ‬القرار‭ ‬قبل‭ ‬اتساع‭ ‬الضرر‭. ‬ونقترح‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬العمل‭ ‬بشبكة‭ ‬تربط‭ ‬الجهات‭ ‬الوطنية‭ ‬المختصة‭ ‬بالمؤسسات‭ ‬الخليجية‭ ‬والعربية‭ ‬القائمة،‭ ‬وفق‭ ‬قواعد‭ ‬لتبادل‭ ‬البيانات‭ ‬وحماية‭ ‬سريتها،‭ ‬مع‭ ‬فريق‭ ‬مهني‭ ‬صغير‭ ‬يصدر‭ ‬تقديرات‭ ‬دورية‭ ‬وتنبيهات‭ ‬استثنائية‭. ‬ويقاس‭ ‬نجاحه‭ ‬بدقة‭ ‬التحليل،‭ ‬وسرعة‭ ‬وصول‭ ‬التحذير،‭ ‬وما‭ ‬يتيحه‭ ‬من‭ ‬استعداد‭ ‬فعلي‭ ‬لدى‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭. ‬فالإنذار‭ ‬المبكر‭ ‬لا‭ ‬يعد‭ ‬بمنع‭ ‬كل‭ ‬أزمة،‭ ‬لكنه‭ ‬يمنحنا‭ ‬وقتاً‭ ‬ثميناً‭ ‬لتقليل‭ ‬الخسائر‭ ‬وحماية‭ ‬المصالح‭. ‬وما‭ ‬أعادت‭ ‬اجتماعات‭ ‬بانكوك‭ ‬تأكيده‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الصمود‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬استعداد‭ ‬متجدد‭. ‬وتبقى‭ ‬الخطوة‭ ‬المكملة،‭ ‬التي‭ ‬نتناولها‭ ‬في‭ ‬الحلقة‭ ‬المقبلة،‭ ‬بناء‭ ‬القدرة‭ ‬المؤسسية‭ ‬على‭ ‬التحرك‭ ‬حين‭ ‬تتحول‭ ‬الإشارات‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬فعلية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا