العدد : ١٧٦٤٨ - السبت ١٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٤٨ - السبت ١٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

خطورة سياسات اللوبي الصهيوني في بريطانيا

بقلم: د. منار الشوربجي

السبت ١٨ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

ليست‭ ‬أمريكا‭ ‬وحدها‭ ‬التي‭ ‬يتمتع‭ ‬فيها‭ ‬لوبي‭ ‬إسرائيل‭ ‬بنفوذ‭ ‬قوى،‭ ‬فهذا‭ ‬النفوذ‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬عدة،‭ ‬وخصوصا‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭.‬

والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬نفوذ‭ ‬اللوبي‭ ‬ببريطانيا‭ ‬ليس‭ ‬نبأ‭ ‬جديدا،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬ننس‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬لوبي‭ ‬إسرائيل‭ ‬كان‭ ‬مسؤولا‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬عن‭ ‬الاغتيال‭ ‬المعنوي‭ ‬الذي‭ ‬تعرض‭ ‬له‭ ‬رئيس‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬السابق‭ ‬جيرمي‭ ‬كوربن،‭ ‬المناصر‭ ‬لفلسطين،‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الماضي،‭ ‬عندما‭ ‬أصبح‭ ‬زعيما‭ ‬للمعارضة‭ ‬باسم‭ ‬حزب‭ ‬العمال،‭ ‬وكان‭ ‬مرشحا‭ ‬قويا‭ ‬لتولى‭ ‬رئاسة‭ ‬الوزراء‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬انتخابات‭ ‬تالية‭. ‬وقد‭ ‬نجح‭ ‬اللوبي‭ ‬الصهيوني‭ ‬في‭ ‬اتهامه‭ ‬بالعداء‭ ‬للسامية‭ ‬ومهّد‭ ‬الطريق‭ ‬لتولي‭ ‬كير‭ ‬ستارمر‭ ‬رئاسة‭ ‬الحزب‭ ‬ثم‭ ‬الوزارة‭. ‬وتحت‭ ‬رئاسة‭ ‬الأخير،‭ ‬زعم‭ ‬الحزب‭ ‬أنه‭ ‬انتهى‭ ‬مما‭ ‬سماه‭ ‬‮«‬تطهير‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬من‭ ‬العداء‭ ‬للسامية‮»‬‭! ‬وأفول‭ ‬تيار‭ ‬كورين‭ ‬اليساري،‭ ‬وفي‭ ‬ضوء‭ ‬ذلك‭ ‬أصبحت‭ ‬سياسات‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬توجهات‭ ‬حزب‭ ‬المحافظين،‭ ‬انتهى‭ ‬عهد‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ببريطانيا‭ ‬بين‭ ‬حزبين‭ ‬يتبعان‭ ‬نهج‭ ‬النيوليبرالية‭ ‬المتوحشة‭ ‬والفارق‭ ‬بينهما‭ ‬بات‭ ‬ضئيلا‭.‬

وبالطبع‭ ‬تكثف‭ ‬دور‭ ‬اللوبي‭ ‬الصهيوني‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬منذ‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬في‭ ‬غزة‭. ‬ففي‭ ‬انتخابات‭ ‬2024‭ ‬البرلمانية،‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬حوالي‭ ‬ربع‭ ‬أعضاء‭ ‬البرلمان،‭ ‬من‭ ‬أحزاب‭ ‬المحافظين‭ ‬والعمال‭ ‬والإصلاح،‭ ‬تلقوا‭ ‬أموالا‭ ‬من‭ ‬اللوبي‭ ‬الاسرائيلي‭ ‬ومن‭ ‬أفراد‭ ‬بريطانيين‭ ‬يؤمنون‭ ‬بالصهيونية‭ ‬وصلت‭ ‬في‭ ‬مجملها‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليون‭ ‬جنيه‭ ‬إسترليني‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬المحافظين‭ ‬كانوا‭ ‬الأغلبية،‭ ‬فقد‭ ‬تلقى‭ ‬41‭ ‬عضوا‭ ‬من‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬الأموال‭. ‬وفي‭ ‬أوج‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة،‭ ‬سافر‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأعضاء‭ ‬وغيرهم‭ ‬لإسرائيل‭ ‬في‭ ‬56‭ ‬رحلة‭ ‬متتابعة‭ ‬غطى‭ ‬اللوبي‭ ‬الصهيوني‭ ‬نفقاتها‭ ‬بالكامل‭ ‬التي‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬133‭ ‬ألف‭ ‬جنيه‭ ‬إسترليني‭. ‬وهي‭ ‬رحلات‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬أنشطة‭ ‬تندرج‭ ‬تحت‭ ‬مسمى‭ ‬غسيل‭ ‬الأدمغة‭ ‬عبر‭ ‬نوع‭ ‬الخطاب‭ ‬والطبيعة‭ ‬الانتقائية‭ ‬لمواقع‭ ‬الزيارات‭.‬

واللوبي‭ ‬الصهيوني‭ ‬في‭ ‬بريطانيا،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬أمريكا،‭ ‬يمثل‭ ‬مجموعة‭ ‬ضخمة‭ ‬ومتنوعة‭ ‬من‭ ‬المنظمات‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬كلها‭ ‬لصالح‭ ‬إسرائيل‭. ‬وفي‭ ‬بريطانيا،‭ ‬هناك‭ ‬نحو‭ ‬60‭ ‬منظمة‭ ‬بمسميات‭ ‬مختلفة،‭ ‬لا‭ ‬ينُم‭ ‬اسمها‭ ‬بالضرورة‭ ‬عن‭ ‬ارتباطها‭ ‬بإسرائيل،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬أصحاب‭ ‬الأموال‭ ‬الكبار‭ ‬الذين‭ ‬ينفقون‭ ‬ببذخ‭ ‬لتحقيق‭ ‬الهدف‭ ‬نفسه‭.‬

وأساليب‭ ‬إسرائيل‭ ‬واللوبي‭ ‬الصهيوني‭ ‬متشابهة‭ ‬حول‭ ‬العالم‭. ‬فهي‭ ‬تراقب‭ ‬أكثر‭ ‬تيارات‭ ‬اليمين‭ ‬تطرفا‭ ‬ومدى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الحكم‭ ‬أو‭ ‬تشكيل‭ ‬المعارضة‭ ‬فتسعى‭ ‬بكل‭ ‬قوتها‭ ‬لاستقطابها‭ ‬منذ‭ ‬وقت‭ ‬مبكر،‭ ‬مثلما‭ ‬فعلت‭ ‬مع‭ ‬تيار‭ ‬‮«‬ماجا‮»‬‭ ‬الأمريكي‭ ‬وحزب‭ ‬نيراندا‭ ‬مودي‭ ‬الهندي‭. ‬وهي‭ ‬تفعل‭ ‬الشيء‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬إذ‭ ‬صارت‭ ‬تركز‭ ‬بشكل‭ ‬مكثف‭ ‬على‭ ‬حزب‭ ‬الإصلاح‭ ‬الذي‭ ‬يتزعمه‭ ‬السياسي‭ ‬اليمني‭ ‬ناجيل‭ ‬فراج‭. ‬فوزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬رصدت‭ ‬50‭ ‬ألف‭ ‬جنيه‭ ‬إسترليني‭ ‬وعهدت‭ ‬لمنظمة‭ ‬إسرائيلية‭ ‬بتنظيم‭ ‬رحلات‭ ‬لإسرائيل‭ ‬لأعضاء‭ ‬حزب‭ ‬الإصلاح‭ ‬تحديدا‭. ‬فسافر‭ ‬منهم‭ ‬عدد‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬رحلات‭ ‬تغطي‭ ‬إسرائيل‭ ‬نفقاتها‭ ‬بالكامل‭.‬

وفي‭ ‬تلك‭ ‬الرحلات،‭ ‬ذهب‭ ‬الزوار‭ ‬إلى‭ ‬المواقع‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬التي‭ ‬تدمرت‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬غزة،‭ ‬بل‭ ‬زاروا‭ ‬الجولان‭ ‬المحتلة‭ ‬رغم‭ ‬اعتراف‭ ‬بريطانيا‭ ‬رسميا‭ ‬بأنها‭ ‬أرض‭ ‬سورية‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الزيارة‭ ‬لم‭ ‬تشمل‭ ‬غزة،‭ ‬فعند‭ ‬عودتهم‭ ‬إلى‭ ‬بلادهم،‭ ‬قال‭ ‬نائب‭ ‬رئيس‭ ‬الجهاز‭ ‬الفني‭ ‬للحزب‭ ‬إن‭ ‬المجاعة‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬‮«‬كذب‭ ‬بواح‮»‬،‭ ‬وانتقد‭ ‬غيره‭ ‬المظاهرات‭ ‬البريطانية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬غزة‭ ‬باعتبارها‭ ‬‮«‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬الوحوش‭ ‬المتسببين‭ ‬في‭ ‬الدمار‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬لحق‭ ‬بإسرائيل‭.‬

وبات‭ ‬حزب‭ ‬الإصلاح‭ ‬ينفي‭ ‬رسميا‭ ‬أن‭ ‬جرائم‭ ‬حرب‭ ‬ارتكبت‭ ‬في‭ ‬غزة‭! ‬بل‭ ‬ويردد‭ ‬المفردات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬التي‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬يكررها‭ ‬نتنياهو‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬الحضارة‭ ‬الغربية‮»‬‭.‬

إن‭ ‬الضرر‭ ‬لا‭ ‬يقع‭ ‬على‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬وحدهم،‭ ‬إذ‭ ‬يمتد‭ ‬ليشمل‭ ‬البريطانيين‭. ‬فقد‭ ‬زار‭ ‬الضيوف‭ ‬مراكز‭ ‬الشرطة‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬التابعة‭ ‬لإيتامار‭ ‬بن‭ ‬غفير،‭ ‬ليطلعوا‭ ‬على‭ ‬أحدث‭ ‬التقنيات‭ ‬الشرطية‭ ‬وآليات‭ ‬مراقبة‭ ‬الحدود‭ ‬والهجرة‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬إذا‭ ‬فاز‭ ‬حزب‭ ‬الإصلاح‭ ‬بالانتخابات‭ ‬البريطانية‭ ‬القادمة،‭ ‬هل‭ ‬لنا‭ ‬ان‭ ‬نتوقع‭ ‬مثلا‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬إرسال‭ ‬وفود‭ ‬من‭ ‬قوات‭ ‬الأمن‭ ‬البريطانية‭ ‬لتتلقى‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬تدريبا‭ ‬على‭ ‬حروب‭ ‬المدن‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬تجريبها‭ ‬على‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬لنقلها‭ ‬إلى‭ ‬المدن‭ ‬البريطانية،‭ ‬تماما‭ ‬كما‭ ‬تفعل‭ ‬أمريكا‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا