مع إشراف العام على الانتهاء، تبدأ أشهر التوعية بأهم الأمراض؛ فمن نهاية سبتمبر ونحن نحثّ الخطى للتوعية بأمراض القلب التي تُعد السبب الأول للوفاة عالميًا، ومع بداية أكتوبر تتضافر جهودنا جميعًا لـ«التوعية الوردية» ضد سرطان الثدي الذي يتسلل إلى النساء، لنصل إلى نوفمبر بحملات التوعوية بسرطان البروستاتا الذي يهدد صحة الرجال.
لقد أصبحت التوعية مسؤولية مشتركة تجمع بين الأطباء والمنشآت الصحية من جهة، والبيئات المجتمعية الصغيرة كالشركات والمدارس من جهة أخرى؛ فالجميع يخشى على نفسه وعلى ذويه، ويسارع إلى الفحص المبكر.
ومما لا شك فيه أن حملات التوعية هذه قد أثمرت بالفعل؛ إذ كان للفحص الدوري والكشف المبكر دورٌ عظيم في زيادة معدلات اكتشاف الحالات في مراحلها الأولى، مما دفع ببدء العلاج مبكرا ورفع نسب الشفاء بشكل ملحوظ.
لكنّ الظاهرة التي استدعت اهتمام الأطباء ودعتهم إلى قرع ناقوس الخطر في أحاديثهم معي، هي أن مرض السرطان (لدى الرجال والنساء) لم يعد محصورًا في كبار السن؛ بل بات يهاجم فئاتٍ عمرية أصغر سناً، حتى أصبحت نسبة الإصابة بالأورام بين الشباب لافتة في ظاهرة لا تزال أسبابها غير معروفة، وإن يُرجعها الأطباء إلى نمط الحياة غير الصحي وعوامل أخرى مجتمعة.
وقد يتبادر إلى أذهاننا أن أجساد الأجيال الجديدة تتقدم في العمر أسرع مما كانت عليه الأجيال السابقة. وقد نشرت دراسة مؤخرًا في دورية «نيتشر ميديسن» إلى أن الأشخاص الذين ولدوا في العقود الأخيرة قد يُظهرون علامات على تقدم بيولوجي أسرع في العمر مقارنةً بالأجيال السابقة.
ويُقصد بـ «العمر البيولوجي» حجم التغيرات التي تحدث داخل الجسم على المستوى الخلوي والجزيئي، وهو مفهوم يختلف عن «العمر الزمني» الذي يُحسب بعدد السنوات. وأظهرت النتائج أن مواليد تسعينيات القرن الماضي كانوا أكثر تقدمًا في العمر البيولوجي مقارنةً بمواليد الستينيات. قد تقدم هذه النتائج مفتاحَ فهم للارتفاع الملحوظ في تشخيص بعض أنواع السرطان بين الأشخاص دون سن الخمسين.
فمع التقدم في السن، تتراكم داخل الخلايا أضرار تؤثر في كفاءة الأنسجة والأعضاء؛ ونظرًا لأن التقدم في العمر يُعد من أبرز عوامل خطر الإصابة بالسرطان، يدرس العلماء حاليًا ما إذا كان تسارع الشيخوخة البيولوجية يُفسر ظهور الأورام في سن مبكرة.
غير أن الأمر أكثر تعقيدًا؛ فالإصابة لا تعتمد على عامل منفرد، بل هي محصلة مجموعة أسباب مجتمعة، مثل تسارع العمر البيولوجي، ونمط الحياة غير الصحي كالغذاء غير المتوازن، والتدخين، والتلوث، وخمول النشاط البدني.
لذا فإن ارتفاع معدلات السرطان بين الشباب يقتضي دراسة التفاعل المتبادل بين العوامل الوراثية والبيئية.
ويبقى دورنا الأساسي الذي نسعى إليه سنويًا هو التوعية ونقل أحدث المستجدات في التشخيص والعلاج.
نحن الآن واقفون على أعتاب مرحلة نلمس فيها ثمار الجهود؛ فالجميع بفضل الله بات لديه وعي وافٍ ضد مختلف أنواع السرطان وليس الثدي والبروستاتا فحسب. غير أننا نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى تضافر الجهود وإلى مشاركة كل من يملك معلومة طبية موثوقة عبر المنابر المسموعة والموثوقة لتعم الفائدة.
على مدار الاسابيع القادمة، نلتقي نخبة من الأطباء، لنعمل يدا بيد للارتقاء بوعي مجتمعنا، وبناء أجيال أكثر صحة وعافية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك