ما أجبنَ الفتنةَ حين لا تجد لها وجهًا في النهار، فتلبس قناعًا وتستعير اسمًا من الزور والبهتان والإنكار. وما أخسَّ الكلمة حين لا يجرؤ صاحبها أن يضع تحتها اسمًا ولا مقامًا، فيدفعها إلى الناس عمياء خلف ستار. ففي هذه الأيام خرج علينا قوم من عتمة الحسابات المفبركة، لا رأي لهم يُحاوَر، ولا حجة لديهم تُناظَر، ولا غيرة في قلوبهم تُصدَّق، وإنما كيرٌ يُنفخ، ودخانٌ يُطلق، وسُمٌّ يُقطَّر بين أبناء مجلس التعاون لدول الخليج العربية، يريدون أن يجعلوا من سعة الطريق خصومة في المصير، ومن همس السياسة صخبًا في المجالس والديار.
وما درى هؤلاء أن البيت الذي شيّده الآباء المؤسسون الحكماء لا تهدمه أيدي الجبناء، ولا تنال منه ألسنة مأجورة لا تعرف صدقًا ولا تملك قرارًا. فقد قام مجلس التعاون لدول الخليج العربية لا ترفًا في السياسة، ولا زينة في المجالس، ولا اجتماعًا عابرًا تطويه الأعذار، بل قام على بصيرة من أدركوا أن المصير واحد، وأن التاريخ شاهد، وأن الجغرافيا عهد، وأن الأخوّة إذا صدقت صارت أمنع من الريح وأثبت من الجدار.
وليس في اتساع الطريق ما يقطع حبل المصير، ولا في تنوّع الرأي ما ينقض عهد الأخوّة، ولا في صمت السياسة ما يُغري أصحاب الفتنة بالاستكبار. فالدول الراسخة لا تُدار بمنطق الانفعال، ولا تُقاس مواقفها بضجيج المنصات، ولا تُساق قراراتها خلف من لا يملك من الشجاعة إلا الاختباء خلف الأستار. قد تختلف الوسائل، وتتعدد زوايا النظر، غير أن الغاية الكبرى تبقى أمن الديار، وصون القرار، وحفظ الصف من عبث الصغار.
وحكماء دول المجلس أعلم بمصالح أوطانهم من حساب مجهول يتسوّل الأثر من خلف الجدار، وأقدر على إدارة التباين من صوت مأجور لا يعرف من السياسة إلا الإثارة ولا من القول إلا الإضرار. فإذا رأيت في السياسة صمتًا، فاعلم أن للصمت حكمة لا يبلغها الصغار، وإذا رأيت في الموقف تريّثًا، فاعلم أن للتريّث وزنًا لا تدركه الحسابات التي تعيش على النار.
وأما من خسر جميل الولاء لوطنه، واستبدل دفءَ الدار بوهم يباع في أسواق الشعار، واتبع من وعده بكذبة مفتاح الجنة، فصار وقودًا لفتنة وأداة لغيره وحطبًا في نار، فيقال له صريحة لا مواربة فيها ولا انكسار: خسئت، ثم خسئت، ثم خسئت؛ فما كان الوطن غنيمة للمتلوّنين، ولا مجلس التعاون لدول الخليج العربية ساحة لأوهام الصغار.
وسيبقى هذا البيت راسخ الأركان، محفوظ العهد، مرفوع المنار؛ لا تهدّه حسابات مفبركة، ولا تشقّه كلمات عمياء، ولا تنال منه ألسنة باعت أوطانها بثمن من الوهم والعار. فحكماؤه باقون، ونسلهم في الحكم ممتدّ، وولاء الشعوب لهم ثابت لا تبدّله ريح ولا تزعزعه أخبار. ومهما نفخ نافخو الكير، فلن يصح في آخر الأمر إلا الصحيح، وسيظل البيت الخليجي واحدًا في المصير، واحدًا في العهد، واحدًا في القرار.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك