العدد : ١٧٧٠٥ - الأحد ١٣ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٥ - الأحد ١٣ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

أخبار البحرين

في حوار شامل مع مرشحة قيادة منظمة الصحة العالمية الدكتورة حنان بلخي:
رؤيتي تقوم على الثقة والأثر والقيمة.. لاكتساب مصداقية العالم

الأحد ١٣ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

مبادرة‭ ‬‮«‬الصحة‭ ‬الواحدة‮»‬‭ ‬ترسم‭ ‬التعاون‭ ‬المستقبلي‭ ‬بين‭ ‬البحرين‭ ‬ومنظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬لدولة‭ ‬بمفردها‭ ‬حماية‭ ‬صحة‭ ‬شعبها‭.. ‬والتضامن‭ ‬الدولي‭ ‬ضرورة

التمويل‭ ‬المستدام‭ ‬أمر‭ ‬أساسي‭ ‬لاستقلالية‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬

التجربة‭ ‬البحرينية‭ ‬نموذج‭ ‬ملهم‭ ‬في‭ ‬الرعاية‭ ‬الأولية‭.. ‬والمدن‭ ‬الصحية‭ ‬يمكن‭ ‬نقل‭ ‬خبراتها‭ ‬عالميا


 

حاورتها‭: ‬لمياء‭ ‬إبراهيم‭ ‬

انطلقت‭ ‬مسيرتها‭ ‬المهنية‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أسرة‭ ‬المرضى‭ ‬كونها‭ ‬طبيبة‭ ‬أطفال‭ ‬تمنحهم‭ ‬الرعاية‭ ‬والاهتمام،‭ ‬وهي‭ ‬تجربة‭ ‬لم‭ ‬تبارح‭ ‬وجدانها،‭ ‬بل‭ ‬رسمت‭ ‬لها‭ ‬خريطة‭ ‬الطريق،‭ ‬وظلت‭ ‬تذكرها‭ ‬دوما‭ ‬أن‭ ‬السياسة‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬تعتني‭ ‬بأناس‭ ‬حقيقيين‭ ‬داخل‭ ‬مجتمعات‭ ‬حقيقية‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬تدرجت‭ ‬في‭ ‬عطائها‭ ‬لتغدو‭ ‬عالمة،‭ ‬وباحثة‭ ‬وقائدة‭ ‬صحية‭ ‬وطنية‭. ‬وتأتي‭ ‬هذه‭ ‬المقابلة‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬فارقة‭ ‬تشهد‭ ‬تحولات‭ ‬جذرية‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الصحي‭ ‬الدولي؛‭ ‬حيث‭ ‬تتجه‭ ‬أنظار‭ ‬العالم‭ ‬نحو‭ ‬انتخابات‭ ‬قيادة‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬المنظمات‭ ‬الأممية‭. ‬‮«‬أخبار‭ ‬الخليج‮»‬‭ ‬تحاور‭ ‬الدكتورة‭ ‬حنان‭ ‬حسن‭ ‬بلخي،‭ ‬المديرة‭ ‬الإقليمية‭ ‬لـ«منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‮»‬‭ ‬لشرق‭ ‬المتوسط‭ ‬والمرشحة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬لمنصب‭ ‬المدير‭ ‬العام‭ ‬للمنظمة‭. ‬لنسلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬رؤيتها‭ ‬الانتخابية‭ ‬وآليات‭ ‬تعزيز‭ ‬الشراكات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬لدعم‭ ‬الأنظمة‭ ‬الصحية‭ ‬المستدامة‭.‬

 

تخوضين‭ ‬انتخابات‭ ‬منصب‭ ‬المدير‭ ‬العام‭ ‬لمنظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬منظمة‭ ‬صحة‭ ‬عالمية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الثقة،‭ ‬وتتحدد‭ ‬بالأثر،‭ ‬وتُقاس‭ ‬بالقيمة‮»‬‭ ‬كيف‭ ‬تنوين‭ ‬ترجمة‭ ‬هذه‭ ‬الركائز‭ ‬الثلاث‭ ‬إلى‭ ‬خطوات‭ ‬عملية‭ ‬تجعل‭ ‬المنظمة‭ ‬أكثر‭ ‬استجابة‭ ‬لاحتياجات‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء؟

يحتاج‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬منظمة‭ ‬صحة‭ ‬عالمية‭ ‬يمكن‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليها؛‭ ‬منظمة‭ ‬تكتسب‭ ‬الثقة،‭ ‬وتحقق‭ ‬الأثر،‭ ‬وتثبت‭ ‬القيمة‭. ‬منظمة‭ ‬تحمي‭ ‬الصحة،‭ ‬وتعمل‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬وتدعمها،‭ ‬وتعزز‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الصحة‭ ‬للجميع‭.  ‬

إن‭ ‬صحة‭ ‬جميع‭ ‬الأمم‭ ‬هي‭ ‬منفعة‭ ‬عالمية‭ ‬مشتركة،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬دولة‭ ‬أن‭ ‬تحمي‭ ‬صحة‭ ‬شعبها‭ ‬بمفردها‭. ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يخضع‭ ‬فيه‭ ‬التعاون‭ ‬الدولي‭ ‬للتساؤل،‭ ‬يتعين‭ ‬على‭ ‬المنظمة‭ ‬أن‭ ‬تثبت‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أفعالها‭ ‬سبب‭ ‬استمرار‭ ‬أهمية‭ ‬العمل‭ ‬الجماعي‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الصحة‭.  ‬

لهذا‭ ‬السبب،‭ ‬تم‭ ‬بناء‭ ‬برنامجي‭ ‬الانتخابي‭ ‬حول‭ ‬الثقة،‭ ‬والأثر،‭ ‬والقيمة‭.  ‬

‭ ‬الثقة‭: ‬تعني‭ ‬استعادة‭ ‬السلطة‭ ‬العلمية‭ ‬لمنظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬المساءلة،‭ ‬وحماية‭ ‬استقلاليتها،‭ ‬سواء‭ ‬ثقة‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬أو‭ ‬ثقة‭ ‬الجمهور‭. ‬

فيجب‭ ‬أن‭ ‬تعلم‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬أن‭ ‬مشورة‭ ‬المنظمة‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬أفضل‭ ‬الأدلة‭ ‬العلمية‭ ‬المتاحة،‭ ‬وأن‭ ‬القرارات‭ ‬تتسم‭ ‬بالشمولية‭ ‬والشفافية،‭ ‬وأن‭ ‬المعايير‭ ‬نفسها‭ ‬تطبق‭ ‬على‭ ‬الجميع‭.  ‬

‭ ‬الأثر‭: ‬يعني‭ ‬منظمة‭ ‬صحة‭ ‬عالمية‭ ‬موجودة‭ ‬عندما‭ ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬ذلك،‭ ‬تعزز‭ ‬الجاهزية‭ ‬قبل‭ ‬حدوث‭ ‬الطوارئ،‭ ‬وتستجيب‭ ‬بشكل‭ ‬أسرع‭ ‬عند‭ ‬وقوعها،‭ ‬وتقرب‭ ‬عمل‭ ‬المنظمة‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬بحيث‭ ‬تترجم‭ ‬المعرفة‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬خطط‭ ‬قابلة‭ ‬للتنفيذ‭ ‬وأنظمة‭ ‬تقديم‭ ‬تقودها‭ ‬الدول‭ ‬وتنقذ‭ ‬الأرواح‭.  ‬

‭ ‬القيمة‭: ‬تعني‭ ‬منظمة‭ ‬صحة‭ ‬عالمية‭ ‬تحقق‭ ‬نتائج‭ ‬ملموسة،‭ ‬تعزز‭ ‬التغطية‭ ‬الصحية‭ ‬الشاملة،‭ ‬وتقوي‭ ‬القدرات‭ ‬الوطنية،‭ ‬وتثبت‭ ‬ما‭ ‬حققه‭ ‬كل‭ ‬مورد‭ ‬ائتُمنت‭ ‬عليه‭ ‬المنظمة‭. ‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬التحديات‭ ‬مترابطة؛‭ ‬فحماية‭ ‬الاستقلالية‭ ‬العلمية،‭ ‬والاستجابة‭ ‬الأسرع‭ ‬للطوارئ،‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬التعقيد‭ ‬المؤسسي،‭ ‬وتأمين‭ ‬التمويل‭ ‬المستدام،‭ ‬كلها‭ ‬أمور‭ ‬تتطلب‭ ‬إصلاحاً‭ ‬حازماً‭ ‬بالشراكة‭ ‬الوثيقة‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء،‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الأكاديمية‭ ‬والبحثية،‭ ‬ومؤسسات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬والقطاع‭ ‬الخاص‭.  ‬

في‭ ‬وقت‭ ‬يتزايد‭ ‬فيه‭ ‬التشكيك‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬قيمة‭ ‬التعاون‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف،‭ ‬كيف‭ ‬تنوين‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬الاستقلالية‭ ‬العلمية‭ ‬لمنظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬ودورها‭ ‬القيادي؟‭  ‬

نقطة‭ ‬البداية‭ ‬هي‭ ‬إدراك‭ ‬أن‭ ‬الثقة‭ ‬لا‭ ‬يُطالب‭ ‬بها،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬اكتسابها‭ ‬وإعادة‭ ‬اكتسابها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كل‭ ‬قرار‭ ‬تتخذه‭ ‬المنظمة‭.  ‬

عندما‭ ‬تصدر‭ ‬المنظمة‭ ‬توجيهات‭ ‬أو‭ ‬تقيّم‭ ‬تهديداً‭ ‬صحياً،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يعلم‭ ‬المسؤولون‭ ‬الحكوميون‭ ‬والمهنيون‭ ‬الصحيون‭ ‬والجمهور‭ ‬أن‭ ‬استنتاجاتنا‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬أفضل‭ ‬العلوم‭ ‬المتاحة‭. ‬لذلك،‭ ‬سأجعل‭ ‬من‭ ‬تعزيز‭ ‬الشفافية‭ ‬حول‭ ‬القرارات‭ ‬العلمية‭ ‬الكبرى‭ ‬أولوية‭ ‬قيادية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الأدلة‭ ‬المأخوذة‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار،‭ ‬والخبراء‭ ‬المشاركون،‭ ‬وتضارب‭ ‬المصالح‭ ‬المحتمل،‭ ‬والأسباب‭ ‬والمبررات‭ ‬وراء‭ ‬التوصيات‭.  ‬

ولكن‭ ‬هناك‭ ‬أيضاً‭ ‬قضية‭ ‬أوسع‭ ‬نطاقاً‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬طرحها‭. ‬إن‭ ‬صحة‭ ‬جميع‭ ‬الأمم‭ ‬هي‭ ‬منفعة‭ ‬عالمية‭ ‬مشتركة،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬دولة‭ ‬أن‭ ‬تحمي‭ ‬صحة‭ ‬شعبها‭ ‬بمفردها‭. ‬فالتهديدات‭ ‬الصحية‭ ‬لا‭ ‬تعترف‭ ‬بالحدود،‭ ‬وفي‭ ‬وقت‭ ‬أصبحت‭ ‬فيه‭ ‬التعددية‭ ‬محل‭ ‬تساؤل،‭ ‬تحتاج‭ ‬المنظمة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تثبت‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أدائها‭ ‬سبب‭ ‬استمرار‭ ‬أهمية‭ ‬التعاون‭ ‬الدولي‭ ‬والتضامن‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الصحة‭.  ‬

وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬لن‭ ‬تعزز‭ ‬قيادة‭ ‬المنظمة‭ ‬عبر‭ ‬فرض‭ ‬سلطتها،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إثبات‭ ‬النزاهة‭ ‬العلمية‭ ‬والاتساق‭ ‬وتحقيق‭ ‬النتائج‭. ‬وتلك‭ ‬هي‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬نعيد‭ ‬بها‭ ‬بناء‭ ‬منظمة‭ ‬صحة‭ ‬عالمية‭ ‬يعتمد‭ ‬عليها‭ ‬العالم‭.  ‬

لقد‭ ‬قُدتِ‭ ‬إقليم‭ ‬شرق‭ ‬المتوسط‭ ‬لمنظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية،‭ ‬وهو‭ ‬الإقليم‭ ‬الذي‭ ‬يتحمل‭ ‬حوالي‭ ‬ثلث‭ ‬عبء‭ ‬طوارئ‭ ‬الصحة‭ ‬المحددة‭ ‬بالدرجات‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬ما‭ ‬هي‭ ‬أهم‭ ‬الدروس‭ ‬التي‭ ‬تعلمتها‭ ‬من‭ ‬الاستجابة‭ ‬للأزمات‭ ‬مثل‭ ‬شلل‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬والأوضاع‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬واليمن‭ ‬وافغانستان؟

الدرس‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬عندما‭ ‬تحل‭ ‬الأزمة،‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تتحول‭ ‬نقاط‭ ‬الضعف‭ ‬القائمة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الصحي‭ ‬إلى‭ ‬نقاط‭ ‬هشاشة‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الموت‭ ‬أو‭ ‬الحياة‭.  ‬

وهذا‭ ‬أمر‭ ‬رأيته‭ ‬مراراً‭ ‬وتكراراً‭ ‬بصفتي‭ ‬مديرة‭ ‬إقليمية‭ ‬للإقليم،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬أو‭ ‬السودان‭ ‬أو‭ ‬اليمن‭ ‬أو‭ ‬أفغانستان‭. ‬ففي‭ ‬غزة،‭ ‬وعقب‭ ‬ظهور‭ ‬أول‭ ‬حالة‭ ‬شلل‭ ‬أطفال‭ ‬أصيبت‭ ‬بالفالج‭ ‬منذ‭ ‬25‭ ‬عاماً،‭ ‬عملت‭ ‬المنظمة‭ ‬مع‭ ‬السلطات‭ ‬الوطنية‭ ‬والشركاء‭ ‬للمساعدة‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬التطعيم‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬603‭,‬000‭ ‬طفل‭. ‬وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬الإقليم‭ ‬ككل،‭ ‬كان‭ ‬علينا‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الخدمات‭ ‬الصحية‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬بعض‭ ‬أصعب‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬تخيلها‭.  ‬

وقد‭ ‬عززت‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬ثلاثة‭ ‬دروس‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلي‭:‬

‭ ‬أولاً‭: ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬المنظمة‭ ‬نافعة‭ ‬ومفيدة‭ ‬للدول‭ ‬قبل‭ ‬الأزمة‭ ‬وأثنائها‭ ‬وبعدها؛‭ ‬فالجاهزية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬حالة‭ ‬الطوارئ‭ ‬قد‭ ‬بدأت‭ ‬بالفعل‭.  ‬

‭ ‬ثانياً‭: ‬يجب‭ ‬علينا‭ ‬بناء‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬القدرات‭ ‬المحلية؛‭ ‬فالبلدان‭ ‬لا‭ ‬تتمتع‭ ‬بمرونة‭ ‬حقيقية‭ ‬إذا‭ ‬ظلت‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬دائم‭ ‬على‭ ‬الخبرات‭ ‬أو‭ ‬الأدوية‭ ‬أو‭ ‬اللقاحات‭ ‬أو‭ ‬المستلزمات‭ ‬الأساسية‭ ‬من‭ ‬الخارج‭.  ‬

‭ ‬ثالثاً‭: ‬تتطلب‭ ‬القيادة‭ ‬الإنسانية‭ ‬ممارسة‭ ‬الدبلوماسية؛‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬تضمن‭ ‬عمليا‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬وباكستان‭ ‬استمرار‭ ‬التواصل‭ ‬رفيع‭ ‬المستوى‭ ‬بشأن‭ ‬الأولويات‭ ‬الصحية‭ ‬الحيوية‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود،‭ ‬والعمل‭ ‬مع‭ ‬جميع‭ ‬الجهات‭ ‬اللازمة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬إمكانية‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الخدمات‭ ‬الصحية‭.  ‬

وفي‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬معيار‭ ‬المنظمة‭ ‬بعدد‭ ‬القواعد‭ ‬والمعايير‭ ‬والإرشادات‭ ‬التي‭ ‬تصدرها‭ ‬أو‭ ‬تنشرها،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الدول‭ ‬قد‭ ‬ترجمتها‭ ‬إلى‭ ‬خطط‭ ‬استراتيجية‭ ‬ممولة‭ ‬تمنع‭ ‬الوفيات‭ ‬وتنقذ‭ ‬الأرواح‭ ‬عندما‭ ‬تحين‭ ‬اللحظة‭ ‬الحاسمة‭.  ‬

كيف‭ ‬تنوين‭ ‬تعزيز‭ ‬قدرة‭ ‬المنظمة‭ ‬على‭ ‬الاستجابة‭ ‬السريعة‭ ‬للأزمات‭ ‬الإنسانية‭ ‬وفاشيات‭ ‬الأمراض‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إهمال‭ ‬تعزيز‭ ‬الأنظمة‭ ‬الصحية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل؟‭  ‬

علينا‭ ‬التوقف‭ ‬عن‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الاستجابة‭ ‬للطوارئ‭ ‬وتقوية‭ ‬الأنظمة‭ ‬الصحية‭ ‬كأجندتين‭ ‬منفصلتين‭.  ‬

فالنظام‭ ‬الصحي‭ ‬المرن‭ ‬هو‭ ‬النظام‭ ‬المستعد‭ ‬بالفعل‭ ‬قبل‭ ‬وصول‭ ‬الأزمة‭. ‬ويستلزم‭ ‬ذلك‭ ‬وجود‭ ‬ترصد‭ ‬قوي،‭ ‬ومختبرات،‭ ‬والوقاية‭ ‬من‭ ‬العدوى،‭ ‬وكوادر‭ ‬صحية‭ ‬مدربة،‭ ‬ورعاية‭ ‬صحية‭ ‬أولية،‭ ‬وسلاسل‭ ‬إمداد‭ ‬مرنة،‭ ‬ومشاركة‭ ‬مجتمعية‭ ‬في‭ ‬التخطيط‭ ‬والاستجابة،‭ ‬ومؤسسات‭ ‬وطنية‭ ‬فعالة‭.  ‬

وحين‭ ‬تقع‭ ‬حالة‭ ‬طوارئ،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬المنظمة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التحرك‭ ‬بسرعة،‭ ‬لإيصال‭ ‬الخبرات‭ ‬والمستلزمات‭ ‬الأساسية‭ ‬إلى‭ ‬أماكن‭ ‬الحاجة‭ ‬إليها،‭ ‬وحماية‭ ‬استمرارية‭ ‬الخدمات‭ ‬الصحية،‭ ‬وتمكين‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الأزمة‭ ‬من‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭.  ‬

لكن‭ ‬مهمتنا‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬بمجرد‭ ‬انقضاء‭ ‬حالة‭ ‬الطوارئ‭ ‬الفورية؛‭ ‬بل‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬لإعادة‭ ‬البناء‭ ‬بشكل‭ ‬أفضل‭ ‬وأقوى‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تتعرض‭ ‬نقاط‭ ‬الهشاشة‭ ‬نفسها‭ ‬للانكشاف‭ ‬مجدداً‭ ‬خلال‭ ‬الأزمة‭ ‬التالية‭.   ‬

نجحتِ‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬70‭%‬‭ ‬من‭ ‬الموارد‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬الدول‭ ‬وتقليص‭ ‬التراكم‭ ‬المتأخر‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬التدقيق‭ ‬بنسبة‭ ‬50‭%‬‭. ‬ما‭ ‬هي‭ ‬خطتك‭ ‬لإصلاح‭ ‬البيروقراطية‭ ‬في‭ ‬المنظمة‭ ‬وتحقيق‭ ‬أعلى‭ ‬معايير‭ ‬الشفافية‭ ‬والمساءلة؟‭  ‬

لقد‭ ‬أظهرت‭ ‬لي‭ ‬تجربتي‭ ‬كمديرة‭ ‬إقليمية‭ ‬أن‭ ‬الإصلاح‭ ‬ليس‭ ‬ممكناً‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أمر‭ ‬ضروري‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ضغوط‭ ‬مالية‭ ‬وتشغيلية‭ ‬كبيرة‭.  ‬

ففي‭ ‬إقليم‭ ‬شرق‭ ‬المتوسط،‭ ‬قمنا‭ ‬بتعزيز‭ ‬الإدارة‭ ‬عبر‭ ‬المكاتب‭ ‬القطرية‭ ‬والإقليمية،‭ ‬وقمنا‭ ‬بتخفيض‭ ‬التراكم‭ ‬المتأخر‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬التدقيق‭ ‬بنسبة‭ ‬50‭%‬،‭ ‬ووجهنا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬70‭%‬‭ ‬من‭ ‬الموارد‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬الدول‭ ‬لتحسين‭ ‬الأداء‭ ‬والتقديم‭.  ‬

وسوف‭ ‬أنقل‭ ‬هذا‭ ‬الانضباط‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العالمي‭.  ‬

كما‭ ‬سأعمل‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الصلاحيات‭ ‬لتكون‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الفرق‭ ‬الإقليمية‭ ‬والقطرية‭ ‬حيثما‭ ‬مكن‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬التقديم‭ ‬بشكل‭ ‬أسرع‭ ‬وأفضل،‭ ‬مع‭ ‬تعزيز‭ ‬المساءلة‭ ‬عن‭ ‬النتائج‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬مستوى‭.  ‬

والهدف‭ ‬ليس‭ ‬الإصلاح‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الإصلاح،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬جعل‭ ‬المنظمة‭ ‬أصغر‭ ‬حجماً؛‭ ‬بل‭ ‬الهدف‭ ‬هو‭ ‬جعل‭ ‬المنظمة‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬وشفافية‭ ‬واستجابة‭.  ‬

‭ ‬وسط‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬الميزانيات‭ ‬العالمية،‭ ‬نجحتِ‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬المانحين‭ ‬وتعبئة‭ ‬1‭.‬6‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬أمريكي‭ ‬إضافية‭. ‬

كيف‭ ‬ستؤمنين‭ ‬تمويلاً‭ ‬مستداماً‭ ‬يحمي‭ ‬استقلالية‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬المنظمة؟‭ ‬‭ ‬

إن‭ ‬التمويل‭ ‬المستدام‭ ‬هو‭ ‬أمر‭ ‬أساسي‭ ‬لاستقلالية‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭.  ‬

في‭ ‬إقليم‭ ‬شرق‭ ‬المتوسط،‭ ‬قمنا‭ ‬بتوسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬المانحين‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬30‭ ‬شريكاً،‭ ‬وتابعنا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬200‭ ‬فرصة‭ ‬تمويلية،‭ ‬وأشرفنا‭ ‬على‭ ‬تعبئة‭ ‬1‭.‬6‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬أمريكي‭ ‬كأسباب‭ ‬إضافية‭ ‬لموارد‭ ‬البرامج‭ ‬المخصصة‭ ‬لشلل‭ ‬الأطفال‭ ‬والاستجابة‭ ‬للطوارئ‭.  ‬

وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬العالمي،‭ ‬سأركز‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬أمور‭: ‬قاعدة‭ ‬مساهمين‭ ‬أوسع‭ ‬وأكثر‭ ‬تنوعاً،‭ ‬نسبة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬التمويل‭ ‬المتوقع‭ ‬والمرن،‭ ‬ومساءلة‭ ‬أقوى‭ ‬بكثير‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬استخدام‭ ‬الموارد‭.  ‬

يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬المنظمة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬توجيه‭ ‬التمويل‭ ‬نحو‭ ‬الأولويات‭ ‬المحددة‭ ‬والمُتفق‭ ‬عليها‭ ‬جماعياً‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تتحدد‭ ‬أجندتها‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يتوافر‭ ‬فيه‭ ‬تمويل‭ ‬مخصص‭ ‬لمجالات‭ ‬ضيقة‭.  ‬

ولكن‭ ‬التمويل‭ ‬المستدام‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعني‭ ‬مجرد‭ ‬مطالبة‭ ‬الشركاء‭ ‬بالمزيد‭ ‬من‭ ‬الأموال؛‭ ‬إذ‭ ‬يتعين‭ ‬على‭ ‬المنظمة‭ ‬أيضاً‭ ‬إثبات‭ ‬القيمة‭. ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إظهار‭ ‬الموارد‭ ‬التي‭ ‬اُستخدمت،‭ ‬وما‭ ‬تم‭ ‬تقديمه،‭ ‬وما‭ ‬الفارق‭ ‬الملموس‭ ‬الذي‭ ‬نتج‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭.  ‬

إن‭ ‬أقوى‭ ‬علاقة‭ ‬مع‭ ‬المانح‭ ‬ليست‭ ‬علاقة‭ ‬اعتماد‭ ‬واتكال،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬علاقة‭ ‬ثقة‭. ‬وإذا‭ ‬أظهرت‭ ‬المنظمة‭ ‬مصداقية‭ ‬علمية،‭ ‬وإدارة‭ ‬منضبطة،‭ ‬ونتائج‭ ‬ملموسة،‭ ‬فإنها‭ ‬تخلق‭ ‬أقوى‭ ‬حجة‭ ‬ممكنة‭ ‬للاستثمار‭ ‬المستمر‭.  ‬

بصفتك‭ ‬رائدة‭ ‬في‭ ‬نهج‭ ‬‮«‬الصحة‭ ‬الواحدة‮»‬‭ ‬وفي‭ ‬مواجهة‭ ‬مقاومة‭ ‬مضادات‭ ‬الميكروبات،‭ ‬كيف‭ ‬ستدعمين‭ ‬‮«‬اتفاقية‭ ‬الجائحة‮»‬‭ ‬لضمان‭ ‬الوصول‭ ‬العادل‭ ‬للموارد‭ ‬الصحية‭ ‬بين‭ ‬الدول؟‭  ‬

علّمتني‭ ‬تجربتي‭ ‬مع‭ ‬مقاومة‭ ‬مضادات‭ ‬الميكروبات‭ ‬أن‭ ‬الأطر‭ ‬العالمية‭ ‬لا‭ ‬قيمة‭ ‬لها‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬تترجم‭ ‬إلى‭ ‬قدرات‭ ‬وطنية‭ ‬أشد‭ ‬قوة‭ ‬وتقديما‭ ‬عمليا‭. ‬‭ ‬

وبصفتي‭ ‬أول‭ ‬مدير‭ ‬عام‭ ‬مساعد‭ ‬لمنظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬لمقاومة‭ ‬مضادات‭ ‬الميكروبات،‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الهيكل‭ ‬العالمي‭ ‬لـ«الصحة‭ ‬الواحدة‮»‬‭ ‬بالمنظمة،‭ ‬والربط‭ ‬بين‭ ‬صحة‭ ‬الإنسان‭ ‬والحيوان‭ ‬البيئة‭. ‬وطوال‭ ‬مسيرتي‭ ‬المهنية،‭ ‬حاولت‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬الأطر‭ ‬العالمية‭ ‬والعمل‭ ‬الوطني‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ترصد‭ ‬أقوى،‭ ‬وجاهزية،‭ ‬وخطط‭ ‬وطنية،‭ ‬وقدرات‭ ‬مؤسسية‭.  ‬وسأتبع‭ ‬النهج‭ ‬نفسه‭ ‬تجاه‭ ‬‮«‬اتفاقية‭ ‬الجائحة‮»‬‭.  ‬

يجب‭ ‬أن‭ ‬تعزز‭ ‬الاتفاقية‭ ‬الجاهزية‭ ‬قبل‭ ‬الأزمة‭ ‬التالية‭ ‬وتضمن‭ ‬حصول‭ ‬جميع‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬وصول‭ ‬عادل‭ ‬إلى‭ ‬الأدوات‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬اليها‭ ‬عند‭ ‬وقوع‭ ‬الأزمة‭. ‬ويشمل‭ ‬ذلك‭ ‬جعل‭ ‬ترتيبات‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬العوامل‭ ‬الممرضة‭ ‬وتقاسم‭ ‬المنافع‭ ‬تعمل‭ ‬عملياً،‭ ‬وتحسين‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬اللقاحات‭ ‬وتشخيص‭ ‬الأمراض‭ ‬والعلاجات،‭ ‬وتعزيز‭ ‬قدرات‭ ‬التصنيع‭ ‬الإقليمية‭ ‬والمحلية،‭ ‬والعمل‭ ‬مع‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬باعتباره‭ ‬محركاً‭ ‬رئيسياً‭ ‬للتصنيع‭ ‬المحلي‭ ‬للقاحات‭ ‬والأدوية‭ ‬والعلاجات‭.  ‬

إن‭ ‬العدالة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعني‭ ‬الانتظار‭ ‬حتى‭ ‬وقوع‭ ‬الأزمة‭ ‬ثم‭ ‬محاولة‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬المستلزمات‭ ‬الشحيحة‭. ‬بل‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬القدرات‭ ‬قبل‭ ‬الأزمة‭ ‬تنظيم‭ ‬أقوى،‭ ‬تصنيع‭ ‬محلي،‭ ‬سلاسل‭ ‬إمداد،‭ ‬وانظمة‭ ‬صحية‭.  ‬

كيف‭ ‬ستستغلين‭ ‬خبرتك‭ ‬الطويلة‭ ‬كطبيبة‭ ‬أطفال‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬لسد‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬السياسات‭ ‬الصحية‭ ‬العالمية‭ ‬وواقع‭ ‬احتياجات‭ ‬المجتمعات‭ ‬المحلية؟‭  ‬

بدأت‭ ‬مسيرتي‭ ‬المهنية‭ ‬عند‭ ‬أسرّة‭ ‬المرضى‭ ‬كطبيبة‭ ‬أطفال‭ ‬أعتني‭ ‬بالأطفال‭. ‬وتلك‭ ‬التجربة‭ ‬بقيت‭ ‬معي‭ ‬طوال‭ ‬مسيرتي‭ ‬المهنية‭ ‬لأنها‭ ‬تذكرك‭ ‬دائماً‭ ‬بأن‭ ‬السياسة‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬تتعلق‭ ‬بأناس‭ ‬حقيقيين،‭ ‬في‭ ‬مجتمعات‭ ‬حقيقية‭.  ‬

ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬عملتُ‭ ‬عالمة،‭ ‬وباحثة،‭ ‬وقائدة‭ ‬صحية‭ ‬وطنية،‭ ‬وفي‭ ‬المقر‭ ‬الرئيسي‭ ‬لمنظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية،‭ ‬والان‭ ‬مديرة‭ ‬إقليمية‭. ‬وبالتالي‭ ‬فقد‭ ‬رأيت‭ ‬المنظمة‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬الزوايا‭ ‬تقريباً‭.  ‬

إن‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬حدد‭ ‬معالم‭ ‬مسيرتي‭ ‬المهنية‭ ‬هو‭ ‬بناء‭ ‬الجسور‭ ‬بين‭ ‬العلم‭ ‬والسياسات،‭ ‬وبين‭ ‬المؤسسات‭ ‬العالمية‭ ‬والدول،‭ ‬وبين‭ ‬الحكومات‭ ‬ذات‭ ‬الرؤى‭ ‬المختلفة،‭ ‬وبين‭ ‬الاستجابة‭ ‬للطوارئ‭ ‬وتقوية‭ ‬الأنظمة‭ ‬الصحية‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭.  ‬

والدرس‭ ‬الذي‭ ‬استخلصته‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬التجربة‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬لمنظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬أبداً‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬بحل‭ ‬جاهز‭ ‬ثم‭ ‬تطلب‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬التكيف‭ ‬معه‭.  ‬

بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نستمع‭ ‬أولاً،‭ ‬ونفهم‭ ‬الأولويات‭ ‬الوطنية‭ ‬والمحلية،‭ ‬ونحضر‭ ‬أفضل‭ ‬العلوم‭ ‬المتاحة،‭ ‬ثم‭ ‬نعمل‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬لتطوير‭ ‬حلول‭ ‬يمكنها‭ ‬امتلاكها‭ ‬واستدامتها‭.  ‬

وعلى‭ ‬مدار‭ ‬مسيرتي‭ ‬المهنية،‭ ‬كان‭ ‬النمط‭ ‬ثابتاً‭ ‬بناء‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وتطوير‭ ‬القدرات‭ ‬المحلية،‭ ‬وترك‭ ‬أنظمة‭ ‬أشد‭ ‬قوة‭ ‬خلفنا‭.  ‬

‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬خلفيتك‭ ‬الواسعة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي،‭ ‬كيف‭ ‬تقيمين‭ ‬تجربة‭ ‬البحرين‭ ‬كنموذج‭ ‬إقليمي‭ ‬يمكن‭ ‬تكراره‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬بالمنطقة؟‭  ‬

ما‭ ‬أجده‭ ‬ذا‭ ‬قيمة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬البحرين‭ ‬هو‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬ربط‭ ‬السياسة‭ ‬الصحية‭ ‬بالأماكن‭ ‬التي‭ ‬يعيش‭ ‬فيها‭ ‬الناس‭ ‬بالفعل‭.  ‬

والرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬الأولية‭ ‬القوية‭ ‬هي‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬النهج؛‭ ‬فهي‭ ‬تقرب‭ ‬الوقاية،‭ ‬التشخيص‭ ‬المبكر،‭ ‬والرعاية‭ ‬من‭ ‬المجتمعات،‭ ‬وتعزز‭ ‬إدارة‭ ‬الأمراض‭ ‬غير‭ ‬السارية،‭ ‬وتقلل‭ ‬الضغط‭ ‬غير‭ ‬الضروري‭ ‬على‭ ‬المستشفيات‭.  ‬

كما‭ ‬أن‭ ‬نهج‭ ‬‮«‬المدن‭ ‬والمحافظات‭ ‬الصحّية‮»‬‭ ‬مهم‭ ‬أيضاً،‭ ‬لأن‭ ‬الصحة‭ ‬الجيدة‭ ‬لا‭ ‬تنتج‭ ‬عن‭ ‬القطاع‭ ‬الصحي‭ ‬وحده؛‭ ‬فالبيئات‭ ‬التي‭ ‬يعيش‭ ‬فيها‭ ‬الناس‭ ‬ويعملون‭ ‬ويتعلمون‭ ‬تشكل‭ ‬جميعها‭ ‬مخرجات‭ ‬الصحة‭. ‬وإن‭ ‬توحيد‭ ‬البلديات‭ ‬والمجتمعات‭ ‬والقطاعات‭ ‬المختلفة‭ ‬حول‭ ‬الصحة‭ ‬يتوافق‭ ‬تماماً‭ ‬مع‭ ‬نوع‭ ‬النهج‭ ‬الموجه‭ ‬نحو‭ ‬الوقاية‭ ‬والقيادة‭ ‬الوطنية‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬للمنظمة‭ ‬تشجيعه‭.  ‬

والدرس‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬أنه‭ ‬ينبغي‭ ‬لكل‭ ‬دولة‭ ‬مجرد‭ ‬نسخ‭ ‬نموذج‭ ‬البحرين،‭ ‬فالأنظمة‭ ‬الصحية‭ ‬والمجتمعات‭ ‬تختلف؛‭ ‬بل‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬دور‭ ‬المنظمة‭ ‬هو‭ ‬تحديد‭ ‬ما‭ ‬ينجح،‭ ‬وفهم‭ ‬سبب‭ ‬نجاحه،‭ ‬والعمل‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭ ‬ودعمها‭ ‬لتكييف‭ ‬تلك‭ ‬الدروس‭ ‬مع‭ ‬ظروفها‭ ‬الخاصة‭.  ‬

وهذا‭ ‬هو‭ ‬نوع‭ ‬المنظمة‭ ‬التي‭ ‬أريد‭ ‬لمنظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬أن‭ ‬تكونه،‭ ‬منظمة‭ ‬تستمع‭ ‬إلى‭ ‬الدول،‭ ‬وتربط‭ ‬بين‭ ‬الخبرات‭ ‬عبر‭ ‬الأقاليم،‭ ‬وتمكّن‭ ‬الأفكار‭ ‬الجيدة‭ ‬من‭ ‬الانتقال‭ ‬والانتشار‭.  ‬

كيف‭ ‬ترين‭ ‬الشراكة‭ ‬المستقبلية‭ ‬مع‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬مثل‭ ‬تدريب‭ ‬الكوادر‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬الخطوط‭ ‬الأمامية‭ ‬وتعزيز‭ ‬الإشراف‭ ‬على‭ ‬مضادات‭ ‬الميكروبات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المراكز‭ ‬المتعاونة‭ ‬مع‭ ‬المنظمة؟‭  ‬

أرى‭ ‬إمكانيات‭ ‬كبيرة‭ ‬لتعميق‭ ‬هذه‭ ‬الشراكة‭.  ‬

فالبحرين‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصحية‭ ‬الراسخة،‭ ‬والمهنيين‭ ‬المهرة،‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬الابتكار،‭ ‬ولديهم‭ ‬إرث‭ ‬طويل‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬التدريب‭ ‬للكوادر‭ ‬الصحية‭ ‬للدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬الأخرى‭. ‬وتحت‭ ‬قيادتي،‭ ‬سيلحق‭ ‬المنظمة‭ ‬الشرف‭ ‬بالعمل‭ ‬مع‭ ‬البحرين‭ ‬ودعمها‭ ‬لتوسيع‭ ‬نطاق‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬القيادة‭ ‬في‭ ‬تبادل‭ ‬المعرفة‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬الأخرى‭.  ‬

وموضوع‭ ‬مقاومة‭ ‬مضادات‭ ‬الميكروبات‭ ‬مهم‭ ‬لي‭ ‬بشكل‭ ‬خاص؛‭ ‬فقد‭ ‬عملت‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬وطنياً‭ ‬وإقليمياً‭ ‬وعالمياً،‭ ‬وأعلم‭ ‬أن‭ ‬النجاح‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬التعهدات‭ ‬العالمية،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬في‭ ‬المستشفيات‭ ‬والمختبرات‭ ‬والصيدليات‭ ‬والمزارع‭ ‬والمجتمعات‭.  ‬

ويمكن‭ ‬للبحرين‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬الأخرى‭ ‬تقديم‭ ‬خبرات‭ ‬مهمة‭ ‬لهذا‭ ‬الجهد‭ ‬الإقليمي‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التدريب‭ ‬المهني،‭ ‬أو‭ ‬الترصد،‭ ‬أو‭ ‬الأبحاث،‭ ‬أو‭ ‬برامج‭ ‬الإشراف،‭ ‬أو‭ ‬تعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬ضمن‭ ‬نهج‭ ‬‮«‬الصحة‭ ‬الواحدة‮»‬‭.  ‬

وأود‭ ‬أن‭ ‬تعمل‭ ‬علاقة‭ ‬المنظمة‭ ‬مع‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬الاتجاهين‭: ‬أن‭ ‬تجلب‭ ‬المنظمة‭ ‬علومها‭ ‬وشبكاتها‭ ‬وخبراتها‭ ‬التقنية‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬وأن‭ ‬تسهم‭ ‬معرفة‭ ‬البحرين‭ ‬وخبرتها‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬حلول‭ ‬للإقليم‭ ‬وللعالم‭ ‬ككل‭.  ‬

تلك‭ ‬هي‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تعمل‭ ‬بها‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬الحديثة،‭ ‬ليس‭ ‬بنقل‭ ‬الخبرات‭ ‬إلى‭ ‬الدول،‭ ‬بل‭ ‬بدعم‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تقود‭ ‬بالفعل،‭ ‬وتمكينها‭ ‬من‭ ‬التواصل‭ ‬بحيث‭ ‬يمكن‭ ‬مشاركة‭ ‬المعرفة‭ ‬والقدرات‭ ‬المتبادلة‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬أوسع‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا