بينما كان العالم بأسره منشغلا بمتابعة تطورات الحرب الإيرانية، وهشاشة وقف إطلاق النار في لبنان، وبرنامج ترامب التلفزيوني -المعروف بـ«مجلس السلام»- في قطاع غزة، كانت إسرائيل تُنفّذ برنامج فصل عنصري يهودي ممنهج لا يحظى بالتغطية الإعلاميًة في الضفة الغربية.
يتعلق الأمر بعملية تطهير عرقي بطيئة مُتعمّدة، وموثّقة، يتم التطبيع لها من قِبَل صحفيين مترددين، ووسائل إعلام مُتغلغلة، ومحررين مُتحيّزين إلى درجة تمنعهم من القيام بأي تغطية صادقة.
تكشف الأرقام عن واقعٍ تغفل عنه وسائل الإعلام الغربية الخاضعة للإدارة الصهيونية؛ إذ تشهد الضفة الغربية أكبر عملية تهجير قسري للسكان منذ عام 1967، وذلك وفقاً لإفادة قُدِّمت مؤخراً إلى مجلس الأمن الدولي.
لقد أدت ممارسات تشمل تحركات جماعات يهودية متطرفة بدعم إسرائيلي، وقيوداً صارمة على التنقل، وعمليات هدم للمنازل، وقمعاً عسكرياً قائماً على التمييز العنصري، إلى إطلاق شرارة أسوأ موجة من الاقتلاع الممنهج للسكان منذ ما يقرب من ستة عقود.
ونتيجة لهذه السياسة العنصرية والاستيطانية الممنهجة فقد تم اقتلاع أكثر من 33 ألف فلسطيني من مخيمات اللاجئين في جنين وطولكرم والفارعة وحدها.
وقد أفادت أكثر من 70 في المائة من الأسر النازحة بأن التهديدات الموجهة ضد النساء والأطفال -بما في ذلك الانتهاكات ذات الطابع الجنسي التي ترتكبها القوات الإسرائيلية- كانت عاملاً حاسماً في قرارهم بالنزوح والمغادرة.
لقد خصصت إسرائيل مبلغ 338 مليون دولار، تم توفير جزء كبير منها عبر تبرعات من منظمات أمريكية معفاة من الضرائب لتوسيع المستوطنات غير القانونية المخصصة لليهود فقط والبؤر الاستيطانية الشبابية الصهيونية على أراضي الضفة الغربية المحتلة.
وفي الوقت نفسه تتسارع وتيرة نقل ملكية الأراضي لتصبح حكراً على اليهود في «المنطقة ج» (Area C)، التي تشكل 61 في المائة من إجمالي مساحة الضفة الغربية.
في الوقت ذاته تستضيف المعابد اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية فعاليات عقارية عديدة لتسويق وحدات سكنية في هذه المستوطنات الحصرية للمشترين من اليهود الأمريكيين.
وهكذا، يجد دافعو الضرائب الأمريكيون أنفسهم يمولون -فعلياً- كيانات مخصصة لليهود فقط، بينما تقوم المعابد المعفاة من الضرائب بتسويق بيع أراضٍ فلسطينية تم الاستيلاء عليها وتهجير سكانها، ما يعزز نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.
هذا ليس نتاجاً لما يُسمى حرب «الدفاع عن النفس»، بل هو جزء من سياسة استعمارية يتم تمويل جانب منها من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين عبر منظمات معفاة من الضرائب تعمل تحت غطاء العمل الخيري الصهيوني، بشقيه اليهودي والمسيحي.
إن التبرعات التي تتمتع بنفس الحماية التي تمنحها مصلحة الضرائب الأمريكية (IRS) لبنوك الطعام أو مستشفيات الأطفال، باتت تُموِّل عمليات التطهير العرقي للفلسطينيين وإنشاء مستوطنات مخصصة لليهود فقط على أراضٍ مسلوبة؛ وبذلك، تحول قانون الضرائب الأمريكي إلى شريك في تعزيز نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) الإسرائيلي.
لا يمثل التهجير السلاح الوحيد؛ إذ يوثق تقريرٌ صادر عن «التجمع النسوي الفلسطيني» يقع في 188 صفحة ويحمل عنوان «دولة مفترسة: العنف الإسرائيلي الممنهج القائم على النوع الاجتماعي والجنساني ضد الفلسطينيين».
إن ما كان الفلسطينيون يدركونه منذ أمدٍ بعيد، وما امتنعت الصحافة الغربية طويلاً عن نشره هو أن العنف الجنسي الذي تمارسه القوات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في أماكن الاحتجاز ليس مجرد حالات شاذة أو فردية، بل هو ممارسة مؤسسية وممنهجة ومستمرة منذ عقود.
في شهر مارس الماضي، ألغى المدعون العسكريون الإسرائيليون لوائح الاتهام ضد جنودٍ ظهروا في مقطع فيديو وهم يقومون بالاعتداء جنسياً على معتقل فلسطيني في منشأة «سدي تيمان» للاحتجاز.
وقد انتقد وزير الأمن القومي العنصري بن غفير المؤسسة العسكرية لمحاولتها توجيه اتهامات لهم من الأساس. ولم تتبع ذلك أي مساءلة، ولم تكن هناك نية لإجرائها أصلاً؛ فهذا هو الإفلات من العقاب الذي يتطلبه نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد)، وهذا هو الصمت الذي يُديم بقاءه.
تُموّل المؤسسات المؤيدة لإسرائيل مراكزَ أبحاثٍ ومؤسساتٍ إعلاميةً ترسم أطر النقاش المقبول قبل كتابة كلمة واحدة؛ إذ تعمل خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي على حجب المنشورات الفلسطينية، وفي المقابل تضخّم البيانات العسكرية الإسرائيلية وتُقدّمها على أنها حقائق موثوقة.
لقد تحوّل تطبيق «تيك توك» إلى «خطر أمني صيني» بمجرد خروجه عن نطاق السيطرة الخوارزمية لتلك الجهات؛ فقد مارس الصهاينة الأمريكيون ضغوطاً على الكونغرس لإجباره على بيع التطبيق، وذلك لضمان انضمام آخر منصة كبرى للتواصل الاجتماعي إلى ركب المنصات الأمريكية الأخرى، لتصبح جميعها خاضعةً لسيطرة جهاتٍ تضع مصلحة إسرائيل في المقام الأول.
إن النفوذ الصهيوني على وسائل التواصل الاجتماعي ليس مجرد نظرية مؤامرة، بل هو استراتيجية مُعلنة صراحةً. ففي يوم 26 سبتمبر 2025، وخلال اجتماع مع مؤثرين أمريكيين (يتقاضون أجراً) في القنصلية العامة الإسرائيلية في نيويورك، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وسائل التواصل الاجتماعي بأنها «السلاح الأهم».
وقد أشاد نتنياهو باستحواذ صهيوني -يضع إسرائيل على رأس أولوياته- على منصة «تيك توك»، واصفاً إياه بأنه «أهم عملية شراء.. في الوقت الراهن»، مؤكداً أن توسيع الهيمنة الصهيونية من وسائل الإعلام التقليدية إلى المنصات الرقمية يُعد أمراً جوهرياً لإبقاء الجماهير الغربية بأكملها أسيرةً للأكاذيب الإسرائيلية وللدعاية الممنهجة (الـ«هسبارا») المصطنعة.
كان استثناء نادراً في شهر مايو 2026، حين نشر نيكولاس كريستوف -كاتب العمود في صحيفة «نيويورك تايمز» والحائز جائزة بوليتزر- تحقيقاً صحفياً يقع في 3700 كلمة بعنوان «الصمت الذي يواجه اغتصاب الفلسطينيين».
وقد أجرى هذا الكاتب الصحفي مقابلات مع 14 رجلاً وامرأة من الفلسطينيين، وصفوا فيها تعرضهم لاعتداءات جنسية على يد حراس سجون وجنود ومستوطنين ومحققين إسرائيليين.
ومن بين تلك الشهادات أفاد رجل بأنه تعرض للاغتصاب ثلاث مرات في يوم واحد، وروت شابة أنها أُجبرت على التعري وتعرضت للإساءة في بداية كل نوبة عمل، بينما ذكرت أخرى أن المحققين عرضوا عليها صوراً لعملية اغتصابها وهددوا بنشرها ما لم تتعاون مع الاستخبارات الإسرائيلية. بل إن ثلاثة أطفال محتجزين في السجون الإسرائيلية قد أبلغوا عن تعرضهم لانتهاكات جنسية.
كان رد فعل إسرائيل كاشفاً للحقائق بقدر ما كان التقرير نفسه كذلك؛ فبدلاً من دحض أي نتيجة من النتائج التي وثّقها الكاتب الصحفي نيكولاس كريستوف -الحائز جائزة بوليتزر مرتين- لجأ نتنياهو إلى أقدم الأساليب المعهودة: لعب دور الضحية، والادعاء بوجود «فرية الدم»، والتهديد بمقاضاة صحيفة «نيويورك تايمز».
إن ممارسات الترهيب التي تمارسها إسرائيل ضد النشطاء الأمريكيين المنتقدين لها وضد وسائل الإعلام لا تهدف في جوهرها إلى معالجة قضايا التشهير أو حتى السعي لكسب القضايا في المحاكم؛ إنما هي استراتيجية ردع تهدف إلى رفع التكلفة المالية لتغطية جرائم الحرب الإسرائيلية إلى حد يجعل المحررين يترددون ملياً قبل الموافقة على نشر أي تحقيق صحفي قادم.
وعندما تنجح التقارير الموثوقة في الظهور رغم كل شيء -كما حدث مع تقرير كريستوف- يلجأ الصهاينة إلى استغلال المحاكم الأمريكية كسلاح لإسكاتها، جاعلين من جرائم الحرب الإسرائيلية استثناءً وحيداً من مبادئ التعديل الأول للدستور الأمريكي.
{ كاتب فلسطيني مقيم في الولايات المتحدة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك