يأتي افتتاح حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، جامع أحمد الفاتح بالمنامة، ليُجسِّد أسمى معاني الوفاء للشيخ أحمد بن محمد آل خليفة (الفاتح)، ذلك القائد الذي نهض بالمسؤولية حين اشتدّت الخطوب، وحمل الراية بعزمٍ لا يلين، حتى غدا اسم هذا البطل العربي المسلم المقدام عنوانًا للعزة والمجد في هذه الأرض منذ عام 1783م. وقد أراد جلالته أيده الله تعالى، بتوجيهه السامي بإعادة بناء هذا الصرح، أن يبقى شاهدًا حيًّا على أن تكريم المؤسسين في هذا الوطن نهجٌ راسخٌ تحمله القيادة الحكيمة وتتعهّده بعنايتها. والوفاء في مملكة البحرين قيمةٌ أصيلةٌ يتوارثها الأبناء عن الآباء، والمنامة التي يرقد الفاتح في ثراها منذ عام 1795م تشهد اليوم تجدّد بيتٍ من بيوت الله تعالى يحمل اسمه، تُقام فيه الصلوات ويُرفع فيه ذكر الله، ليكون حلقةً في مسيرة وفاءٍ متصلةٍ، يحفظ فيها الخلفُ للسلفِ مآثرهم.
ومن ذلك الثرى الطاهر امتدّت شجرة المجد وارفة الظلال، فتعاقب من بعد الفاتح حكام آل خليفة الكرام، يسقون غرسها بالعطاء، ويرعون العهد جيلًا بعد جيل، ويذودون عن السيادة بحزمٍ واقتدار. ومن أبرز محطات هذه المسيرة نهضة صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، طيب الله ثراه، باني الدولة الحديثة، الذي يحمل عام 2026م اسمه «عام عيسى الكبير» وفاءً لإرثه، ثم جاء عهد صاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة، طيب الله ثراه، الذي صان استقرار البلاد في السنوات الأولى من الحرب العالمية الثانية، فعهد صاحب العظمة الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، طيب الله ثراه، الذي توسعت فيه مؤسسات التعليم وشُيّدت المشروعات الاستراتيجية، فعهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، طيب الله ثراه، ذي المنجزات التي لا حصر لها، والذي يحمل العام المقبل 2027م اسمه «عام عيسى بن سلمان» تقديرًا لعطائه. وصولًا إلى العهد الزاهر لجلالة الملك المعظم أيده الله تعالى، الذي أطلق ميثاق العمل الوطني، وأعلن البحرين مملكةً دستوريةً، وقاد نهضةً شاملةً في الميادين كافة، ورسّخ قيم التسامح والتعايش. وكلها تعود جذورها إلى ذلك الفتح المجيد الذي اختصره المؤرخون في عبارةٍ خالدةٍ: «أحمد صار في أوال خليفة».
وقد حرص صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، طيب الله ثراه، على تخليد ذكرى الفاتح، ففي الذكرى المائتين للفتح وضع حجر الأساس لمركز أحمد الفاتح الإسلامي في 15 ديسمبر 1983م، ثم افتتحه بالجفير في 2 يونيو 1988م منارةً للعلم والهوية الإسلامية. واليوم يفتتح حضرة صاحب الجلالة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه جامع الفاتح بالمنامة، فيلتقي الماضي بالحاضر في مشهدٍ عنوانه الوفاء: أبٌ وضع الأساس، وابنٌ بارٌّ يواصل المسيرة ويُعلي البنيان. وإني لأرفع أكفّ الضراعة إلى المولى عز وجل أن يحفظ حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، ويجعله ذخرًا لهذا الوطن وعزًّا لأهله، يُعلي بنيانه ويصون أمانته، وأن يُديم على مسيرته المباركة ما تحظى به من مساندةٍ موصولةٍ ودعمٍ متواصلٍ من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، وأن يُبقي مملكة البحرين واحة أمنٍ وإيمان، ودار عزٍّ ورخاء.
{ عميد كلية عبدالله بن خالد للدراسات الإسلامية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك