العدد : ١٧٧٤٠ - الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٠ - الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

مقالات

قلوب لا تعرف الحب

بقلم: المحامية د. هنادي عيسى الجودر

الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

 

القراء‭ ‬الأعزاء،‭ ‬

كنا‭ ‬نسمع‭ ‬كثيراً‭ ‬بأن‭ (‬الحب‭ ‬أعمى‭) ‬في‭ ‬ازمنة‭ ‬كانت‭ ‬قصص‭ ‬الحب‭ ‬محورًا‭ ‬مهمًا‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬البشر‭ ‬وأساساً‭ ‬متيناً‭ ‬لتكوين‭ ‬الأسرة،‭ ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬تقول‭ ‬الاساطير‭  ‬الاغريقية‭ ‬إنه‭ ‬في‭ ‬قديم‭ ‬الزمان‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الأرض‭ ‬انسان،‭ ‬كانت‭ ‬المشاعر‭ ‬تطوف‭ ‬العالم‭ ‬وتشعر‭ ‬بالملل‭ ‬الشديد‭.‬

وذات‭ ‬يوم‭ ‬اقترح‭ ‬الإبداع‭ ‬لعبة‭ ‬واسماها‭ ‬الغميضة،‭ ‬وافق‭ ‬الجميع‭ ‬على‭ ‬الفكرة‭. ‬وأخذ‭ ‬الجنون‭ ‬زمام‭ ‬العدّ‭ ‬حيث‭ ‬اتكأ‭ ‬على‭ ‬جذع‭ ‬شجرة‭ ‬وبدأ‭ ‬بالعد،‭ ‬وبدأت‭ ‬جميع‭ ‬المشاعر‭ ‬بالاختباء،‭ ‬ذهبت‭ ‬الرقة‭ ‬إلى‭ ‬سطح‭ ‬القمر،‭ ‬والكذب‭ ‬صاح‭ ‬بصوت‭ ‬عال‭ ‬انا‭ ‬سأختبئ‭ ‬وراء‭ ‬الصخرة‭ ‬وذهب‭ ‬واختبأ‭ ‬في‭ ‬قاع‭ ‬البحيرة‭.‬

وصل‭ ‬الجنون‭ ‬بتعداده‭ ‬إلى‭ ‬الستين‭ ‬كانت‭ ‬جميع‭ ‬المشاعر‭ ‬قد‭ ‬اتمت‭ ‬اختباءها،‭ ‬ما‭ ‬عدا‭ ‬الحب‭ ‬فالحب‭ ‬لا‭ ‬يسهُل‭ ‬اخفاؤه،‭ ‬لذا‭ ‬عندما‭ ‬وصل‭ ‬الجنون‭ ‬بتعداده‭ ‬إلى‭ ‬التسعين‭ ‬قفز‭ ‬الحب‭ ‬في‭ ‬شجرة‭ ‬ورد‭ ‬صغيره‭. ‬

انتهى‭ ‬الجنون‭ ‬من‭ ‬العد،‭ ‬وبدأ‭ ‬بالبحث‭ ‬فوجد‭ ‬كل‭ ‬المشاعر‭ ‬ما‭ ‬عدا‭ ‬الحب،‭ ‬وكاد‭ ‬الجنون‭ ‬يصاب‭ ‬باليأس‭ ‬والإحباط‭ ‬في‭ ‬بحثه‭ ‬عن‭ ‬الحب،‭ ‬فانزعج‭ ‬الحسد‭ ‬من‭ ‬الحب‭ ‬وهمس‭ ‬في‭ ‬أذن‭ ‬الجنون‭ ‬بمكان‭ ‬اختباء‭ ‬الحب،‭ ‬فأحضر‭ ‬الجنون‭ ‬عصا‭ ‬خشبية‭ ‬أشبه‭ ‬بالرمح،‭ ‬وبدأ‭ ‬بطعن‭ ‬شجرة‭ ‬الورد‭ ‬بشكل‭ ‬طائش،‭ ‬ولم‭ ‬يتوقف‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬سمع‭ ‬صوت‭ ‬بكاء‭ ‬يمزق‭ ‬القلوب،‭ ‬فظهر‭ ‬الحب‭ ‬وهو‭ ‬يحجب‭ ‬عينيه‭ ‬بيديه‭ ‬والدم‭ ‬يقطر‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أصابعه،‭ ‬فصاح‭ ‬الجنون‭ ‬يا‭ ‬إلهي‭ ‬ماذا‭ ‬فعلت،‭ ‬كيف‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أصلح‭ ‬غلطتي؟،‭ ‬فقال‭ ‬له‭ ‬الحب‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬تأخذ‭ ‬بيدي‭ ‬وتكون‭ ‬أنت‭ ‬دليلي،‭ ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬أصبح‭ ‬الحب‭ ‬أعمى‭ ‬يقوده‭ ‬الجنون‭.‬

ولا‭ ‬اخفيكم‭ ‬أعزاءي‭ ‬بأن‭ ‬المقدمة‭ ‬تلك‭ ‬كانت‭ ‬للترفيه‭ ‬ولا‭ ‬يربطها‭ ‬بموضوع‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬سوى‭ ‬الحب‭ ‬نفسه،‭ ‬وأهميته‭ ‬باعتباره‭ ‬شعورا‭ ‬انسانيا‭ ‬ساميا،‭ ‬يحفظ‭ ‬العلاقات‭ ‬المختلفة‭ ‬ويزيدها‭ ‬جمالاً‭ ‬ووهجاً،‭ ‬ولاسيما‭ ‬العلاقة‭ ‬الزوجية،‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬أسمى‭ ‬العلاقات‭ ‬الانسانية‭ ‬واهمها‭ ‬باعتبارها‭ ‬أساساً‭ ‬استمرار‭ ‬النوع‭ ‬البشري‭. ‬

في‭ ‬حين‭ ‬وجدت‭ ‬بأنه‭ ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬موجوداً‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬يختفي‭ ‬في‭ ‬اكثر‭ ‬قضايا‭ ‬الطلاق‭ ‬وما‭ ‬بعده‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحالي،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تاريخ‭ ‬الاولين‭ ‬قد‭ ‬زخر‭ ‬بقصص‭ ‬الحب‭ ‬الشمولي‭ ‬التي‭ ‬حفظت‭ ‬كيان‭ ‬الاسرة‭ ‬وحقوق‭ ‬أفرادها‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬العلاقة‭ ‬الزوجية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬انفصامها،‭ ‬ومقارنة‭ ‬بالماضي‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تُحفظ‭ ‬فيه‭ ‬حقوق‭ ‬الزوجة‭ ‬والابناء‭ ‬حُبّاً‭ ‬وكرامة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الزوج‭ ‬ووالديه،‭ ‬فالحاضر‭ ‬يشهد‭ ‬بأن‭ ‬الخلاف‭ ‬بين‭ ‬الزوجين‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬يُرتب‭ ‬اضراراً‭ ‬للأسرة‭ ‬وضياعاً‭ ‬لحقوق‭ ‬أفرادها،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬يُكلل‭ ‬بسعي‭ ‬احد‭ ‬اطراف‭ ‬العلاقة‭ ‬جاهداً‭ ‬للإضرار‭ ‬بالآخر،‭ ‬وكأن‭ ‬الله‭ ‬لم‭ ‬يقل‭ (‬واذكروا‭ ‬الفضل‭ ‬بينكم‭)! ‬وكأن‭ ‬حياتهم‭ ‬الزوجية‭ ‬لم‭ ‬تشهد‭ ‬لحظات‭ ‬جميلة‭ ‬وسعيدة‭ ‬أبداً‭! ‬بل‭ ‬والأسوأ‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬الحاق‭ ‬الضرر‭ ‬عن‭ ‬قصد‭ ‬بالأبناء،‭ ‬وكأنهم‭ ‬ليسوا‭ ‬من‭ ‬صلب‭ ‬ودم‭ ‬والدهم‭ ‬أو‭ ‬والدتهم‭. ‬

ربما‭ ‬يلعب‭ ‬اختلاف‭ ‬الزمان‭ ‬دوراً‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬حيث‭ ‬طغت‭ ‬المصلحة‭ ‬الشخصية‭ ‬والاطماع‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬المختلفة‭ ‬ومنها‭ ‬الزوجية،‭ ‬فتقدم‭ ‬ترتيب‭ ‬المصالح‭ ‬والرغبات‭ ‬وتأخرت‭ ‬مرتبة‭ ‬الحب‭ ‬ومكانته‭ ‬وأثره‭ ‬على‭ ‬سلوك‭ ‬الازواج‭. ‬

لذا‭ ‬ففي‭ ‬رأيي‭ ‬بأن‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أسباب‭ ‬نكران‭ ‬الفضل‭ ‬والاساءة‭ ‬بين‭ ‬الزوجين‭ ‬ولاسيما‭ ‬الازواج‭ ‬الذين‭ ‬يعتبرون‭ ‬انهاء‭ ‬العلاقة‭ ‬الزوجية‭ ‬اعلاناً‭ ‬لحرب‭ ‬كفيلة‭ ‬بأن‭ ‬تسحق‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الزوجة‭ ‬والابناء،‭ ‬هو‭ ‬غياب‭ ‬الحب‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تعرفه‭ ‬قلوب‭ ‬البعض،‭ ‬لان‭ ‬ذرة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬الحب‭ ‬كافية‭ ‬لإنهاء‭ ‬النزاع‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬أقل‭ ‬تقدير‭ ‬في‭ ‬تخفيف‭ ‬آثاره‭ ‬واضراره‭.‬

وارى‭ ‬ضرورة‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬سمو‭ ‬الانسانية‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬الزوجية‭ ‬ومنح‭ ‬الحب‭ ‬فرصة‭ ‬ليكون‭ ‬قاضياً‭ ‬من‭ ‬ضمائر‭ ‬الزوجين‭ ‬وقت‭ ‬نزاعهم‭ ‬لضمان‭ ‬الحقوق‭ ‬وعدم‭ ‬بخسها‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا