العدد : ١٧٦٤٨ - السبت ١٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٤٨ - السبت ١٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

تجديد النضال الفلسطيني لمقاومة البطش الصهيوني

بقلم: د. مصطفى البرغوثي

السبت ١٨ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬تتوقّف‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الوحشية‭ ‬على‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزّة،‭ ‬بل‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬استنزاف‭ ‬بشري‭ ‬وإنساني‭ ‬واقتصادي‭ ‬على‭ ‬مرأى‭ ‬ومسمع‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬يسمي‭ ‬نفسه‭ ‬متحضّراً‭. ‬ولم‭ ‬تتوقف‭ ‬إسرائيل‭ ‬عن‭ ‬إعلان‭ ‬هدفها‭ ‬الصريح‭ ‬لكل‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬التي‭ ‬تشنّها،‭ ‬وهو‭ ‬التطهير‭ ‬العرقي‭ ‬للفلسطينيين‭.‬

ولم‭ ‬تتراجع‭ ‬هجمات‭ ‬عصابات‭ ‬المستوطنين‭ ‬الإرهابيين‭ ‬على‭ ‬مدن‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وبلداتها‭ ‬وقراها،‭ ‬بل‭ ‬تصاعدت‭ ‬بقيادة‭ ‬الوزيرين‭ ‬الفاشيين‭ ‬سموتريتش‭ ‬وبن‭ ‬غفير‭ ‬اللذين‭ ‬لم‭ ‬تزدهما‭ ‬بعض‭ ‬الإجراءات‭ ‬العقابية‭ ‬الناعمة‭ ‬إلا‭ ‬شراسةً‭ ‬واستفزازاً،‭ ‬لأنها،‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬سوى‭ ‬ذرٍّ‭ ‬للرماد‭ ‬في‭ ‬العيون،‭ ‬ومحاولة‭ ‬لتبرير‭ ‬التقاعس‭ ‬عن‭ ‬فرض‭ ‬عقوباتٍ‭ ‬مؤثرةٍ‭ ‬وحقيقية‭ ‬على‭ ‬حكومة‭ ‬إسرائيل‭ ‬نفسها،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تموّل‭ ‬عصابات‭ ‬الاستيطان‭ ‬الإرهابية‭ ‬وتحميها‭ ‬وتساندها‭. ‬ولم‭ ‬يتوقف‭ ‬البطش‭ ‬الوحشي‭ ‬بالأسرى‭ ‬والأسيرات‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬الذين‭ ‬يؤخذون‭ ‬رهائن‭ ‬لدى‭ ‬الاحتلال،‭ ‬رغم‭ ‬انكشاف‭ ‬حجم‭ ‬الاضطهاد‭ ‬الذي‭ ‬يتعرّضون‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬التجويع،‭ ‬للتعذيب‭ ‬والتنكيل‭ ‬إلى‭ ‬الإعدام‭ ‬الميداني‭ ‬ومروراً‭ ‬بجرائم‭ ‬الاغتصاب‭ ‬الشائنة‭ ‬التي‭ ‬وثقت‭ ‬ونشرت‭.‬

ما‭ ‬من‭ ‬قانون‭ ‬دولي‭ ‬احترمته‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وما‭ ‬من‭ ‬اتفاقية‭ ‬نفذت،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اتفاق‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬غزّة،‭ ‬وما‭ ‬من‭ ‬حدود‭ ‬لم‭ ‬تُخترَق‭. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الحواجز‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬أمراً‭ ‬عابراً‭ ‬أو‭ ‬طارئاً،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬واقعاً‭ ‬ثابتاً‭ ‬يشمل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬1300‭ ‬حاجز‭ ‬عسكري،‭ ‬و250‭ ‬بوابة‭ ‬إلكترونية‭ ‬تُقطع‭ ‬أوصال‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وتحول‭ ‬مئات‭ ‬من‭ ‬قراها‭ ‬وبلداتها‭ ‬إلى‭ ‬سجون‭ ‬محاصرة‭.‬

وتجاوز‭ ‬عدد‭ ‬التجمعات‭ ‬السكانية‭ ‬التي‭ ‬هجّرت‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬عصابات‭ ‬الإرهاب‭ ‬الاستيطانية،‭ ‬وبحماية‭ ‬جيش‭ ‬الاحتلال‭ ‬ورعايته،‭ ‬مائة‭ ‬موقع‭. ‬واستمر‭ ‬تهجير‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬40‭ ‬ألف‭ ‬لاجئ‭ ‬فلسطيني‭ ‬من‭ ‬مخيمات‭ ‬طولكرم‭ ‬ونور‭ ‬شمس‭ ‬وجنين،‭ ‬فصاروا‭ ‬مثل‭ ‬معظم‭ ‬أهل‭ ‬غزّة‭ ‬الصامدة،‭ ‬أول‭ ‬لاجئين‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬يُرحلون‭ ‬من‭ ‬أماكن‭ ‬لجوئهم،‭ ‬لأن‭ ‬الاحتلال‭ ‬يريد‭ ‬استكمال‭ ‬نكبته‭ ‬الأصلية‭ ‬عام‭ ‬1948‭ ‬بنكبة‭ ‬أوسع‭ ‬وأشمل‭ ‬تستهدف‭ ‬كل‭ ‬الوجود‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭.‬

لا‭ ‬يعاني‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬مليوني‭ ‬إنسان‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزّة‭ ‬وحدهم‭ ‬من‭ ‬الحصار‭ ‬الخانق‭ ‬المتواصل،‭ ‬مع‭ ‬منع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬20‭ ‬ألفاً‭ ‬من‭ ‬الجرحى‭ ‬والمرضى‭ ‬من‭ ‬حقهم‭ ‬في‭ ‬الخروج‭ ‬للعلاج،‭ ‬بل‭ ‬يعيش‭ ‬أهل‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬مأساة‭ ‬أخرى‭ ‬اسمها‭ ‬‮«‬الجسر‮»‬،‭ ‬المعبر‭ ‬الوحيد‭ ‬المتاح‭ ‬لهم‭ ‬للخارج،‭ ‬وللعودة‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬إن‭ ‬غادروه‭ ‬لأغراض‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬التعليم‭ ‬أو‭ ‬العلاج،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يفتح‭ ‬إلا‭ ‬بضع‭ ‬ساعات‭ ‬قليلة‭ ‬خمسة‭ ‬أيام‭ ‬في‭ ‬الأسبوع،‭ ‬ثم‭ ‬يتفنن‭ ‬القائمون‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬إهانة‭ ‬كرامة‭ ‬الناس‭ ‬وحياتهم‭ ‬بإغلاقه‭ ‬متى‭ ‬شاؤوا‭ ‬وكيفما‭ ‬شاؤوا‭.‬

تحاول‭ ‬المنظومة‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬التي‭ ‬تمارس‭ ‬مزيجاً‭ ‬من‭ ‬الاحتلال‭ ‬المعفى‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬التزامات‭ ‬تجاه‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اتفاقية‭ ‬جنيف،‭ ‬ومن‭ ‬أي‭ ‬احترام‭ ‬لأبسط‭ ‬حقوق‭ ‬الانسان،‭ ‬ومن‭ ‬أي‭ ‬قيود‭ ‬على‭ ‬استعمال‭ ‬العنف‭ ‬الإجرامي‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬القتل‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حساب‭ ‬أو‭ ‬مساءلة،‭ ‬مع‭ ‬منظومة‭ ‬أبارتهايد‭ ‬عنصرية‭ ‬تجاوزت‭ ‬في‭ ‬اضطهادها‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬شابهها‭ ‬تاريخياً،‭ ‬ومع‭ ‬عناصر‭ ‬المشروع‭ ‬الأشمل‭ ‬والأخطر،‭ ‬وهو‭ ‬الاستعمار‭ ‬الاستيطاني‭ ‬الإحلالي،‭ ‬وغرضه‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وطرد‭ ‬سكانها‭ ‬ومحاولة‭ ‬تكرار‭ ‬جريمة‭ ‬إبادة‭ ‬السكان‭ ‬الأصليين‭ ‬في‭ ‬مستعمرات‭ ‬الأمريكتين‭ ‬وغيرها‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬أخرى‭.‬

وتكمن‭ ‬الخطورة‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬نهج‭ ‬تخدير‭ ‬العالم‭ ‬لجعله‭ ‬قابلاً‭ ‬بهذا‭ ‬الأمر‭ ‬الواقع‭ ‬ومعتاداً‭ ‬له،‭ ‬وفي‭ ‬محاولة‭ ‬إجبار‭ ‬الضحايا‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬على‭ ‬تقبّل‭ ‬الظلم‭ ‬والتعايش‭ ‬معه‭. ‬ولذلك،‭ ‬نرى‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬العداء‭ ‬لفكرة‭ ‬فرض‭ ‬العقوبات‭ ‬والمقاطعة‭ ‬على‭ ‬المنظومة‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬ونرى‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الهجوم‭ ‬من‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬وعملائها‭ ‬وأعوانها‭ ‬والمتواطئين‭ ‬معها‭ ‬والمستسلمين‭ ‬لها‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬مقاومة‭ ‬الظلم‭ ‬والاضطهاد‭ ‬أياً‭ ‬كان‭ ‬شكله‭. ‬السبب‭ ‬واضح،‭ ‬لأن‭ ‬مقاومة‭ ‬الظلم‭ ‬والاضطهاد‭ ‬تفسد‭ ‬محاولة‭ ‬تكريسه‭ ‬والتأقلم‭ ‬معه،‭ ‬ولأن‭ ‬ترسيخه‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يساعد‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬والمنظومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬هدفها‭ ‬الرئيسي‭ ‬بوضع‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬لا‭ ‬تطاق‭ ‬إنسانياً‭ ‬واقتصادياً‭ ‬واجتماعياً‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬التطهير‭ ‬العرقي‭ ‬لشعب‭ ‬بكامله‭ ‬تدريجياً‭.‬

لا‭ ‬يجوز‭ ‬السماح‭ ‬باعتياد‭ ‬الواقع،‭ ‬ولا‭ ‬يجوز‭ ‬تفويت‭ ‬أي‭ ‬فرصة‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬العالم‭ ‬إعلامياً‭ ‬وسياسياً‭ ‬ودبلوماسياً‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إحراجه‭ ‬والضغط‭ ‬عليه‭ ‬بمطلب‭ ‬اتخاذ‭ ‬إجراءاتٍ‭ ‬عقابيةٍ‭ ‬ضد‭ ‬الظلم‭ ‬الجاري‭ ‬الذي‭ ‬تجاوز‭ ‬كل‭ ‬الحدود‭. ‬وهناك‭ ‬فرصة‭ ‬لا‭ ‬سابق‭ ‬لها،‭ ‬نشأت‭ ‬بعد‭ ‬انكشاف‭ ‬أبعاد‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزّة،‭ ‬التعاظم‭ ‬غير‭ ‬المسبوق‭ ‬والمذهل‭ ‬للتأييد‭ ‬الشعبي‭ ‬العالمي‭ ‬للشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وقضيته‭ ‬العادلة،‭ ‬ما‭ ‬يفتح‭ ‬باباً‭ ‬واسعاً‭ ‬لاستثمار‭ ‬ذلك‭ ‬التأييد‭ ‬في‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬البرلمانات‭ ‬والحكومات‭ ‬والقادة،‭ ‬وهو‭ ‬ضغط‭ ‬أظهر‭ ‬تأثيراً‭ ‬ملموساً‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬عدة،‭ ‬مثل‭ ‬إسبانيا‭ ‬وإيرلندا،‭ ‬وحتى‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬يجابه،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬متوقع،‭ ‬بهجمات‭ ‬مرتدّة‭ ‬من‭ ‬اللوبي‭ ‬الصهيوني،‭ ‬المسنود‭ ‬من‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬كما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬سلوفينيا‭ ‬وكولومبيا‭. ‬والأهم‭ ‬ضرورة‭ ‬التمسك‭ ‬بنهج‭ ‬وثقافة‭ ‬رفض‭ ‬الظلم‭ ‬والاضطهاد‭ ‬ومقاومته،‭ ‬وسد‭ ‬الطريق‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬المغرضين‭ ‬والمنتفعين‭ ‬الذين‭ ‬يحاولون‭ ‬خنق‭ ‬كل‭ ‬أمل،‭ ‬ويسعون‭ ‬لتشويه‭ ‬كل‭ ‬جهد‭ ‬وطني‭ ‬إيجابي‭ ‬وتزويره‭ ‬وتحريفه‭.‬

تجاوز‭ ‬البطش‭ ‬الحدود،‭ ‬ولكنه‭ ‬لم‭ ‬ينجح،‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬120‭ ‬عاماً،‭ ‬ولن‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬كسر‭ ‬إرادة‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬أو‭ ‬تضليل‭ ‬وعيه‭ ‬الصلب‭ ‬الذي‭ ‬يثبت‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬مدى‭ ‬ذكائه‭ ‬وفطنته‭ ‬ووطنيته‭ ‬غير‭ ‬القابلة‭ ‬للاختراق‭.‬

{ الأمين‭ ‬العام‭ ‬لحركة

‮«‬المبادرة‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية‮»‬‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا