في مملكة البحرين، حيث يُعد القطاع المصرفي والمالي أحد أبرز محركات الاقتصاد الوطني وركيزة أساسية في رؤية المملكة الاقتصادية، يبرز سؤال استراتيجي ملح: كيف نُعد الجيل القادم من القيادات المصرفية القادرة على قيادة التحول الرقمي والتكنولوجي بثقة وعمق؟ الإجابة تكمن في استثمار وطني منظم يجمع بين الرؤية القيادية والدعم المؤسسي والشراكات العالمية، وفي مقدمتها إسهامات صندوق العمل (تمكين) بقيادة استثنائية لسمو الشيخ عيسى بن سلمان بن حمد آل خليفة.
منذ توليه رئاسة مجلس إدارة صندوق العمل (تمكين)، أكد سموه على أن الاستثمار في الكفاءات البحرينية هو الاستثمار الأنجح. وقد تجسدت هذه الرؤية في اعتماد استراتيجية الصندوق حتى عام 2030.
مقترح برنامج وطني لتطوير القيادات المصرفية:
يمكن البناء على ريادتنا في القطاع المصرفي كأسس متين لإطلاق برنامج وطني متخصص لتطوير الجيل القادم من القيادات المصرفية، بمساهمة مشتركة من (تمكين) ومعهد البحرين للدراسات المصرفية والمالية BIBF، والمصارف المحلية، وبالتنسيق مع الجامعات العالمية التي خرجت قيادات مؤثرة مثل هارفارد وأكسفورد وغيرها.
يمكن أن يتضمن البرنامج محاور متكاملة، مثل:
• برامج أكاديمية وتنفيذية عالمية: إيفاد نخبة من الكوادر المصرفية البحرينية إلى برامج ماجستير أو دورات تنفيذية قصيرة في هذه الجامعات، مع تركيز خاص على استراتيجيات التكنولوجيا المالية والقيادة الرقمية والحوكمة والابتكار.
• تدريب عملي وتبادل الخبرات: تنظيم لقاءات مباشرة وزيارات ميدانية مع قيادات القطاع المالي والمصرفي والتكنولوجي في الولايات المتحدة، بما في ذلك بنوك كبرى وشركات تكنولوجيا مالية ومؤسسات تنظيمية. يمكن الاستفادة من الاتفاقيات الاستراتيجية بين مملكة البحرين والولايات المتحدة، وفي مقدمتها اتفاقية التكامل الأمني والازدهار الشامل (C-SIPA) الموقعة عام 2023، والتي تفتح آفاقاً للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي، بالإضافة إلى الاستثمارات المتبادلة.
• شراكات تكنولوجية عالمية: الاستفادة من برامج التكنولوجيا المالية المتقدمة لدى شركات عملاقة مثل مايكروسوفت (في مجالات الذكاء الاصطناعي والحلول المصرفية الرقمية)، إلى جانب شركات أخرى رائدة.
• دور BIBF والمصارف: يتولى BIBF تصميم وتنفيذ البرامج المحلية والدولية، مستفيداً من خبرته الطويلة في برامج القيادة الرقمية ومجالس الإدارة والتحول التكنولوجي. أما المصارف فتسهم في التمويل الجزئي واختيار المرشحين وتقديم فرص تطبيق عملي داخل مؤسساتها.
لماذا هذا الاستثمار ضروري الآن؟
مستقبل القطاع المالي لم يعد يقتصر على المعرفة التقليدية بالعمليات المصرفية، بل يتطلب قيادات تفهم بعمق كيف تُعاد صياغة نماذج الأعمال عبر الذكاء الاصطناعي، وتقنية السجلات الموزعة، والمدفوعات الرقمية، والتمويل المستدام، والأمن السيبراني. البحرين، بفضل بنيتها التنظيمية المتقدمة ودورها كمركز مالي إقليمي، ومبادرات مثل FinTech Forward التي شهدت توقيع عشرات الاتفاقيات الاستراتيجية، في موقع مثالي لقيادة هذا التحول.
في أوقات تصاعد النزاعات والحروب، ترتفع مخاطر الفينتك بشكل ملحوظ نتيجة الهجمات السيبرانية والاضطرابات التشغيلية والعقوبات، كما ظهر مؤخراً مع PHP، حيث عاشت البنوك اسبوع غير عادي من المخاطر السيبرانية والتشغيلية، وايضاً من مكافحة غسل الأموال (AML) قبل ذلك بأسابيع، ايضا مع التقدم التكنلوجي نري سطح هجوم أعلى بسبب المسارات الرقمية والاتصال عبر API، جميعها تحتاج إلى عقول غير تقليديه للتعامل مع الجيل الجديد من الصيرفة الرقمية.
إذا افترضنا أن عام 2027 سيكون أكثر حدة من الاختراقات السيبرانية لذلك فإن الوقت قد بدأ للبنوك لضمان امتلاكها أنظمة الذكاء الاصطناعي للبقاء آمنة. الأسبوع الماضي رأينا بنوكاً دولية كبرى تغلق خدماتها لحماية أنظمتها، لكن هذا ليس حلاً حكيماً. فالتوقعات من البنوك تتجاوز ذلك بكثير، إذ يُنتظر منها أن تبقى آمنة في كل الأوقات لتقديم أعمالها للعملاء. إن إطلاق مثل هذا البرنامج لن يُخرج قيادات فحسب، بل سيخلق شبكة من الخبرات البحرينية المرتبطة عالمياً، قادرة على جذب الاستثمارات، وتطوير منتجات مبتكرة، وتعزيز تنافسية المصارف البحرينية إقليمياً ودولياً. وهو استثمار يتوافق تماماً مع توجيهات القيادة الرشيدة بجعل المواطن البحريني الخيار الأول والأفضل في سوق العمل.
البحرين تملك الرؤية، وتملك المؤسسات، وتملك الشباب الطموح. ما تحتاجه اليوم هو برنامج وطني منظم يجمع هذه العناصر ليصنع جيلاً من القيادات المصرفية يستحق المستقبل الذي تطمح إليه المملكة.
خبير مصرفي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك