د. حاجي: الذكاء الاصطناعي التوليدي والوكيلي يُحدثان تحوّلاً جديداً في صناعة المجوهرات
د. حاجي: تتعلق أبرز التحديات بحقوق الملكية الفكرية وأصالة التصاميم
د. حاجي: مستقبل صناعة المجوهرات لا يقوم على استبدال الإبداع البشري بالتكنولوجيا بل على التكامل بينهما
حوار وإعداد: سيما مرتضى حاجي
قطاع المجوهرات تحولاً غير مسبوق مع التطورات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي لم تعد تقتصر على أتمتة المهام أو تحسين العمليات التشغيلية، بل أصبحت تدخل بصورة مباشرة في صميم العملية الإبداعية، من توليد الأفكار والتصاميم الأولية إلى تطوير النماذج ثلاثية الأبعاد، وتجربة المعادن والأحجار المختلفة، وتحليل اتجاهات السوق، وتخصيص القطع وفق أذواق العملاء. ويفتح هذا التحول آفاقاً جديدة أمام المصممين ودور المجوهرات لإعادة تعريف مفهوم التصميم الفاخر، مع الحفاظ في الوقت ذاته على العنصر الذي منح المجوهرات قيمتها عبر التاريخ، وهو الإبداع والهوية الإنسانية.
وفي هذا السياق، أجرت أخبار الخليج حواراً مع الدكتور جاسم حاجي، رئيس المجموعة العالمية للذكاء الاصطناعي، تناولت خلاله مستقبل الذكاء الاصطناعي في صناعة المجوهرات، وتأثيره في أساليب التصميم التقليدية، وأبرز الأدوات التي يمكن للمصممين الاستفادة منها، إضافة إلى قدرته على ابتكار تصاميم جديدة، وحدود إمكانية أن يحل محل المصمم البشري.
وتبرز هنا تساؤلات عديدة حول الكيفية التي يعيد بها الذكاء الاصطناعي تشكيل العملية الإبداعية في صناعة المجوهرات، وما إذا كان تأثيره يقتصر على تطوير الأدوات، أم يمتد ليغيّر مفهوم التصميم ذاته. وللتعرف أكثر إلى أبعاد هذا التحول، بدأنا حوارنا مع الدكتور جاسم حاجي بالسؤال:
كيف غيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تصميم المجوهرات مقارنة بالأساليب التقليدية؟ وهل نحن أمام تغيير في الأدوات فقط أم في مفهوم التصميم نفسه؟
التحول الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي في تصميم المجوهرات يتجاوز مجرد استبدال أداة بأخرى، لأنه يغيّر الطريقة التي يمكن من خلالها الانتقال من الفكرة إلى التصميم النهائي. ففي الأساليب التقليدية، يبدأ المصمم عادةً بفكرة أو مصدر إلهام، ثم يعمل على ترجمتها إلى رسم، قبل أن ينتقل إلى مراحل متعددة من التعديل والتطوير وإعداد النموذج الأولي.
أما اليوم، فقد أصبح بإمكان الذكاء الاصطناعي التوليدي تحويل وصف نصي بسيط أو رسم أولي إلى تصورات بصرية ونماذج ثلاثية الأبعاد خلال فترة قصيرة جداً، مع إمكانية إنتاج عدة نماذج وزوايا وخيارات تصميمية. وهذا يختصر الكثير من الوقت الذي كانت تستغرقه عمليات الرسم والتعديل اليدوي، ويتيح للمصمم استكشاف عدد أكبر من الاحتمالات قبل الوصول إلى التصميم النهائي.وهنا تظهر قيمة الذكاء الاصطناعي في توسيع مساحة التجريب. فبدلاً من قضاء وقت طويل في تطوير كل فكرة على حدة، يستطيع المصمم اختبار مجموعة كبيرة من البدائل، ثم اختيار الاتجاه الذي يراه أكثر ملاءمة لتصوراته.
كما يمكن تطبيق التصميم نفسه بصورة فورية على الذهب الأصفر أو الذهب الوردي أو البلاتين، وتجربة أحجار كريمة مختلفة وقصّات متعددة، دون الحاجة إلى تصنيع نموذج مادي لكل خيار.لكنني لا أرى أن هذا يعني التخلي عن الأساليب التقليدية. التكنولوجيا تضيف طبقة جديدة إلى عملية التصميم، وتمنح المصمم أدوات أكثر سرعة ومرونة، بينما يبقى القرار الإبداعي النهائي بيد الإنسان.
ما أبرز أدوات الذكاء الاصطناعي التي يمكن لمصممي المجوهرات الاستفادة منها في مرحلة الإبداع والرسم وتطوير النماذج الأولية؟
هناك مجموعة واسعة من الأدوات التي يمكن استخدامها بحسب المرحلة التي يمر بها التصميم. ففي مرحلة توليد الأفكار والتصورات البصرية، يمكن للمصممين الاستفادة من أدوات مثل Midjourney وDALL·E وAdobe Firefly، التي تساعد على تحويل الأوصاف النصية إلى تصورات مرئية أولية.
أما في مجال التصميم والنمذجة ثلاثية الأبعاد، فتبرز منصات مثل Matrixgold و Blender وAutodesk Fusion 360، التي بدأت في دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي لتسريع عمليات النمذجة وتحسين التصميمات.
لكن الأهم ليس الأداة نفسها، وإنما الطريقة التي يستخدمها بها المصمم. وهنا يظهر مفهوم AIdeation، أي دمج الذكاء الاصطناعي في عملية توليد وتطوير الأفكار. يستطيع المصمم من خلاله استكشاف بدائل متعددة تتعلق بالمعادن والأحجار وطرق تثبيتها والزخارف والتفاصيل التصميمية خلال وقت قصير للغاية.ولكن يبقى دور المصمم أساسياً في تقييم هذه البدائل واختيار ما يتناسب مع هويته الفنية وفلسفته التصميمية.
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي الوكيلي، أن يغيّر خطة تسويق المجوهرات ويطوّر تجربة العميل ؟
يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي في صناعة المجوهرات إلى ما هو أبعد من التصميم، ليشمل التسويق وتجربة العميل وتحليل اتجاهات السوق، وصولاً إلى إدارة مجموعة من المهام بصورة مترابطة. فمن خلال الذكاء الاصطناعي التوليدي، يمكن إنتاج الكتيبات والعروض البصرية، وإنشاء صور واقعية للمجوهرات أثناء ارتدائها، إلى جانب إعداد مقاطع الفيديو والمحتوى التسويقي. كما تتيح تقنيات التجربة الافتراضية للمجوهرات للعميل معاينة القطعة رقمياً على اليد أو الرقبة أو المعصم، وإجراء تعديلات عليها قبل اعتماد التصميم النهائي، وهو ما يحوّل تجربة الشراء من مجرد مشاهدة قطعة جاهزة إلى تجربة تفاعلية يشارك فيها العميل في تطوير تصميمه.
أما الذكاء الاصطناعي الوكيلي، فيضيف قدرة أكبر على إدارة المهام المترابطة من خلال منظومة من الوكلاء المتخصصين؛ فقد يتولى وكيل التصميم تحويل الرسم ثنائي الأبعاد إلى ملف مناسب لأنظمة التصميم بمساعدة الحاسوب، بينما يتولى وكيل آخر إعداد كتيبات المنتجات، ويعمل وكيل المواد على إدارة خيارات المعادن والأحجار والمواصفات المرتبطة بها. وعند تكامل هذه الوكلاء ضمن منظومة واحدة، يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من سير العمل المتكامل، وليس مجرد أداة منفردة يستخدمها المصمم.ولا يتوقف دور الوكلاء الأذكياء عند ذلك، إذ يمكنها تحليل كميات كبيرة من البيانات القادمة من منصات التواصل الاجتماعي إلى جانب متابعة عروض الأزياء والتقارير المتخصصة في الاتجاهات العالمية. ويساعد هذا التحليل على رصد الأنماط الناشئة والتصاميم التي تحظى باهتمام متزايد، بما يمكّن دور المجوهرات من استشراف الاتجاهات المستقبلية واتخاذ قرارات أكثر استناداً إلى البيانات، فضلاً عن اكتشاف الفجوات المحتملة في المنتجات أو المخزون وربطها بالقرارات التجارية للدار.
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر صناعة المجوهرات، من التسعير والتخصيص إلى تقييم الأحجار وابتكار التصاميم؟
يمكن للأنظمة الذكية احتساب أوزان المعادن، وعدد الأحجار ومواصفاتها، وربط هذه البيانات بأسعار المواد المتغيرة في الأسواق، بما يتيح إعداد عروض أسعار دقيقة وفورية للقطع المصممة حسب الطلب، ويجعل عملية التسعير أكثر سرعة ومرونة. كما يتيح الذكاء الاصطناعي الانتقال من التخصيص التقليدي إلى مستوى أكثر تقدماً من التخصيص الفائق، من خلال تحليل تفضيلات العميل واختياراته السابقة وسلوكه أثناء التفاعل مع المنتجات، ثم تقديم خيارات وتصاميم تتناسب بصورة أكبر مع ذوقه. ويمكن للعميل أيضاً المشاركة في عملية التصميم وتجربة تعديلات مختلفة على شكل القطعة أو معدنها أو أحجارها قبل اعتمادها، ما يمنح تجربة الشراء طابعاً أكثر تفاعلاً وشخصية.
ويمتد هذا الدور إلى الأحجار الكريمة، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي وتقنيات الرؤية الحاسوبية تحليل الصور والخصائص الداخلية للحجر ورصد الشوائب والتفاصيل الدقيقة، بما يساعد على تعزيز دقة الفحص والتقييم والكشف عن بعض المعالجات أو الخصائص التي قد يصعب ملاحظتها بالوسائل التقليدية. ومع ذلك، تظل الخبرة البشرية ضرورية في تفسير النتائج وربطها بالسياق المهني واتخاذ القرار النهائي.
أما في مجال الإبداع، فرغم قدرة الذكاء الاصطناعي على توليد عدد كبير من التصورات والاقتراحات التصميمية، فإنه لا يمتلك التجربة الإنسانية التي تمنح التصميم هويته ومعناه. فالمصمم قد يستلهم قطعة من ثقافته أو ذاكرته أو قصة شخصية أو رمز معين، ثم يحول هذا الإلهام إلى تصميم يحمل بصمته الخاصة.
إلى أي مدى يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محل مصمم المجوهرات؟
لا أرى أن مستقبل الصناعة يتجه إلى استبدال الانسان بالآله، وإنما إلى تعزيز قدراته. فالذكاء الاصطناعي يمتلك السرعة والقدرة على تحليل البيانات وتوليد عدد هائل من الاحتمالات، بينما يمتلك المصمم الحس الفني والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار الإبداعي.ومن المهم أن نتذكر أن كثرة الخيارات لا تعني بالضرورة جودة التصميم. المصمم هو الذي يعرف أي خيار يحمل قيمة فنية، وأي خيار يتناسب مع هوية الدار، وأي تصميم يمكن أن يتحول إلى قطعة قابلة للتنفيذ وتحمل معنى حقيقياً.لذلك سيبقى الإبداع البشري عنصراً حاسماً، بينما يصبح الذكاء الاصطناعي أداة ترفع قدرة المصمم على التجريب والتطوير.
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز استدامة صناعة المجوهرات وممارساتها الأخلاقية؟
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في جعل صناعة المجوهرات أكثر استدامة من خلال إنشاء النسخ الرقمية الواقعية للقطع، ما يقلل الحاجة إلى إنتاج نماذج مادية متعددة أثناء مراحل التصميم والتطوير. وبدلاً من تصنيع نموذج لكل خيار يتعلق بالشكل أو المعدن أو الحجر، يمكن اختبار هذه الاحتمالات رقمياً أولاً، ثم الانتقال إلى التنفيذ بعد اعتماد التصميم، الأمر الذي يساعد على تقليل هدر المواد والأثر البيئي المرتبط بعملية التطوير.
كما يمكن تعزيز الممارسات الأخلاقية من خلال الجمع بين الذكاء الاصطناعي وتقنية البلوك تشين لتوثيق رحلة الحجر الكريم منذ استخراجه وحتى وصوله إلى القطعة النهائية، بما يساعد على التحقق من مصدره وتتبع سلسلة التوريد ودعم ممارسات التوريد المسؤول. ويوفر هذا التكامل للعلامات التجارية والعملاء معلومات أكثر موثوقية حول مصدر الأحجار والمواد المستخدمة، ويعزز المسؤولية في مختلف مراحل صناعة المجوهرات.
ما أبرز التحديات القانونية والأخلاقية التي ترافق استخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم المجوهرات؟
تتعلق أبرز التحديات بحقوق الملكية الفكرية وأصالة التصاميم. فقد تنتج أنظمة الذكاء الاصطناعي تصاميم تتشابه مع أعمال موجودة مسبقاً، كما تبرز تساؤلات حول البيانات المستخدمة في تدريب هذه الأنظمة وما إذا كانت تتضمن محتوى محمياً بحقوق النشر.وهنا تصبح الشفافية أمراً أساسياً. يجب أن تكون هناك سياسات واضحة للاستخدام المسؤول، وأن يتم احترام حقوق المصممين والعلامات التجارية، خصوصاً عندما تتحول المخرجات المولدة بالذكاء الاصطناعي إلى منتجات تجارية.وفي رأيي، لا ينبغي أن يكون التطور التقني منفصلاً عن المسؤولية الأخلاقية. فالحفاظ على الثقة في صناعة المجوهرات يتطلب أن يكون الابتكار مصحوباً باحترام الملكية الفكرية وأصالة الأعمال.
ما النصيحة التي تقدمها لمصممي المجوهرات الراغبين في دمج الذكاء الاصطناعي في عملهم دون أن يفقدوا بصمتهم الإبداعية؟
أنصح المصممين بالنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لتعزيز الإبداع، وليس بديلاً عنه. ولا يجب أن يسمح المصمم للأداة بأن تحدد له هويته، بل عليه أن يستخدمها لتوسيع رؤيته الخاصة. فالتميز الحقيقي لا يكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي، لأن الأدوات نفسها ستكون متاحة للجميع، وإنما في طريقة توظيفها لإبراز البصمة الشخصية للمصمم.وأعتقد أن المصمم الناجح في المستقبل هو من يستطيع الجمع بين فهمه العميق للحرفة والمجوهرات وبين قدرته على استخدام التكنولوجيا بذكاء.
وأخيراً، كيف تلخص مستقبل العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والمجوهرات؟
مستقبل صناعة المجوهرات لا يتمثل في استبدال الإبداع البشري بالتكنولوجيا، وإنما في تحقيق التكامل بينهما.فالذكاء الاصطناعي يوفر السرعة والدقة والبيانات والقدرة على تحليل عدد هائل من الاحتمالات، بينما يقدم المصمم وصائغ المجوهرات الشغف والحس الفني والخبرة والقيم الأخلاقية واللمسة الإنسانية.ومن خلال هذا التكامل، يمكن للصناعة أن تدخل مرحلة جديدة تجمع بين الحرفية التقليدية والابتكار الرقمي، وتقدم منتجات أكثر تخصيصاً، وعمليات أكثر كفاءة، وتجارب أكثر تفاعلاً، من دون أن تفقد المجوهرات جوهرها باعتبارها فناً يعكس الذوق والهوية والقيمة الإنسانية.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك