العدد : ١٧٧٢٦ - الأحد ٠٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢٦ - الأحد ٠٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

مقالات

جاهزية الدولة ومسؤولية الخطاب

كوالالمبور- ماليزيا: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

الأحد ٠٤ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬اللحظات‭ ‬التي‭ ‬تمرّ‭ ‬بها‭ ‬الدول‭ ‬بامتحاناتٍ‭ ‬دقيقة،‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬الاجتماعات‭ ‬الوطنية‭ ‬الكبرى‭ ‬مجرّد‭ ‬استعراضٍ‭ ‬لما‭ ‬أُنجز،‭ ‬ولا‭ ‬بيانًا‭ ‬لما‭ ‬اتُّخذ‭ ‬من‭ ‬إجراءات،‭ ‬بل‭ ‬تصبح‭ ‬في‭ ‬عمقها‭ ‬مناسبةً‭ ‬لإعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬الأولويات،‭ ‬وضبط‭ ‬إيقاع‭ ‬المرحلة،‭ ‬وقراءة‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬الحدث‭ ‬من‭ ‬دلالات‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الاجتماع‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬السلطتين‭ ‬التنفيذية‭ ‬والتشريعية‭ ‬بشأن‭ ‬الجاهزية‭ ‬الوطنية،‭ ‬بوصفه‭ ‬محطةً‭ ‬جامعةً‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬أثبتته‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الظرف‭ ‬الطارئ،‭ ‬وما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يستقر‭ ‬عليه‭ ‬الخطاب‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭.‬

وقد‭ ‬جاءت‭ ‬كلمة‭ ‬سيدي‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬ميزانًا‭ ‬للقول‭ ‬حين‭ ‬يشتبه‭ ‬المسار،‭ ‬وبوصلةً‭ ‬للرأي‭ ‬حين‭ ‬تتزاحم‭ ‬الآراء‭ ‬وتعلو‭ ‬الأصوات‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬الحوار؛‭ ‬فقد‭ ‬أكدت‭ ‬أن‭ ‬صون‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وحفظ‭ ‬أمن‭ ‬الوطن‭ ‬واستقراره‭ ‬ومقدراته،‭ ‬أصلٌ‭ ‬لا‭ ‬يُزاح‭ ‬عنه،‭ ‬وركنٌ‭ ‬لا‭ ‬يُدار‭ ‬حوله،‭ ‬وحدٌّ‭ ‬تنتهي‭ ‬إليه‭ ‬الآراء‭ ‬المخلصة‭ ‬مهما‭ ‬اتسعت‭ ‬دوائر‭ ‬النظر‭ ‬والاعتبار‭.‬

لقد‭ ‬مرّت‭ ‬البحرين‭ ‬بظرفٍ‭ ‬إقليميٍّ‭ ‬بالغ‭ ‬الدقة‭ ‬والاختبار،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬خبرًا‭ ‬عابرًا‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الأخبار،‭ ‬ولا‭ ‬حدثًا‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬دوائر‭ ‬القرار،‭ ‬بل‭ ‬امتحانًا‭ ‬حاضرًا‭ ‬للأمن‭ ‬والاستقرار،‭ ‬وكشفًا‭ ‬لصلابة‭ ‬المؤسسات‭ ‬حين‭ ‬تشتد‭ ‬الأخطار‭. ‬ومع‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬الآثمة،‭ ‬بدت‭ ‬الدولة‭ ‬ثابتةً‭ ‬لا‭ ‬تضطرب،‭ ‬حاضرةً‭ ‬لا‭ ‬تنتظر،‭ ‬واثقةً‭ ‬لا‭ ‬تنكسر؛‭ ‬دفاعٌ‭ ‬يذود،‭ ‬وأمنٌ‭ ‬يسهر،‭ ‬وخدماتٌ‭ ‬تستمر،‭ ‬وقرارٌ‭ ‬يتزن،‭ ‬وصفٌّ‭ ‬وطنيٌّ‭ ‬يلتئم‭ ‬حول‭ ‬راية‭ ‬الوطن،‭ ‬بقيادة‭ ‬سيدي‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬جاءت‭ ‬زيارات‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء،‭ ‬حفظه‭ ‬الله،‭ ‬لمواقع‭ ‬العمل‭ ‬والإنتاج‭ ‬والبيان؛‭ ‬لألبا‭ ‬حيث‭ ‬استمر‭ ‬الإنتاج،‭ ‬ولبابكو‭ ‬حيث‭ ‬ثبتت‭ ‬منظومة‭ ‬الطاقة‭ ‬واستمرت‭ ‬الإمدادات،‭ ‬ولوزارة‭ ‬الإعلام‭ ‬ومركز‭ ‬الاتصال‭ ‬الوطني‭ ‬ولقاؤه‭ ‬برؤساء‭ ‬الصحف‭ ‬المحلية‭ ‬حيث‭ ‬أدّت‭ ‬الكوادر‭ ‬الإعلامية‭ ‬والصحافة‭ ‬المحلية‭ ‬واجبها‭ ‬بكفاءةٍ‭ ‬ومسؤوليةٍ‭ ‬واقتدار‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬الزيارات‭ ‬مجرد‭ ‬متابعةٍ‭ ‬ميدانية،‭ ‬بل‭ ‬تقديرًا‭ ‬قياديًا‭ ‬لوقفة‭ ‬المواطنين‭ ‬وصمودهم،‭ ‬وتأكيدًا‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬ساعة‭ ‬الاختبار‭ ‬تقوم‭ ‬بسواعد‭ ‬أبنائها‭ ‬جميعًا،‭ ‬كلٌّ‭ ‬في‭ ‬موضعه،‭ ‬وكلٌّ‭ ‬على‭ ‬ثغره،‭ ‬وكلٌّ‭ ‬في‭ ‬مقام‭ ‬الوفاء‭ ‬والاعتبار‭.‬

وقد‭ ‬أعاد‭ ‬معالي‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬الجاهزية‭ ‬الوطنية‭ ‬إلى‭ ‬أصلها‭ ‬الأبعد،‭ ‬وردّها‭ ‬إلى‭ ‬مسارها‭ ‬الأكبر،‭ ‬حين‭ ‬بيّن‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬وليدة‭ ‬ظرفٍ‭ ‬طارئ،‭ ‬بل‭ ‬ثمرة‭ ‬المشروع‭ ‬الإصلاحي‭ ‬الشامل‭ ‬لمقام‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم؛‭ ‬مشروعٌ‭ ‬أقام‭ ‬التعاون‭ ‬بين‭ ‬السلطتين،‭ ‬وشدّ‭ ‬بنيان‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وجعل‭ ‬أمن‭ ‬المواطن‭ ‬وسلامته‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬القرار‭ ‬ومدار‭ ‬الاعتبار‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الاختبار،‭ ‬أشار‭ ‬معاليه‭ ‬إلى‭ ‬محاولات‭ ‬نظام‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬ووكلائه‭ ‬الموالين‭ ‬لإيران‭ ‬للهيمنة‭ ‬على‭ ‬الشارع‭ ‬الشيعي‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬يقظة‭ ‬الدولة،‭ ‬وصدق‭ ‬أبناء‭ ‬البحرين‭ ‬بكل‭ ‬مذاهبهم‭ ‬وطوائفهم‭ ‬في‭ ‬الانتماء‭ ‬لأرضهم‭ ‬ودارهم،‭ ‬أفشلا‭ ‬ذلك‭ ‬الرهان‭ ‬وأسقطا‭ ‬وهم‭ ‬الاختراق‭.‬

وجاء‭ ‬حديث‭ ‬معالي‭ ‬الشيخ‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬خليفة‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬وزير‭ ‬المالية‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الوطني،‭ ‬ليُكمل‭ ‬صورة‭ ‬الجاهزية‭ ‬في‭ ‬بُعدها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والمالي‭ ‬والخدمي؛‭ ‬فصون‭ ‬الوطن‭ ‬بعد‭ ‬مرتكز‭ ‬الأمن‭ ‬يكون‭ ‬بحفظ‭ ‬الموارد‭ ‬من‭ ‬الهدر،‭ ‬وضمان‭ ‬الخدمات،‭ ‬واستقرار‭ ‬الأسواق،‭ ‬وحماية‭ ‬مسارات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬من‭ ‬الاضطراب‭ ‬والانكسار‭. ‬فقد‭ ‬بيّن‭ ‬معاليه‭ ‬أن‭ ‬قوة‭ ‬المؤسسات‭ ‬مكّنت‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬متابعة‭ ‬المستجدات‭ ‬باقتدار،‭ ‬وتأمين‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬باستمرار،‭ ‬ومعالجة‭ ‬الأضرار‭ ‬ضمن‭ ‬نهجٍ‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الانضباط‭ ‬وحسن‭ ‬القرار‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬تتقدّم‭ ‬مسؤولية‭ ‬الآراء‭ ‬والمقترحات‭ ‬الوطنية‭ ‬مع‭ ‬قرب‭ ‬افتتاح‭ ‬دور‭ ‬الانعقاد‭ ‬المقبل؛‭ ‬فكما‭ ‬احتاج‭ ‬زمن‭ ‬الخطر‭ ‬إلى‭ ‬جاهزيةٍ‭ ‬تحمي‭ ‬الدار،‭ ‬يحتاج‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الخطر‭ ‬إلى‭ ‬كلمةٍ‭ ‬تحفظ‭ ‬المسار،‭ ‬ورأيٍ‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬الطموح‭ ‬والمقدار،‭ ‬ومقترحٍ‭ ‬يقرأ‭ ‬الممكن‭ ‬بوعيٍ‭ ‬واعتبار‭. ‬وليس‭ ‬ذلك‭ ‬تضييقًا‭ ‬على‭ ‬رأيٍ‭ ‬يُقال،‭ ‬ولا‭ ‬حجبًا‭ ‬لصوتٍ‭ ‬يُسمع،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬دعوةٌ‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬العمل‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬مقامه،‭ ‬والحوار‭ ‬في‭ ‬وقاره،‭ ‬والاختلاف‭ ‬في‭ ‬مداره؛‭ ‬حتى‭ ‬تكون‭ ‬حاجة‭ ‬الناس‭ ‬مدخلًا‭ ‬للحلول‭ ‬لا‭ ‬للمزايدة،‭ ‬وعاطفة‭ ‬المجتمع‭ ‬باعثًا‭ ‬على‭ ‬المسؤولية‭ ‬لا‭ ‬سبيلًا‭ ‬للعبور،‭ ‬والمنبر‭ ‬الدستوري‭ ‬مساحةً‭ ‬لقولٍ‭ ‬محسوب،‭ ‬ووعدٍ‭ ‬مسؤول،‭ ‬واجتهادٍ‭ ‬يطلب‭ ‬الأثر‭ ‬قبل‭ ‬التصفيق،‭ ‬ويقدّم‭ ‬مصلحة‭ ‬الوطن‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬اعتبار‭.‬

وخلاصة‭ ‬القول،‭ ‬إن‭ ‬البحرين‭ ‬التي‭ ‬التفّ‭ ‬أبناؤها‭ ‬حول‭ ‬راية‭ ‬الوطن‭ ‬بقيادة‭ ‬سيدي‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم،‭ ‬قادرةٌ‭ ‬أن‭ ‬تعبر‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الخطر‭ ‬كما‭ ‬عبرت‭ ‬الخطر؛‭ ‬بوحدةٍ‭ ‬لا‭ ‬تُفرّق،‭ ‬ومؤسساتٍ‭ ‬لا‭ ‬ترتبك،‭ ‬وخطابٍ‭ ‬لا‭ ‬يزايد،‭ ‬وآراءٍ‭ ‬ومقترحاتٍ‭ ‬وطنيةٍ‭ ‬مخلصة‭ ‬تجعل‭ ‬أمن‭ ‬الوطن‭ ‬واستقراره‭ ‬ومقدراته‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬اعتبار‭. ‬فالوطن‭ ‬لا‭ ‬تُصونه‭ ‬العاطفة‭ ‬العابرة،‭ ‬بل‭ ‬الكلمة‭ ‬الصادقة،‭ ‬ولا‭ ‬يرفعه‭ ‬الوعد‭ ‬المرسل،‭ ‬بل‭ ‬الرأي‭ ‬المسؤول،‭ ‬ومن‭ ‬جعل‭ ‬البحرين‭ ‬أولًا،‭ ‬جعلها‭ ‬عهدًا‭ ‬ومسارًا‭ ‬وقرار‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا