حين نحمل هاتفاً ذكياً أو نفتح حاسوباً محمولاً، نادراً ما نفكر في الرحلة الدقيقة التي قطعتها الرقاقة الإلكترونية بداخله قبل أن تصل إلى أيدينا. في قلب هذه الرحلة تقف تقنية قلّما يُسلَّط عليها الضوء إعلامياً، رغم أنها من أكثر الأدوات أهمية في الصناعة التكنولوجية المعاصرة: البلازما، الحالة الرابعة للمادة، التي تتشكل حين يُعرَّض غاز لحرارة هائلة أو لمجال كهربائي قوي فتتفكك ذراته إلى إلكترونات وأيونات حرة. هذه الحالة النشطة كهربائياً، والتي تشكّل أكثر من 99 بالمئة من المادة المرئية في الكون، يمكن توليد نسخ باردة ومتحكَّم بها منها في المختبرات والمصانع، وتوظيف خصائصها الفريدة في مجموعة واسعة وغير متوقعة من الصناعات.
صناعة الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات
يُعد هذا المجال الاستخدام الأكثر أهمية اقتصادياً للبلازما اليوم. تُستخدم البلازما لحفر أنماط دوائر دقيقة للغاية على رقائق السيليكون بدقة تصل إلى مستوى النانومتر، ولترسيب الأغشية المعدنية والعازلة فائقة الرقة التي تتكوّن منها المعالجات الحديثة. تعتمد تقنيات مثل القذف الممغنط (Magnetron Sputtering) والترسيب الفيزيائي بالبخار المؤيَّن (Ionized Physical Vapor Deposition) على البلازما للتحكم الدقيق في كيفية انتزاع الذرات من مادة مصدر وتوجيهها نحو سطح آخر، بدرجة من الدقة لا تضاهيها طرق التسخين أو المعالجة الكيميائية التقليدية.
الطلاءات الصناعية والمواد المتقدمة
تُستخدم معالجة البلازما لتعديل خصائص سطح البلاستيك والمنسوجات والمعادن، فتجعلها أكثر قابلية للطباعة أو اللصق أو الدهان، وأكثر مقاومة للتآكل والاحتكاك، أو طاردة للماء. كثير من الطلاءات المتينة التي نراها في الأدوات الصناعية وأغلفة التعبئة وحتى الملابس الرياضية مدينة بأدائها لمرورها السريع داخل غرفة بلازما أثناء التصنيع، إضافة إلى استخدامها في إنتاج طلاءات صلبة واقية للأدوات القاطعة ومكونات الطائرات.
الطاقة الشمسية والتطبيقات البيئية
تلعب البلازما دوراً في تحسين كفاءة الخلايا الشمسية من خلال معالجات سطحية دقيقة تزيد من قدرتها على امتصاص الضوء وتحويله إلى طاقة. كما تُستخدم على نطاق صناعي لمعالجة الانبعاثات الغازية، إذ تفكك الملوثات قبل إطلاقها في الغلاف الجوي، وهي من الأدوات التي يراهن عليها العلماء في مشاريع الاندماج النووي، حيث تُسخَّن نظائر الهيدروجين إلى حالة بلازما فائقة الحرارة لتوليد طاقة نظيفة تحاكي العملية التي تشغّل الشمس.
الفضاء والدفع الكهربائي
باتت محركات البلازما، التي تسرّع غازاً مؤيَّناً باستخدام مجالات كهربائية أو مغناطيسية بدلاً من الاحتراق الكيميائي، معدّات قياسية في كثير من الأقمار الصناعية الحديثة. ورغم أنها تنتج دفعاً أقل بكثير من محرك الصواريخ التقليدي، فإنها تحافظ على كفاءتها لفترات طويلة، ما يجعلها مثالية للحفاظ على موقع القمر الصناعي في مداره أو لدفع مسبارات الفضاء السحيق في رحلات طويلة باستهلاك أقل بكثير من الوقود.
لماذا يتزايد الاهتمام بها؟
ما يجمع بين كل هذه التطبيقات هو ميزة واحدة مشتركة: تمنح البلازما مستوى من التحكم في الذرات والأيونات والأسطح لا تضاهيه أدوات أخرى، سواء كان الهدف بناء معالج بسماكة بضع ذرات، أو تحسين متانة أداة صناعية، أو دفع قمر صناعي. ومع استمرار الصناعات في المطالبة بتقنيات أصغر حجماً وأنظف وأكثر كفاءة، يُتوقع أن تصبح تقنيات البلازما أكثر مركزية في طريقة تصنيع الأشياء من حولنا.
نحو مصادر بلازما أكثر كفاءة: بحث بحريني في صميم هذا التوجه
في هذا السياق، أجرى الكاتب بنفسه دراسة حديثة في قسم الفيزياء بجامعة البحرين تناولت أحد أكثر التحديات إلحاحاً أمام الصناعة النظيفة: كيف تُولَّد البلازما بأقل استهلاك ممكن للطاقة؟ قارنت الدراسة ثلاثة تصاميم مختلفة لهوائيات توليد البلازما الحثّية (مصدر لولبي، ومصدر حلزوني مسطّح، وتصميم مدمج يجمع بين الاثنين) داخل منظومة بلازما أرجون منخفضة الضغط تعمل بترددات الراديو، وقِيس أداء كل تصميم من خلال كثافة البلازما وانتظامها واستقرار الجهد الكهربائي عند المستوى نفسه من القدرة المطبقة.
أظهرت النتائج أن الهوائي المدمج تفوّق بوضوح على التصميمين الآخرين، إذ حقق أعلى كثافة بلازما، وأفضل انتظام في توزيعها، وأوسع نطاق تشغيلي عالي الكثافة، إلى جانب كبح ملحوظ لتذبذبات الجهد الكهربائي عند الكثافات المرتفعة. بعبارة أخرى، يمكن لهذا التصميم إنتاج بلازما أكثر كثافة وثباتاً باستخدام القدرة الكهربائية نفسها، وهو ما يعني عملياً خفض استهلاك الطاقة في عمليات التصنيع التي تعتمد على البلازما، وتقليل التآكل في الأقطاب وغرف المعالجة، وإطالة عمر المعدات الصناعية. ولدعم تفسير النتائج، طوّر الباحث نموذجاً عددياً ثلاثي الأبعاد للمجال المغناطيسي الفراغي الناتج عن كل هوائي، ليكون مرجعاً يمكن البناء عليه في أبحاث مستقبلية حول مصادر بلازما أكثر كفاءة واستدامة، بما يخدم أهداف التصنيع الأخضر وتقليل البصمة البيئية للصناعات المعتمدة على البلازما.
قسم الفيزياء - جامعة البحرين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك