ليست أمريكا وحدها التي يتمتع فيها لوبي إسرائيل بنفوذ قوى، فهذا النفوذ لا يقل أهمية في دول عدة، وخصوصا في بريطانيا.
والحقيقة أن نفوذ اللوبي ببريطانيا ليس نبأ جديدا، إذ لم ننس بعد أن لوبي إسرائيل كان مسؤولا بشكل مباشر عن الاغتيال المعنوي الذي تعرض له رئيس حزب العمال السابق جيرمي كوربن، المناصر لفلسطين، في العقد الماضي، عندما أصبح زعيما للمعارضة باسم حزب العمال، وكان مرشحا قويا لتولى رئاسة الوزراء في أول انتخابات تالية. وقد نجح اللوبي الصهيوني في اتهامه بالعداء للسامية ومهّد الطريق لتولي كير ستارمر رئاسة الحزب ثم الوزارة. وتحت رئاسة الأخير، زعم الحزب أنه انتهى مما سماه «تطهير حزب العمال من العداء للسامية»! وأفول تيار كورين اليساري، وفي ضوء ذلك أصبحت سياسات حزب العمال الاجتماعية أقرب إلى توجهات حزب المحافظين، انتهى عهد العدالة الاجتماعية ببريطانيا بين حزبين يتبعان نهج النيوليبرالية المتوحشة والفارق بينهما بات ضئيلا.
وبالطبع تكثف دور اللوبي الصهيوني في بريطانيا منذ حرب الإبادة في غزة. ففي انتخابات 2024 البرلمانية، تبين أن حوالي ربع أعضاء البرلمان، من أحزاب المحافظين والعمال والإصلاح، تلقوا أموالا من اللوبي الاسرائيلي ومن أفراد بريطانيين يؤمنون بالصهيونية وصلت في مجملها إلى أكثر من مليون جنيه إسترليني.
ورغم أن المحافظين كانوا الأغلبية، فقد تلقى 41 عضوا من حزب العمال مثل تلك الأموال. وفي أوج حرب الإبادة، سافر هؤلاء الأعضاء وغيرهم لإسرائيل في 56 رحلة متتابعة غطى اللوبي الصهيوني نفقاتها بالكامل التي وصلت إلى 133 ألف جنيه إسترليني. وهي رحلات تنطوي على أنشطة تندرج تحت مسمى غسيل الأدمغة عبر نوع الخطاب والطبيعة الانتقائية لمواقع الزيارات.
واللوبي الصهيوني في بريطانيا، كما هو الحال في أمريكا، يمثل مجموعة ضخمة ومتنوعة من المنظمات التي تعمل كلها لصالح إسرائيل. وفي بريطانيا، هناك نحو 60 منظمة بمسميات مختلفة، لا ينُم اسمها بالضرورة عن ارتباطها بإسرائيل، فضلا عن أصحاب الأموال الكبار الذين ينفقون ببذخ لتحقيق الهدف نفسه.
وأساليب إسرائيل واللوبي الصهيوني متشابهة حول العالم. فهي تراقب أكثر تيارات اليمين تطرفا ومدى قدرتها على الوصول إلى الحكم أو تشكيل المعارضة فتسعى بكل قوتها لاستقطابها منذ وقت مبكر، مثلما فعلت مع تيار «ماجا» الأمريكي وحزب نيراندا مودي الهندي. وهي تفعل الشيء نفسه في بريطانيا إذ صارت تركز بشكل مكثف على حزب الإصلاح الذي يتزعمه السياسي اليمني ناجيل فراج. فوزارة الخارجية الإسرائيلية رصدت 50 ألف جنيه إسترليني وعهدت لمنظمة إسرائيلية بتنظيم رحلات لإسرائيل لأعضاء حزب الإصلاح تحديدا. فسافر منهم عدد لا بأس به في رحلات تغطي إسرائيل نفقاتها بالكامل.
وفي تلك الرحلات، ذهب الزوار إلى المواقع الإسرائيلية التي تدمرت في حرب غزة، بل زاروا الجولان المحتلة رغم اعتراف بريطانيا رسميا بأنها أرض سورية. ورغم أن الزيارة لم تشمل غزة، فعند عودتهم إلى بلادهم، قال نائب رئيس الجهاز الفني للحزب إن المجاعة في غزة «كذب بواح»، وانتقد غيره المظاهرات البريطانية من أجل غزة باعتبارها «تدافع عن الوحوش المتسببين في الدمار» الذي لحق بإسرائيل.
وبات حزب الإصلاح ينفي رسميا أن جرائم حرب ارتكبت في غزة! بل ويردد المفردات الإسرائيلية التي كثيرا ما يكررها نتنياهو من نوع «إسرائيل تدافع عن الحضارة الغربية».
إن الضرر لا يقع على الفلسطينيين وحدهم، إذ يمتد ليشمل البريطانيين. فقد زار الضيوف مراكز الشرطة الإسرائيلية، التابعة لإيتامار بن غفير، ليطلعوا على أحدث التقنيات الشرطية وآليات مراقبة الحدود والهجرة. ومن ثم، إذا فاز حزب الإصلاح بالانتخابات البريطانية القادمة، هل لنا ان نتوقع مثلا أن يتم إرسال وفود من قوات الأمن البريطانية لتتلقى في إسرائيل تدريبا على حروب المدن التي تم تجريبها على الفلسطينيين لنقلها إلى المدن البريطانية، تماما كما تفعل أمريكا منذ عقود.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك