العدد : ١٧٦٤٧ - الجمعة ١٧ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٤٧ - الجمعة ١٧ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

التعليم الأخضر في البحرين.. استثمار في الإنسان وشراكة لصناعة المستقبل

بقلم: د. سمية يوسف حسن

الجمعة ١٧ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

أصبحت‭ ‬الاستدامة‭ ‬اليوم‭ ‬خيارًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬يعيد‭ ‬صياغة‭ ‬أولويات‭ ‬التنمية،‭ ‬ويجعل‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬والمعرفة‭ ‬والابتكار‭ ‬أساسًا‭ ‬لبناء‭ ‬مستقبل‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تواصل‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬ترسيخ‭ ‬نهجها‭ ‬التنموي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دعم‭ ‬التعليم‭ ‬بوصفه‭ ‬المحرك‭ ‬الرئيسي‭ ‬لإعداد‭ ‬أجيال‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الإسهام‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬وتعزيز‭ ‬التنافسية‭ ‬الوطنية‭.‬

ويمثل‭ ‬التعليم‭ ‬الأخضر‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬ملامح‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬إدراج‭ ‬المفاهيم‭ ‬البيئية‭ ‬في‭ ‬المناهج،‭ ‬بل‭ ‬يؤسس‭ ‬لثقافة‭ ‬تعليمية‭ ‬متكاملة‭ ‬تنمي‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬والإبداع،‭ ‬وتربط‭ ‬المعرفة‭ ‬بالتطبيق،‭ ‬وتعزز‭ ‬لدى‭ ‬الطلبة‭ ‬قيم‭ ‬المسؤولية‭ ‬تجاه‭ ‬البيئة‭ ‬والمجتمع‭. ‬فالمدرسة‭ ‬الخضراء‭ ‬ليست‭ ‬مبنى‭ ‬صديقًا‭ ‬للبيئة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬منظومة‭ ‬تربوية‭ ‬تُعد‭ ‬الطلبة‭ ‬ليكونوا‭ ‬شركاء‭ ‬في‭ ‬ابتكار‭ ‬الحلول‭ ‬وصناعة‭ ‬المستقبل‭.‬

ويكتسب‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬أهمية‭ ‬متزايدة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬العالمية‭ ‬نحو‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأخضر،‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الدائري،‭ ‬والتقنيات‭ ‬النظيفة،‭ ‬حيث‭ ‬تتنامى‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬كوادر‭ ‬تمتلك‭ ‬مهارات‭ ‬الابتكار‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭ ‬والعمل‭ ‬التشاركي،‭ ‬وتحويل‭ ‬الأفكار‭ ‬إلى‭ ‬مشاريع‭ ‬ذات‭ ‬أثر‭ ‬اقتصادي‭ ‬واجتماعي‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تتكامل‭ ‬أدوار‭ ‬المدارس‭ ‬والجامعات‭ ‬ومراكز‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬اكتشاف‭ ‬الطاقات‭ ‬الشابة‭ ‬واحتضانها،‭ ‬بما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬المعرفة‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬تدعم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬يكتسب‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬أهمية‭ ‬متزايدة‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬منظومة‭ ‬التعليم‭ ‬الأخضر،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تبادل‭ ‬الخبرات،‭ ‬وإطلاق‭ ‬المبادرات‭ ‬البحثية‭ ‬المشتركة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الشراكات‭ ‬بين‭ ‬الجامعات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬ومراكز‭ ‬الابتكار‭.‬

وتمثل‭ ‬جامعة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬نموذجًا‭ ‬لهذا‭ ‬التكامل،‭ ‬بما‭ ‬تضطلع‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬الكفاءات،‭ ‬ودعم‭ ‬البحث‭ ‬العلمي،‭ ‬وإيجاد‭ ‬حلول‭ ‬مبتكرة‭ ‬للتحديات‭ ‬البيئية‭ ‬والتنموية‭ ‬المشتركة،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬بناء‭ ‬اقتصاد‭ ‬معرفي‭ ‬أكثر‭ ‬استدامة‭ ‬وتنافسية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭.‬

ولا‭ ‬يكتمل‭ ‬نجاح‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬دون‭ ‬شراكة‭ ‬فاعلة‭ ‬بين‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬والأسرة‭ ‬والقطاعين‭ ‬العام‭ ‬والخاص‭. ‬فالقطاع‭ ‬الخاص‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬شريكًا‭ ‬في‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬شريكًا‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دعم‭ ‬المبادرات‭ ‬التعليمية،‭ ‬ورعاية‭ ‬الابتكار،‭ ‬وتهيئة‭ ‬البيئة‭ ‬المناسبة‭ ‬لتحويل‭ ‬الأفكار‭ ‬الواعدة‭ ‬إلى‭ ‬تطبيقات‭ ‬عملية‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬إنشاء‭ ‬صناديق‭ ‬استثمارية‭ ‬متخصصة‭ ‬لدعم‭ ‬المشاريع‭ ‬المبتكرة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الاستدامة‭ ‬والتقنيات‭ ‬الخضراء،‭ ‬بالشراكة‭ ‬بين‭ ‬القطاعين‭ ‬العام‭ ‬والخاص‭.‬

فهذه‭ ‬الصناديق‭ ‬تمثل‭ ‬أداة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لتحفيز‭ ‬الابتكار،‭ ‬وتعزيز‭ ‬التنافسية‭ ‬وريادة‭ ‬الأعمال،‭ ‬واحتضان‭ ‬المشاريع‭ ‬الطلابية‭ ‬والبحثية،‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬منتجات‭ ‬وتقنيات‭ ‬قابلة‭ ‬للتطوير‭ ‬والاستثمار،‭ ‬بما‭ ‬يفتح‭ ‬آفاقًا‭ ‬جديدة‭ ‬للنمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المستدام‭.‬

إن‭ ‬التعليم‭ ‬الأخضر‭ ‬ليس‭ ‬مشروعًا‭ ‬تعليميًا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬استثمارا‭ ‬وطنيا‭ ‬وإقليميا‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭. ‬فكل‭ ‬مدرسة‭ ‬تغرس‭ ‬قيم‭ ‬الاستدامة،‭ ‬وكل‭ ‬شراكة‭ ‬تدعم‭ ‬الابتكار،‭ ‬وكل‭ ‬فكرة‭ ‬تجد‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬التطبيق،‭ ‬تمثل‭ ‬خطوة‭ ‬نحو‭ ‬مستقبل‭ ‬أكثر‭ ‬ازدهارًا،‭ ‬تُواصل‭ ‬فيه‭ ‬البحرين،‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬محيطها‭ ‬الخليجي،‭ ‬بناء‭ ‬نموذج‭ ‬تنموي‭ ‬يجعل‭ ‬الإنسان‭ ‬محور‭ ‬التنمية،‭ ‬والابتكار‭ ‬ركيزة‭ ‬التقدم،‭ ‬والاستدامة‭ ‬أسلوب‭ ‬حياة‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة‭ ‬يعزز‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬المواطنة‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الانسان‭ ‬الواعي‭ ‬ركيزة‭ ‬للتنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬لنهضة‭ ‬المجتمع‭ ‬وتقدمه‭.‬

{‭ ‬أستاذ‭ ‬الهندسة‭ ‬البيئية

المساعد‭ ‬بجامعة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا