العدد : ١٧٧٤٠ - الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٠ - الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

مقالات

بيت بناه الحكماء لا تهدمه ألسنة الجبناء

بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

ما‭ ‬أجبنَ‭ ‬الفتنةَ‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬لها‭ ‬وجهًا‭ ‬في‭ ‬النهار،‭ ‬فتلبس‭ ‬قناعًا‭ ‬وتستعير‭ ‬اسمًا‭ ‬من‭ ‬الزور‭ ‬والبهتان‭ ‬والإنكار‭. ‬وما‭ ‬أخسَّ‭ ‬الكلمة‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬يجرؤ‭ ‬صاحبها‭ ‬أن‭ ‬يضع‭ ‬تحتها‭ ‬اسمًا‭ ‬ولا‭ ‬مقامًا،‭ ‬فيدفعها‭ ‬إلى‭ ‬الناس‭ ‬عمياء‭ ‬خلف‭ ‬ستار‭. ‬ففي‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬خرج‭ ‬علينا‭ ‬قوم‭ ‬من‭ ‬عتمة‭ ‬الحسابات‭ ‬المفبركة،‭ ‬لا‭ ‬رأي‭ ‬لهم‭ ‬يُحاوَر،‭ ‬ولا‭ ‬حجة‭ ‬لديهم‭ ‬تُناظَر،‭ ‬ولا‭ ‬غيرة‭ ‬في‭ ‬قلوبهم‭ ‬تُصدَّق،‭ ‬وإنما‭ ‬كيرٌ‭ ‬يُنفخ،‭ ‬ودخانٌ‭ ‬يُطلق،‭ ‬وسُمٌّ‭ ‬يُقطَّر‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية،‭ ‬يريدون‭ ‬أن‭ ‬يجعلوا‭ ‬من‭ ‬سعة‭ ‬الطريق‭ ‬خصومة‭ ‬في‭ ‬المصير،‭ ‬ومن‭ ‬همس‭ ‬السياسة‭ ‬صخبًا‭ ‬في‭ ‬المجالس‭ ‬والديار‭.‬

وما‭ ‬درى‭ ‬هؤلاء‭ ‬أن‭ ‬البيت‭ ‬الذي‭ ‬شيّده‭ ‬الآباء‭ ‬المؤسسون‭ ‬الحكماء‭ ‬لا‭ ‬تهدمه‭ ‬أيدي‭ ‬الجبناء،‭ ‬ولا‭ ‬تنال‭ ‬منه‭ ‬ألسنة‭ ‬مأجورة‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬صدقًا‭ ‬ولا‭ ‬تملك‭ ‬قرارًا‭. ‬فقد‭ ‬قام‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬لا‭ ‬ترفًا‭ ‬في‭ ‬السياسة،‭ ‬ولا‭ ‬زينة‭ ‬في‭ ‬المجالس،‭ ‬ولا‭ ‬اجتماعًا‭ ‬عابرًا‭ ‬تطويه‭ ‬الأعذار،‭ ‬بل‭ ‬قام‭ ‬على‭ ‬بصيرة‭ ‬من‭ ‬أدركوا‭ ‬أن‭ ‬المصير‭ ‬واحد،‭ ‬وأن‭ ‬التاريخ‭ ‬شاهد،‭ ‬وأن‭ ‬الجغرافيا‭ ‬عهد،‭ ‬وأن‭ ‬الأخوّة‭ ‬إذا‭ ‬صدقت‭ ‬صارت‭ ‬أمنع‭ ‬من‭ ‬الريح‭ ‬وأثبت‭ ‬من‭ ‬الجدار‭.‬

وليس‭ ‬في‭ ‬اتساع‭ ‬الطريق‭ ‬ما‭ ‬يقطع‭ ‬حبل‭ ‬المصير،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬تنوّع‭ ‬الرأي‭ ‬ما‭ ‬ينقض‭ ‬عهد‭ ‬الأخوّة،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬صمت‭ ‬السياسة‭ ‬ما‭ ‬يُغري‭ ‬أصحاب‭ ‬الفتنة‭ ‬بالاستكبار‭. ‬فالدول‭ ‬الراسخة‭ ‬لا‭ ‬تُدار‭ ‬بمنطق‭ ‬الانفعال،‭ ‬ولا‭ ‬تُقاس‭ ‬مواقفها‭ ‬بضجيج‭ ‬المنصات،‭ ‬ولا‭ ‬تُساق‭ ‬قراراتها‭ ‬خلف‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬من‭ ‬الشجاعة‭ ‬إلا‭ ‬الاختباء‭ ‬خلف‭ ‬الأستار‭. ‬قد‭ ‬تختلف‭ ‬الوسائل،‭ ‬وتتعدد‭ ‬زوايا‭ ‬النظر،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الغاية‭ ‬الكبرى‭ ‬تبقى‭ ‬أمن‭ ‬الديار،‭ ‬وصون‭ ‬القرار،‭ ‬وحفظ‭ ‬الصف‭ ‬من‭ ‬عبث‭ ‬الصغار‭.‬

وحكماء‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬أعلم‭ ‬بمصالح‭ ‬أوطانهم‭ ‬من‭ ‬حساب‭ ‬مجهول‭ ‬يتسوّل‭ ‬الأثر‭ ‬من‭ ‬خلف‭ ‬الجدار،‭ ‬وأقدر‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬التباين‭ ‬من‭ ‬صوت‭ ‬مأجور‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬من‭ ‬السياسة‭ ‬إلا‭ ‬الإثارة‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬القول‭ ‬إلا‭ ‬الإضرار‭. ‬فإذا‭ ‬رأيت‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬صمتًا،‭ ‬فاعلم‭ ‬أن‭ ‬للصمت‭ ‬حكمة‭ ‬لا‭ ‬يبلغها‭ ‬الصغار،‭ ‬وإذا‭ ‬رأيت‭ ‬في‭ ‬الموقف‭ ‬تريّثًا،‭ ‬فاعلم‭ ‬أن‭ ‬للتريّث‭ ‬وزنًا‭ ‬لا‭ ‬تدركه‭ ‬الحسابات‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬على‭ ‬النار‭.‬

وأما‭ ‬من‭ ‬خسر‭ ‬جميل‭ ‬الولاء‭ ‬لوطنه،‭ ‬واستبدل‭ ‬دفءَ‭ ‬الدار‭ ‬بوهم‭ ‬يباع‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الشعار،‭ ‬واتبع‭ ‬من‭ ‬وعده‭ ‬بكذبة‭ ‬مفتاح‭ ‬الجنة،‭ ‬فصار‭ ‬وقودًا‭ ‬لفتنة‭ ‬وأداة‭ ‬لغيره‭ ‬وحطبًا‭ ‬في‭ ‬نار،‭ ‬فيقال‭ ‬له‭ ‬صريحة‭ ‬لا‭ ‬مواربة‭ ‬فيها‭ ‬ولا‭ ‬انكسار‭: ‬خسئت،‭ ‬ثم‭ ‬خسئت،‭ ‬ثم‭ ‬خسئت؛‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬الوطن‭ ‬غنيمة‭ ‬للمتلوّنين،‭ ‬ولا‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬ساحة‭ ‬لأوهام‭ ‬الصغار‭.‬

وسيبقى‭ ‬هذا‭ ‬البيت‭ ‬راسخ‭ ‬الأركان،‭ ‬محفوظ‭ ‬العهد،‭ ‬مرفوع‭ ‬المنار؛‭ ‬لا‭ ‬تهدّه‭ ‬حسابات‭ ‬مفبركة،‭ ‬ولا‭ ‬تشقّه‭ ‬كلمات‭ ‬عمياء،‭ ‬ولا‭ ‬تنال‭ ‬منه‭ ‬ألسنة‭ ‬باعت‭ ‬أوطانها‭ ‬بثمن‭ ‬من‭ ‬الوهم‭ ‬والعار‭. ‬فحكماؤه‭ ‬باقون،‭ ‬ونسلهم‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬ممتدّ،‭ ‬وولاء‭ ‬الشعوب‭ ‬لهم‭ ‬ثابت‭ ‬لا‭ ‬تبدّله‭ ‬ريح‭ ‬ولا‭ ‬تزعزعه‭ ‬أخبار‭. ‬ومهما‭ ‬نفخ‭ ‬نافخو‭ ‬الكير،‭ ‬فلن‭ ‬يصح‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬الأمر‭ ‬إلا‭ ‬الصحيح،‭ ‬وسيظل‭ ‬البيت‭ ‬الخليجي‭ ‬واحدًا‭ ‬في‭ ‬المصير،‭ ‬واحدًا‭ ‬في‭ ‬العهد،‭ ‬واحدًا‭ ‬في‭ ‬القرار‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا