لفت انتباهي المقال الذي كتبه الزميل والإعلامي موسى عساف بعنوان "كوميديا خارج النص.. حين يصبح الابتذال وسيلة للإضحاك" والمنشور في صحيفة البلاد يوم السبت 11 يوليو 2026. رغم إن عساف لم يذكر أي فيلم كان يقصده تحديدًا في مقاله، إلا إن ما طرحه يتجاوز عملًا فنيًا بعينه، ويفتح بابًا واسعًا للنقاش حول واقع تعيشه بعض إنتاجات السينما والدراما والمسرح اليوم. ومن هنا، فإن حديثي لا ينصرف إلى فيلم محدد أو صناع عمل بعينه، بل إلى ظاهرة تستحق التأمل.
أتفق مع الزميل عساف في أن جزءًا من الصناعة الفنية أصبح يراهن على الإيحاءات والابتذال بوصفها طريقًا مختصرًا إلى الضحك أو إثارة الجدل أو تحقيق الإيرادات. وكأن النص العميق، والفكرة الذكية، والحوار المتقن، لم تعد كافية لجذب الجمهور، فاستُبدلت أحيانًا بمشاهد صادمة أو عبارات موحية يُراد لها أن تصبح معيارًا للجرأة.
ما شغلني بعد قراءة مقاله ليست المشاهد التي تحدث عنها فقط، بل إن تركيزي انصرف بعمق للمشاهد الذي يشاهد ذلك العمل أو تلك الأعمال؛ فالفن هو أحد أكثر الأدوات قدرة على تشكيل الوعي والذائقة واللغة والسلوك، وما تعرضه السينما، وما تقوله الدراما، وما يقدمه المسرح، لا ينتهي بانتهاء العرض، بل قد يستقر في الذاكرة ويتحول، مع الوقت، إلى جزء من الطريقة التي يرى بها الإنسان العالم.
قد يقول البعض إن هذه الأعمال تحمل تصنيف “للكبار فقط”، لكن هل أصبح هذا التصنيف كافيًا في عصر المنصات الرقمية والهواتف الذكية؟ وهل يستطيع أحد أن يضمن أن الطفل أو المراهق لن يشاهد هذا المحتوى؟
الواقع يقول إن الأجيال الأصغر أصبحت الأكثر استهلاكًا للمحتوى المرئي، وربما أكثر من الكبار أنفسهم.
ماذا يحدث عندما ينشأ طفل أو مراهق وهو يعتقد أن السخرية لا تكتمل إلا بالإيحاء، وأن الكوميديا لا تُصنع إلا بكسر الذوق العام؟ ألسنا، بطريقة غير مباشرة، نشارك في إعادة تشكيل مفهومه للضحك، وللغة، وللعلاقات الإنسانية؟
والحقيقة أن القضية لا تتوقف عند الصغار فقط، ونحن كبشر لا نستقبل العمل الفني بالطريقة نفسها، فالعقول ليست متشابهة، ولا درجات الوعي واحدة، ولا النضج الفكري أو النفسي متساويًا بين الجميع.
هناك من يشاهد مشهدًا ثم يمر عليه مرورًا عابرًا، أو كما نقول "يمر عليه مرور الكرام" وهناك من يتأثر به، أو يبرره، أو يعيد إنتاجه في حياته اليومية. لذلك فإن الافتراض بأن كل من تجاوز سنًا معينة يمتلك القدرة نفسها على التمييز بين الفن والواقع، أو بين الرسالة والوسيلة، هو افتراض لا يعكس تعقيد النفس البشرية.
إنني حقاً أتساءل هل وظيفة الفن أن يعكس ما يطلبه السوق فقط؟ أم أن من مسؤوليته أيضًا أن يسهم في الارتقاء بالذائقة العامة؟
لا أدعو إلى رقابة تخنق الإبداع، ولا إلى فن مثالي يخلو من الجرأة أو الاختلاف، فالجرأة كانت دائمًا جزءًا من تاريخ الفنون العظيمة. لكن الجرأة الحقيقية هي التي تطرح فكرة جديدة، أو تهز قناعة راسخة، أو تفتح أفقًا للتأمل، لا تلك التي تكتفي بإثارة الغرائز أو كسر المحظورات لتحقيق ضحكة سريعة أو رقم أعلى في شباك التذاكر.
لقد خلدت أعمال سينمائية ومسرحية عظيمة لأنها احترمت عقل المشاهد، ولم تراهن على صدمته، بل إنها تركت أثرًا لأنها خاطبت الإنسان في داخله، لا فضوله العابر. وهذا ما يجعلها حاضرة حتى اليوم، رغم تغير الأزمنة.
ولعل السؤال الذي طرحه الزميل موسى عساف يستحق أن يبقى مطروحًا، لا بوصفه اعتراضًا على فيلم، بل بوصفه مراجعة لصناعة كاملة: هل ما زال الفن يقود الذائقة، أم أصبح يلهث خلفها؟ وهل نريد صناعة تبحث عن الإنسان، أم صناعة تبحث فقط عن الضحكة الأسهل والإيراد الأسرع؟
ربما لا تكون الإجابة واحدة، لكن المؤكد أن الفن الذي يراهن على وعي الإنسان يبقى أطول عمرًا من الفن الذي يراهن على غرائزه، لأن ما يثير الضحك للحظات قد يُنسى سريعًا، أما ما يوقظ الفكر فيبقى حيًا في الذاكرة طويلًا.
Fatema.y.Alyusuf@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك