بعد تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، عادت العمليات العسكرية بين أمريكا وإيران للظهور مجددا وسط توترات مرتبطة بالسيطرة على الملاحة في مضيق هرمز، حيث بدأ الحرس الثوري بإطلاق النار على السفن التجارية العابرة لمضيق هرمز، الأمر الذي اعتبره الرئيس ترامب انتهاكا صارخا لبنود مذكرة التفاهم الموقعة بينهما في السابع عشر من الشهر الماضي، وهو ما دفعه إلى استئناف الهجمات على أهداف إيرانية، وقامت إيران بالرد ليس على مصادر النيران الأمريكية، ولكن وجهت صواريخها نحو دول الخليج العربية، ثم قامت بغلق مضيق هرمز أمام الملاحة العالمية.
هذه التصرفات، أثارت ردود فعل غاضبة لدى الرئيس ترامب، عبر عنها بكلمات حادة استخدمها في توصيف القادة الإيرانيين خلال اجتماع حلف الناتو بأنقرة، وقرر عقابهم على أفعالهم بتوجيه عدة ضربات عسكرية شملت عدة مدن إيرانية.
إن المتابع للمشهد الأمريكي – الإيراني، سيدرك أن الاتفاق الموقع بينهما كان هشاً لدرجة أن أي اختلاف يظهر بينهما يؤدي إلى لجوء كل منهما إلى الخيار العسكري. في نظري أن هذا التصرف ناتج عن سوء فهم لبنود مذكرة التفاهم، حيث يفسر كل منهما البنود وفقاً لرؤيته الأمر الذي يتسبب في الاختلاف بينهما، ومن ثم يلجأ كل طرف إلى استخدام لغة النار بدلا من المفاوضات كحل للخلافات.
إن المتضرر الأكبر من عودة الحرب هو دول الخليج، بسبب أن بلدانهم تتحول إلى ساحة للقتال، وهذا ناتج عن ان مذكرة التفاهم لم تتضمن بنداً ينص صراحة على عدم اعتداء إيران على دول الخليج في حال نشوب عمليات عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران.
الأمر الذي جعل دول الخليج هدفاً مباشراً لصواريخ إيران في كل مرة يقوم فيها الجيش الأمريكي بقصف إيران، وهذا ليس له إلا تفسير واحد وهو أن إيران لا تحترم الدول الخليجية، أو سيادتها، حيث تفكر بعقلية «شرطي الخليج» كما كانت في عهد الشاه، بحسب ما ذكر محمد الرميحي في مقالاته الأخيرة.
وبناءً على هذا الاعتقاد، تتصرف إيران مع مضيق هرمز الذي بات الورقة الرئيسية التي تلعب بها في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة. والملاحظ أنها تستخدم هذه الورقة بإفراط شديد، لأنها اكتشفت أهميتها ومدى تأثيرها على جميع دول العالم. ونتيجة لذلك بدأت تستغل هذه الورقة بأقصى ما يمكنها، مع ان هذا الممر المائي الحيوي كان حتى وقت قريب ممرا مفتوحا للملاحة وفق القانون الدولي.
إن استمرار إيران في توجيه ضرباتها العسكرية نحو الدول الخليجية بدلا من توجيه صواريخها إلى حاملات الطائرات، والبوارج الأمريكية الراسية في مياه الخليج، لأنها اقل من ان تواجه القوة الامريكية وتخشى عواقب إلحاق خسائر كبيرة بها، ولهذا تواصل اعتداءاتها على دول المنطقة.
من هنا نقول لإيران «وبالفم المليان» إن الفرضية الإيرانية إزاء دول الخليج فرضية خاطئة؛ لأن هذه الدول لديها القدرة على الرد بقوة على أهداف في أعماق إيران، وعلى عكس ما تعتقد طهران، لكن قادة الخليج أحرص على بلدانهم من حكام طهران، لذا تبنوا سياسة «الهدوء والحكمة» في تعاملهم مع الأزمة منذ بدايتها تجنباً لتوسيع دائرة الحرب، وإيثار الحلول الدبلوماسية، وهذا التصرف ليس نابعاً من عدم القدرة على الرد كما يتصور الإيرانيون، وإنما من منطق المحافظة على منجزات دولهم التي تم تحقيقها عبر السنوات الماضية، وهنا يكمن الفرق بينهم وبين قادة إيران الذين يتصرفون وفق منطق الثورة حتى الآن.
فالخليجيون يعون جيداً ما تخلفه الحروب من مآس، لكن هذا لا يعني أنهم إذا فرضت عليهم الحرب سيقفون متفرجين عليها من بعيد لاحول ولا قوة لهم؛ فدول مجلس التعاون الخليجي تمتلك قدرات دفاعية متطورة ومنظومات تسليح متكاملة، وجاهزية قادرة على حماية بلدانهم من أي اعتداء. وبالتأكيد سيأخذون في اعتبارهم المتغيرات المستجدة على الساحة العسكرية، وسيتعاملون معها على أسس جديدة قد تدفعهم إلى تغيير قواعد اللعبة السياسية والعسكرية، وهذا أمر غير مستبعد إذا استمرت إيران في عدوانها وغيها.
لذلك على طهران، أن تعيد النظر في قراءة الرسائل السياسية والدبلوماسية الخليجية، من أجل فهمها، وحسن تفسيرها، وألا تأخذها العزة بالإثم، وتستمر في غرورها وغطرستها، لأن مواقف دول الخليج لن تظل ثابتة، فقد تتغير؛ فهي مرهونة بتطور الأحداث حيث يرى مراقبون أن هذه السياسة الحكيمة التي تنتهجها دول الخليج قد ينفد وقتها، ويحدث تحول في السياسة الخليجية.
ولذلك على إيران أن تجنح للسلام، وتكف عن سلوكها العدواني إزاء الخليج، فهذا الأمر ينسجم مع مصالح شعبها، وعليها أن تتحرك في اتجاه ضبط إيقاع اللعبة العسكرية الطائشة، وتتجنب التصعيد العسكري؛ لأن ذلك سيكلفها أثمانا باهظة، لكن إذا استمرت في سلوكها العدواني فإن ذلك قد يدفع الخليجيين إلى تغيير قواعد التعامل المعتادة – وهم بالمناسبة قادرون على فعل ذلك – فالرسالة التي يوجهونها واضحة وهي التأكيد على أن ضبط النفس ليس ضعفاً بل استراتيجية لحفظ الأمن والاستقرار لكافة شعوب المنطقة والعالم.
وليعلم الإيرانيون، ان دول الخليج التي لا تريد الحرب، وكل تحركاتها تذهب في اتجاه السلام والأمن والاستقرار للمنطقة، لكن في الوقت ذاته لا تقبل إطلاقا أن يملي عليها أحد شروط هذا الاستقرار، فأهل الخليج أدرى بمصالحهم.
لهذا نقول، إن أول خطوة ينبغي أن تقوم بها إيران في اتجاه التفاهم مع دول الخليج العربية هي التخلي عن الأحلام التي تراودها بشأن الهيمنة على المنطقة.
في المقابل على دول الخليج أن تدرك جيداً أن إيران لن تقوم بهذه الخطوة إلا في حالة واحدة وهي عندما تشعر بأنها أمام كتلة واحدة وليس جزرا متباعدة. ولهذا فإن هذه المرحلة تتطلب من الدول الخليجية الوقوف صفاً واحدا إزاء الصلف والتعنت الإيراني.
وبناء على ذلك، فإنه من غير المقبول وقوف أي دولة خليجية في المنطقة الرمادية، أو الوقوف على الحياد من الأزمة الحالية بحجة أن ذلك يفيد المسار الدبلوماسي؛ فهذا الخيار مرفوض خاصة بعد أن اتضحت الرؤية، وكشفت إيران عن وجهها الحقيقي في تعاملها مع دول الخليج عندما وجهت صواريخها ومُسيْراتها إلى جميع هذه الدول من دون أن تستثني أحداً منها.
ولعل تصريحات علي خضريان عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني أكثر دليل على أن إيران تنظر الى دول الخليج مجتمعة بنزعة عدوانية حين قال: «إن إيران سواء مع عمان أو بدونها، لن تتراجع عن مضيق هرمز الاستراتيجي، وستفرض إرادتها عليه، أما عمان فإما أن تتماشى معنا في هذا الأمر، او انه في حال رفضت التعاون وحاولت مساعدة العدو في خفاء، فإن إيران لن تستثني أراضيها أيضاً من ضربات صواريخها». اعتقد أن الرسالة الإيرانية واضحة ولا تحتاج إلى تعليق فهل من مُّدَّكِر.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك