القراء الأعزاء،
في كلمته الترحيبية قال: (من قلب صادق ومحب ومن دون تردد لقد انفقت مئات الآلاف من الدنانير لصناعة هذه القطع الفنية التي شاهدتموها لأجل الفن الانساني وحُباً فيه ولست بنادم على ذلك، ولكني أخشى عليها من تقلبات المستقبل).
وقتها، خطرت في بالي إحدى المفارقات الفنية الغريبة، حين عاش فناناً عظيماً مثل الرسام الهولندي فنسنت فان جوخ حياة مليئة بالبؤس والفقر المدقع، ولم يحظَ بأي تقدير جماهيري أثناء كونه على قيد الحياة، ثم أصبحت لوحاته بعد وفاته من أثمن وأندر وأشهر الأعمال الفنية في العالم.
وقصة مثل إرث فان جوخ جديرة بأن تُحرّض المجتمعات على تقدير مبدعيها ودعمهم وتشجيعهم أثناء حياتهم، لأسباب عدة وأهمها هو رفد البشرية الانسانية بإبداعات تحفظ كينونتها وطبيعتها وتُخلّد اسمها ومراحلها وتاريخها، ولاسيما في وقتنا الحالي ومع سرعة عجلة التطور الهائلة التي أوشكت على نزع الروح الانسانية من النتاج الانساني، في رحلتها المتجهة جهة التطور الالكتروني والذكاء الاصطناعي، حيث أصبح التوازن بين الحفاظ على الانتاج البشري واجباً ولزاماً على الانسانية جمعاء لزاماً بجانب مواكبة المستجدات التكنولوجية.
كان ذلك اثناء زيارة مريحة للنفس بحجم طاقة المكان الايجابية ومثمرة بقدر النتاج المُشبع للروح، إلى معرض (مون لايت) الخاص بالفنان البحريني حسن جناحي، بصحبة مجموعة من الأصدقاء والزملاء تحت مسمى (الصحبة الطيبة) بناء على دعوة كريمة من الفنان، حيث شهدت أعيننا جميعاً مجموعة من ابداعاته الاعجازية المذهلة الكفيلة بوضع احاسيسك في مدارات الدهشة لتهيم فيها على غير هدى من فرط جمالها، حيث كل قطعة فنية (تقول الزود عندي)، فكلّ منها عبارة عن ملحمة فكرية بذاتها، صنعت أو نُحتت أو رسمت بحسّ انساني رفيع جداً يحاكي النبض الانساني ويشاركه جماله وأفراحه ومآسيه، فلم يتّخذ الفنان صومعة الفن ليكون بمعزل عن أحداث محيطه وعروبته بل عبّر عنها بقِطعه الفنية، وكانت البحرين في قلب أعماله ثم دول الجوار والقضية العربية الكبرى، جمال لا يُضاهى ولا تستطيع أن تصفه الكلمات لذا من الأفضل لمن يُحب الفن زيارة المعرض ومنح عيناه متعة مشاهدة الجمال والاحساس به شخصيا.
وأنا وجدت بأنه من الوطنية أيضاً أن ندعم بعضنا بعضا كمواطنين -كل بحسب مقدرته- حتى وان كان بالكلمة لتشجيع ابداع اخوتنا والاسهام مع مبدعي البحرين في استمرارية تقدّم تجاربهم وتحقيقها المنجزات التي تجعل اسم البحرين لامعاً في سماء المجد والمنجزات.
ولا سيما بأن المشروع الإصلاحي لصاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم لم يغفل أهمية الفنون بمختلف أنواعها وأهمية دورها في حياة الانسان، فلا يمكن تخيل البحرين بدون المسرح والفن التشكيلي والنحت والموسيقى والغناء والرقص، وإلى الادب والشعر ومفردات الاغنية والقصة والرواية، فاحتضنها ميثاق العمل الوطني ودستور مملكة البحرين باعتبارها تمثل ثقافة هذا الوطن العريق الضارب في عمق ذاكرة التاريخ كحضارة راسخة وملتقى حضارات موازية، انتجت تنوعاً جميلاً كانت خلاصته وعياً مجتمعياً وانسانياً عميقاً جدا، وشاهد ذلك أنه في عام 2021 أصدر جلالته المرسوم رقم (111) بإنشاء المجلس الوطني للفنون، وفي مفهوم حقوق الانسان يُعد انشاء مثل هذا المجلس من قبيل بدء مرحلة الرفاة لدى الانسان، بمعنى أنه قد اكمل تعزيز واستدامة الحقوق الاساسية اللازمة لحياته وبدأ في مرحلة الرفاهية والاستمتاع بالحياة واعمال الفكر والتأمل والإبداع، وهي محصّلة طبيعية للرؤية الملكية السامية، فلا يُبدع الانسان إلا إذا تحققت كفايته من الاحتياجات الأساسية.
hanadialjowder@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك