العدد : ١٧٦٥٠ - الاثنين ٢٠ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٠ - الاثنين ٢٠ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٨هـ

مقالات

نجوم تحت الأضواء:
ردًا على الزميل موسى عساف..هل نتلقى العمل الفني بالطريقة ذاتها؟

{ بقلم: فاطمة اليوسف.

الجمعة ١٧ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

لفت‭ ‬انتباهي‭ ‬المقال‭ ‬الذي‭ ‬كتبه‭ ‬الزميل‭ ‬والإعلامي‭ ‬موسى‭ ‬عساف‭ ‬بعنوان‭ "‬كوميديا‭ ‬خارج‭ ‬النص‭.. ‬حين‭ ‬يصبح‭ ‬الابتذال‭ ‬وسيلة‭ ‬للإضحاك‭" ‬والمنشور‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬البلاد‭ ‬يوم‭ ‬السبت‭ ‬11‭ ‬يوليو‭ ‬2026‭. ‬رغم‭ ‬إن‭ ‬عساف‭ ‬لم‭ ‬يذكر‭ ‬أي‭ ‬فيلم‭ ‬كان‭ ‬يقصده‭ ‬تحديدًا‭ ‬في‭ ‬مقاله،‭ ‬إلا‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬طرحه‭ ‬يتجاوز‭ ‬عملًا‭ ‬فنيًا‭ ‬بعينه،‭ ‬ويفتح‭ ‬بابًا‭ ‬واسعًا‭ ‬للنقاش‭ ‬حول‭ ‬واقع‭ ‬تعيشه‭ ‬بعض‭ ‬إنتاجات‭ ‬السينما‭ ‬والدراما‭ ‬والمسرح‭ ‬اليوم‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬حديثي‭ ‬لا‭ ‬ينصرف‭ ‬إلى‭ ‬فيلم‭ ‬محدد‭ ‬أو‭ ‬صناع‭ ‬عمل‭ ‬بعينه،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬تستحق‭ ‬التأمل‭.‬

أتفق‭ ‬مع‭ ‬الزميل‭ ‬عساف‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الصناعة‭ ‬الفنية‭ ‬أصبح‭ ‬يراهن‭ ‬على‭ ‬الإيحاءات‭ ‬والابتذال‭ ‬بوصفها‭ ‬طريقًا‭ ‬مختصرًا‭ ‬إلى‭ ‬الضحك‭ ‬أو‭ ‬إثارة‭ ‬الجدل‭ ‬أو‭ ‬تحقيق‭ ‬الإيرادات‭. ‬وكأن‭ ‬النص‭ ‬العميق،‭ ‬والفكرة‭ ‬الذكية،‭ ‬والحوار‭ ‬المتقن،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬كافية‭ ‬لجذب‭ ‬الجمهور،‭ ‬فاستُبدلت‭ ‬أحيانًا‭ ‬بمشاهد‭ ‬صادمة‭ ‬أو‭ ‬عبارات‭ ‬موحية‭ ‬يُراد‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬معيارًا‭ ‬للجرأة‭.‬

ما‭ ‬شغلني‭ ‬بعد‭ ‬قراءة‭ ‬مقاله‭ ‬ليست‭ ‬المشاهد‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬عنها‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬تركيزي‭ ‬انصرف‭ ‬بعمق‭ ‬للمشاهد‭ ‬الذي‭ ‬يشاهد‭ ‬ذلك‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬الأعمال؛‭ ‬فالفن‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬الأدوات‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬الوعي‭ ‬والذائقة‭ ‬واللغة‭ ‬والسلوك،‭ ‬وما‭ ‬تعرضه‭ ‬السينما،‭ ‬وما‭ ‬تقوله‭ ‬الدراما،‭ ‬وما‭ ‬يقدمه‭ ‬المسرح،‭ ‬لا‭ ‬ينتهي‭ ‬بانتهاء‭ ‬العرض،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يستقر‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬ويتحول،‭ ‬مع‭ ‬الوقت،‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬يرى‭ ‬بها‭ ‬الإنسان‭ ‬العالم‭.‬

قد‭ ‬يقول‭ ‬البعض‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬تحمل‭ ‬تصنيف‭ ‬“للكبار‭ ‬فقط”،‭ ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬أصبح‭ ‬هذا‭ ‬التصنيف‭ ‬كافيًا‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬والهواتف‭ ‬الذكية؟‭ ‬وهل‭ ‬يستطيع‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬يضمن‭ ‬أن‭ ‬الطفل‭ ‬أو‭ ‬المراهق‭ ‬لن‭ ‬يشاهد‭ ‬هذا‭ ‬المحتوى؟

الواقع‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬الأجيال‭ ‬الأصغر‭ ‬أصبحت‭ ‬الأكثر‭ ‬استهلاكًا‭ ‬للمحتوى‭ ‬المرئي،‭ ‬وربما‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الكبار‭ ‬أنفسهم‭.‬

ماذا‭ ‬يحدث‭ ‬عندما‭ ‬ينشأ‭ ‬طفل‭ ‬أو‭ ‬مراهق‭ ‬وهو‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬السخرية‭ ‬لا‭ ‬تكتمل‭ ‬إلا‭ ‬بالإيحاء،‭ ‬وأن‭ ‬الكوميديا‭ ‬لا‭ ‬تُصنع‭ ‬إلا‭ ‬بكسر‭ ‬الذوق‭ ‬العام؟‭ ‬ألسنا،‭ ‬بطريقة‭ ‬غير‭ ‬مباشرة،‭ ‬نشارك‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬مفهومه‭ ‬للضحك،‭ ‬وللغة،‭ ‬وللعلاقات‭ ‬الإنسانية؟

والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬القضية‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬الصغار‭ ‬فقط،‭ ‬ونحن‭ ‬كبشر‭ ‬لا‭ ‬نستقبل‭ ‬العمل‭ ‬الفني‭ ‬بالطريقة‭ ‬نفسها،‭ ‬فالعقول‭ ‬ليست‭ ‬متشابهة،‭ ‬ولا‭ ‬درجات‭ ‬الوعي‭ ‬واحدة،‭ ‬ولا‭ ‬النضج‭ ‬الفكري‭ ‬أو‭ ‬النفسي‭ ‬متساويًا‭ ‬بين‭ ‬الجميع‭.‬

هناك‭ ‬من‭ ‬يشاهد‭ ‬مشهدًا‭ ‬ثم‭ ‬يمر‭ ‬عليه‭ ‬مرورًا‭ ‬عابرًا،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬نقول‭ "‬يمر‭ ‬عليه‭ ‬مرور‭ ‬الكرام‭" ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يتأثر‭ ‬به،‭ ‬أو‭ ‬يبرره،‭ ‬أو‭ ‬يعيد‭ ‬إنتاجه‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬اليومية‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬الافتراض‭ ‬بأن‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تجاوز‭ ‬سنًا‭ ‬معينة‭ ‬يمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬نفسها‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الفن‭ ‬والواقع،‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬الرسالة‭ ‬والوسيلة،‭ ‬هو‭ ‬افتراض‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬تعقيد‭ ‬النفس‭ ‬البشرية‭.‬

إنني‭ ‬حقاً‭ ‬أتساءل‭ ‬هل‭ ‬وظيفة‭ ‬الفن‭ ‬أن‭ ‬يعكس‭ ‬ما‭ ‬يطلبه‭ ‬السوق‭ ‬فقط؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬مسؤوليته‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬الارتقاء‭ ‬بالذائقة‭ ‬العامة؟

لا‭ ‬أدعو‭ ‬إلى‭ ‬رقابة‭ ‬تخنق‭ ‬الإبداع،‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬فن‭ ‬مثالي‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬الجرأة‭ ‬أو‭ ‬الاختلاف،‭ ‬فالجرأة‭ ‬كانت‭ ‬دائمًا‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬الفنون‭ ‬العظيمة‭. ‬لكن‭ ‬الجرأة‭ ‬الحقيقية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تطرح‭ ‬فكرة‭ ‬جديدة،‭ ‬أو‭ ‬تهز‭ ‬قناعة‭ ‬راسخة،‭ ‬أو‭ ‬تفتح‭ ‬أفقًا‭ ‬للتأمل،‭ ‬لا‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تكتفي‭ ‬بإثارة‭ ‬الغرائز‭ ‬أو‭ ‬كسر‭ ‬المحظورات‭ ‬لتحقيق‭ ‬ضحكة‭ ‬سريعة‭ ‬أو‭ ‬رقم‭ ‬أعلى‭ ‬في‭ ‬شباك‭ ‬التذاكر‭.‬

لقد‭ ‬خلدت‭ ‬أعمال‭ ‬سينمائية‭ ‬ومسرحية‭ ‬عظيمة‭ ‬لأنها‭ ‬احترمت‭ ‬عقل‭ ‬المشاهد،‭ ‬ولم‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬صدمته،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬تركت‭ ‬أثرًا‭ ‬لأنها‭ ‬خاطبت‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬داخله،‭ ‬لا‭ ‬فضوله‭ ‬العابر‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬حاضرة‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬رغم‭ ‬تغير‭ ‬الأزمنة‭.‬

ولعل‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬طرحه‭ ‬الزميل‭ ‬موسى‭ ‬عساف‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬مطروحًا،‭ ‬لا‭ ‬بوصفه‭ ‬اعتراضًا‭ ‬على‭ ‬فيلم،‭ ‬بل‭ ‬بوصفه‭ ‬مراجعة‭ ‬لصناعة‭ ‬كاملة‭: ‬هل‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬الفن‭ ‬يقود‭ ‬الذائقة،‭ ‬أم‭ ‬أصبح‭ ‬يلهث‭ ‬خلفها؟‭ ‬وهل‭ ‬نريد‭ ‬صناعة‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬الإنسان،‭ ‬أم‭ ‬صناعة‭ ‬تبحث‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬الضحكة‭ ‬الأسهل‭ ‬والإيراد‭ ‬الأسرع؟

ربما‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬الإجابة‭ ‬واحدة،‭ ‬لكن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬الفن‭ ‬الذي‭ ‬يراهن‭ ‬على‭ ‬وعي‭ ‬الإنسان‭ ‬يبقى‭ ‬أطول‭ ‬عمرًا‭ ‬من‭ ‬الفن‭ ‬الذي‭ ‬يراهن‭ ‬على‭ ‬غرائزه،‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬الضحك‭ ‬للحظات‭ ‬قد‭ ‬يُنسى‭ ‬سريعًا،‭ ‬أما‭ ‬ما‭ ‬يوقظ‭ ‬الفكر‭ ‬فيبقى‭ ‬حيًا‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬طويلًا‭.‬

Fatema.y.Alyusuf@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا