تنفس المجتمع الدولي الصعداء بعد توقيع الاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران الذي يقضي بوقف إطلاق النار وفتح مضيق هرمز من دون مقابل أو رسوم، كما يقضي بإجراء مفاوضات بين الطرفين خلال 60 يوما لحل معضلة التخصيب النووي الإيراني وغير ذلك من الجوانب المرتبطة بهذا الاتفاق بما في ذلك البحث في رفع العقوبات عن إيران والسماح لها بالحصول على جانب من أموالها المجمدة في البنوك عبر العالم.
تنفس العالم والإقليم بوجه خاص الصعداء لأن الجميع كانوا في حالة تفاؤل بأن الحرب انتهت بلا عودة وأن المفاوضات سوف تؤدي إلى الوصول إلى حل وسط يرضي الطرفين، ولكن ما تلا ذلك كان اختراقا متكررا من قبل إيران لهذا الاتفاق، خاصة فيما يتعلق بمضيق هرمز وقيام الولايات المتحدة الأمريكية بالرد عليها في كل مرة حتى أصبحت التطورات تؤشر إلى احتمالات العودة إلى الحرب الشاملة بين الطرفين وآثارها السلبية على العالم وعلى الإقليم بوجه خاص.
ومن المؤسف ان دول الخليج العربية هي من تتعرض للاعتداءات الإيرانية في كل مرة تعود الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران فدولنا هي التي تدفع ثمن هذه الحرب التي لا علاقة لها بها منذ البداية، ومع ذلك فإن هذه الدول لا يتم إشراكها في هذه المفاوضات التي يفترض ان تشارك فيها دول الخليج العربية حتى لا تتحول إيران إلى طرف يعطي نفسه حقوقا ليست له وفق القوانين الدولية من خلال التحكم في مضيق هرمز الحيوي بالنسبة للتجارة والاقتصاد الخليجي.
إن التوقعات المحتملة لعودة الحرب بين الطرفين أصبحت في تزايد وتميل إلى نوع من حرب الاستنزاف طويلة المدى وفرض حصار بحري يستمر ربما عدة أشهر لشل حركة الملاحة في المنطقة بدلا من الغزو الأمريكي البري الذي لا ترغب فيه حاليا الولايات المتحدة الأمريكية لأنه قد يصبح مكلفا ماديا وبشريا خاصة بعد تجربة الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان والعراق وقبلها فيتنام، لان الغزو البري مكلف سياسيا واقتصاديا، ولذلك فإن الاحتمال الأول في ظل التعنت الإيراني وسيطرة اتجاهات الحرب على القرار السياسي في إيران وميله إلى نوع من التوحش ينسجم مع نظام العصابات، ولهذا يصبح من الصعب الوصول إلى حل سليم ومستدام.
قد يكون الحصار البحري لإيران تحديدا مكلفا حتى بالنسبة الى دول المنطقة بسبب تأثر حركة التجارة عبر مضيق هرمز، ولكن قد يؤدي إلى إجبار طهران على تقديم تنازلات أقرب إلى الهزيمة. ونستذكر هنا كيف انتهت الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت 8 سنوات، حيث لم تتوقف هذه الحرب إلا بعد هزيمة إيران، مما اضطر الخميني الموافقة على وقف إطلاق النار معلنا ان ذلك يشكل تجرعا للسم كما قال.
ولذلك فلا يمكن حتى في هذه المواجهة الجديدة أن تتوقف إيران عن عنادها وتدخلها في شؤون الدول الأخرى وتعريفها كدولة عصابات إلا إذا ألحقت بها الهزيمة الاستراتيجية الشاملة عسكريا واقتصاديا وسياسيا وأيديولوجيا أيضا، لأن البعد العقائدي هو الأساس في هذا التطرف العدواني الذي يتحكم في القرار السياسي والاقتصادي والعسكري الإيراني.
وطالما لم يتم إلحاق الهزيمة بقوى التطرف في ايران، وخاصة الحرس الثوري، فإنه لا يمكن إجبار طهران على تقديم تنازلات نووية جوهرية وأيضا بخصوص تأمين خطوط الملاحقة في المضيق وسط صراع جيوسياسي واسع أثر على خطوط التجارة العالمية.
ولهذا فمن المتوقع ان العالم سيضطر في النهاية إلى التدخل للضغط على إيران وإجبارها على وقف التصعيد والتعامل بواقعية من خلال إنهاء برنامجها النووي ومنعها من امتلاك سلاح نووي والتدخل لوقف محاولات التحكم في ممر التجارة الدولي واعادتها إلى حجمها الطبيعي كدولة عادية.
ان هذا أمر ليس ببعيد المنال إذا ما زاد الضغط العالمي على النظام الإيراني مما يجبره على توقيع اتفاق جديد يدعو إلى تقييد الطموح النووي الإيراني وتقييد التخصيب مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية والنفطية، وهذا سيؤدي في النهاية إلى تحجيم الخطر الإيراني على المنطقة والعالم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك