أصبحت الاستدامة اليوم خيارًا استراتيجيًا يعيد صياغة أولويات التنمية، ويجعل الاستثمار في الإنسان والمعرفة والابتكار أساسًا لبناء مستقبل أكثر قدرة على مواجهة التحديات. وفي هذا السياق، تواصل مملكة البحرين ترسيخ نهجها التنموي من خلال دعم التعليم بوصفه المحرك الرئيسي لإعداد أجيال قادرة على الإسهام في تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز التنافسية الوطنية.
ويمثل التعليم الأخضر أحد أبرز ملامح هذا التحول، إذ لا يقتصر على إدراج المفاهيم البيئية في المناهج، بل يؤسس لثقافة تعليمية متكاملة تنمي التفكير النقدي والإبداع، وتربط المعرفة بالتطبيق، وتعزز لدى الطلبة قيم المسؤولية تجاه البيئة والمجتمع. فالمدرسة الخضراء ليست مبنى صديقًا للبيئة فحسب، بل منظومة تربوية تُعد الطلبة ليكونوا شركاء في ابتكار الحلول وصناعة المستقبل.
ويكتسب هذا التوجه أهمية متزايدة في ظل التحولات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر، والاقتصاد الدائري، والتقنيات النظيفة، حيث تتنامى الحاجة إلى كوادر تمتلك مهارات الابتكار والبحث العلمي والعمل التشاركي، وتحويل الأفكار إلى مشاريع ذات أثر اقتصادي واجتماعي. ومن هنا تتكامل أدوار المدارس والجامعات ومراكز البحث العلمي في اكتشاف الطاقات الشابة واحتضانها، بما يسهم في تحويل المعرفة إلى قيمة مضافة تدعم الاقتصاد الوطني.
ومن هذا المنطلق، يكتسب التعاون الخليجي أهمية متزايدة في تطوير منظومة التعليم الأخضر، من خلال تبادل الخبرات، وإطلاق المبادرات البحثية المشتركة، وتعزيز الشراكات بين الجامعات والمؤسسات التعليمية ومراكز الابتكار.
وتمثل جامعة الخليج العربي نموذجًا لهذا التكامل، بما تضطلع به من دور في إعداد الكفاءات، ودعم البحث العلمي، وإيجاد حلول مبتكرة للتحديات البيئية والتنموية المشتركة، بما يعزز بناء اقتصاد معرفي أكثر استدامة وتنافسية على مستوى دول مجلس التعاون.
ولا يكتمل نجاح هذه المنظومة دون شراكة فاعلة بين المؤسسات التعليمية والأسرة والقطاعين العام والخاص. فالقطاع الخاص لم يعد شريكًا في التنمية الاقتصادية فحسب، بل أصبح شريكًا في بناء الإنسان من خلال دعم المبادرات التعليمية، ورعاية الابتكار، وتهيئة البيئة المناسبة لتحويل الأفكار الواعدة إلى تطبيقات عملية.
ومن هنا، تبرز أهمية إنشاء صناديق استثمارية متخصصة لدعم المشاريع المبتكرة في مجالات الاستدامة والتقنيات الخضراء، بالشراكة بين القطاعين العام والخاص.
فهذه الصناديق تمثل أداة استراتيجية لتحفيز الابتكار، وتعزيز التنافسية وريادة الأعمال، واحتضان المشاريع الطلابية والبحثية، وتحويلها إلى منتجات وتقنيات قابلة للتطوير والاستثمار، بما يفتح آفاقًا جديدة للنمو الاقتصادي المستدام.
إن التعليم الأخضر ليس مشروعًا تعليميًا فحسب، بل استثمارا وطنيا وإقليميا في الإنسان. فكل مدرسة تغرس قيم الاستدامة، وكل شراكة تدعم الابتكار، وكل فكرة تجد طريقها إلى التطبيق، تمثل خطوة نحو مستقبل أكثر ازدهارًا، تُواصل فيه البحرين، بالتعاون مع محيطها الخليجي، بناء نموذج تنموي يجعل الإنسان محور التنمية، والابتكار ركيزة التقدم، والاستدامة أسلوب حياة للأجيال القادمة يعزز من قيمة المواطنة التي تجعل الانسان الواعي ركيزة للتنمية المستدامة لنهضة المجتمع وتقدمه.
{ أستاذ الهندسة البيئية
المساعد بجامعة الخليج العربي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك