العدد : ١٧٧٢٩ - الأربعاء ٠٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢٩ - الأربعاء ٠٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

مقالات

فريق عائلة البحرين في سيبانغ… عزفوا فأبدعوا.. وأنجزوا فأدهشوا

بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

الثلاثاء ٠٦ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

حين‭ ‬وقفتُ‭ ‬في‭ ‬حلبة‭ ‬سيبانغ‭ ‬الدولية،‭ ‬لم‭ ‬أرَ‭ ‬سباقًا‭ ‬يُنقل‭ ‬من‭ ‬أرضٍ‭ ‬إلى‭ ‬أرض،‭ ‬ولا‭ ‬فعاليةً‭ ‬رياضيةً‭ ‬تُدار‭ ‬بحساب‭ ‬الوقت‭ ‬وعدّ‭ ‬السيارات؛‭ ‬بل‭ ‬رأيتُ‭ ‬البحرينَ‭ ‬تمشي‭ ‬باسمها،‭ ‬وتتكلمُ‭ ‬بأبنائها،‭ ‬وتُشرقُ‭ ‬برايتها،‭ ‬وتُعرّف‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬وطنٍ‭ ‬عظيمٍ‭ ‬في‭ ‬همّته،‭ ‬راسخٍ‭ ‬في‭ ‬عزيمته،‭ ‬شامخٍ‭ ‬بإنجازه،‭ ‬حاضرٍ‭ ‬في‭ ‬أثره،‭ ‬ناصعٍ‭ ‬في‭ ‬صورته‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬فريقُ‭ ‬البحرين‭ ‬هناك‭ ‬وحده،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الجهدُ‭ ‬جهدَ‭ ‬أفرادٍ‭ ‬تفرّقهم‭ ‬المواقع‭ ‬وتجمعهم‭ ‬المهمة؛‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬عائلةُ‭ ‬البحرين‭ ‬حاضرةً‭ ‬بروحها‭ ‬ووفائها،‭ ‬متعاضدةً‭ ‬متآزرة،‭ ‬مبدعةً‭ ‬مخلصة،‭ ‬تحمل‭ ‬همّ‭ ‬الوطن‭ ‬في‭ ‬صدرها،‭ ‬وصورته‭ ‬في‭ ‬عملها،‭ ‬ورايته‭ ‬في‭ ‬ضميرها؛‭ ‬لا‭ ‬تطلب‭ ‬تصفيقًا،‭ ‬ولا‭ ‬تنتظر‭ ‬مديحًا،‭ ‬بل‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬للعالم‭: ‬هذه‭ ‬البحرين‭ ‬إذا‭ ‬حضرت‭ ‬أبهرت،‭ ‬وإذا‭ ‬وعدت‭ ‬أنجزت،‭ ‬وإذا‭ ‬أقبلت‭ ‬سبقت‭.‬

كانت‭ ‬سيبانغ‭ ‬في‭ ‬ظاهرها‭ ‬حلبةً‭ ‬للسرعة،‭ ‬وفي‭ ‬حقيقتها‭ ‬ساحةً‭ ‬للمعنى‭ ‬البحريني‭ ‬حين‭ ‬ينهض‭ ‬ويتجلّى؛‭ ‬هديرُ‭ ‬المحركات‭ ‬يملأ‭ ‬المكان،‭ ‬وأهازيجُ‭ ‬اليامال‭ ‬تردّ‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬عمق‭ ‬الوجدان،‭ ‬فإذا‭ ‬العصرُ‭ ‬الحديث‭ ‬يلتقي‭ ‬ذاكرةَ‭ ‬البحر،‭ ‬وإذا‭ ‬التقنيةُ‭ ‬تصافح‭ ‬التراث،‭ ‬وإذا‭ ‬البحرين‭ ‬تعزف‭ ‬هناك‭ ‬لحنها‭ ‬الخالد‭: ‬نخوةً‭ ‬لا‭ ‬تخبو،‭ ‬ووفاءً‭ ‬لا‭ ‬ينثني،‭ ‬وإبداعًا‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬عند‭ ‬حدّ،‭ ‬ولا‭ ‬يرضى‭ ‬بغير‭ ‬القمّة‭ ‬موعدًا‭ ‬ووعدًا‭.‬

وكان‭ ‬أبلغُ‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬الإنجاز‭ ‬لم‭ ‬يولد‭ ‬من‭ ‬سعة‭ ‬الوقت،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬ترف‭ ‬الاستعداد‭ ‬الطويل؛‭ ‬بل‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬التحدّي،‭ ‬في‭ ‬أقلّ‭ ‬من‭ ‬ثمانية‭ ‬أسابيع،‭ ‬منذ‭ ‬صدر‭ ‬قرار‭ ‬إقامة‭ ‬السباق‭ ‬حتى‭ ‬انطلقت‭ ‬السيارات‭ ‬حول‭ ‬الحلبة‭. ‬وهنا‭ ‬تُعرف‭ ‬الهمم،‭ ‬وتُوزن‭ ‬العزائم؛‭ ‬فهناك‭ ‬من‭ ‬يتّسع‭ ‬له‭ ‬الزمن‭ ‬فيضيّعه،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يضيق‭ ‬عليه‭ ‬الزمن‭ ‬فيوسّعه،‭ ‬ويصنع‭ ‬من‭ ‬أيامٍ‭ ‬معدودةٍ‭ ‬أثرًا‭ ‬مشهودًا،‭ ‬ومن‭ ‬موعدٍ‭ ‬قريبٍ‭ ‬مجدًا‭ ‬بعيدَ‭ ‬الصدى‭.‬

وكان‭ ‬هذا‭ ‬المنجز‭ ‬امتدادًا‭ ‬لما‭ ‬أرساه‭ ‬سيدي‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬من‭ ‬نهجٍ‭ ‬جعل‭ ‬البحرين‭ ‬وطنَ‭ ‬فعلٍ‭ ‬لا‭ ‬قول،‭ ‬وإنجازٍ‭ ‬لا‭ ‬ادّعاء،‭ ‬وحضورٍ‭ ‬لا‭ ‬يغيب‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الامتداد‭ ‬جاء‭ ‬حضورُ‭ ‬سيدي‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬حفظه‭ ‬الله،‭ ‬حضورَ‭ ‬القائد‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬الإنجاز‭ ‬صورةَ‭ ‬الوطن،‭ ‬وفي‭ ‬التحدي‭ ‬بابًا‭ ‬للعمل،‭ ‬وفي‭ ‬أبناء‭ ‬البحرين‭ ‬رهانًا‭ ‬لا‭ ‬يخيب‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬حضوره‭ ‬رعايةً‭ ‬عابرةً‭ ‬لحدثٍ‭ ‬رياضي،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬امتدادًا‭ ‬لرؤيةٍ‭ ‬تؤمن‭ ‬بأن‭ ‬الخبرة‭ ‬الوطنية‭ ‬إذا‭ ‬صُقلت‭ ‬بالثقة،‭ ‬وأُسنِدت‭ ‬بالمسؤولية،‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬حدود‭ ‬المكان‭ ‬إلى‭ ‬آفاقٍ‭ ‬أوسع،‭ ‬تحمل‭ ‬اسم‭ ‬البحرين‭ ‬حيثما‭ ‬حلّت،‭ ‬وتُثبت‭ ‬أن‭ ‬الصخير‭ ‬ليست‭ ‬حلبةً‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬مدرسةُ‭ ‬عزيمةٍ‭ ‬وإتقانٍ‭ ‬وسبق‭.‬

رأيتُ‭ ‬هناك‭ ‬المنظّمَ،‭ ‬والمارشال،‭ ‬والإعلامي،‭ ‬والفني،‭ ‬ورجلَ‭ ‬الضيافة،‭ ‬وكلَّ‭ ‬يدٍ‭ ‬بحرينيةٍ‭ ‬تعمل‭ ‬كأنها‭ ‬تعزف‭ ‬نغمةً‭ ‬في‭ ‬لحنٍ‭ ‬واحد؛‭ ‬لا‭ ‬يتزاحمون‭ ‬على‭ ‬الظهور،‭ ‬ولا‭ ‬يتسابقون‭ ‬إلى‭ ‬الصورة،‭ ‬بل‭ ‬يتسابقون‭ ‬إلى‭ ‬الإتقان،‭ ‬ويجتمعون‭ ‬على‭ ‬الإحسان‭. ‬كان‭ ‬كلٌّ‭ ‬منهم‭ ‬يعرف‭ ‬موضعه‭ ‬في‭ ‬المشهد،‭ ‬ويؤدي‭ ‬واجبه‭ ‬كأنه‭ ‬عهدٌ‭ ‬في‭ ‬العنق،‭ ‬ورايةٌ‭ ‬في‭ ‬القلب،‭ ‬ورسالةٌ‭ ‬لا‭ ‬تكتمل‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬اكتملت‭ ‬صورة‭ ‬البحرين‭ ‬بهاءً‭ ‬ونقاءً‭ ‬وصدقًا‭.‬

وعندما‭ ‬عبرت‭ ‬السيارات‭ ‬خطَّ‭ ‬النهاية،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الذي‭ ‬اكتمل‭ ‬سباقًا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬اكتملت‭ ‬معه‭ ‬شهادةٌ‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬البحرين؛‭ ‬شهادةٌ‭ ‬تقول‭: ‬إن‭ ‬الأوطان‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بما‭ ‬يُقال‭ ‬عنها،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬تُنجزه،‭ ‬ولا‭ ‬تُعرف‭ ‬بما‭ ‬ترفعه‭ ‬من‭ ‬شعارات،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬تتركه‭ ‬من‭ ‬آثار‭. ‬وفي‭ ‬سيبانغ‭ ‬تركت‭ ‬البحرين‭ ‬أثرها‭ ‬واضحًا،‭ ‬وصوتها‭ ‬عاليًا،‭ ‬ورايتها‭ ‬حاضرةً،‭ ‬كأنها‭ ‬تقول‭ ‬للعالم‭: ‬من‭ ‬حمل‭ ‬وطنه‭ ‬في‭ ‬قلبه،‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يرفعه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أرض،‭ ‬وتحت‭ ‬كل‭ ‬سماء‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا