جاء إعلان هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية «أيوفي»، ومقرها البحرين، في 5 يوليو 2026، موافقتها المبدئية على مشروع معيار حوكمة خاص بـ«البنوك الإسلامية الرقمية»، ليتجاوز في أهميته حدود إضافة معيار فني جديد إلى مكتبة المعايير الإسلامية. فالمشروع يمثل اعترافاً مؤسسياً بأن الصيرفة الإسلامية تدخل طوراً جديداً، لم يعد فيه كافياً نقل المنتجات التقليدية إلى تطبيقات الهاتف، بل أصبح ضرورياً بناء نموذج حوكمة متكامل لمصرف إسلامي يعمل رقمياً منذ التأسيس. ويستهدف المعيار تحديد مبادئ حوكمة هذه البنوك، وبيان كيفية تطبيق معايير «أيوفي» القائمة عليها، بما يغطي المسؤوليات الرقابية والشرعية والمخاطر التقنية وحماية المتعاملين.
تكمن أهمية المعيار في أنه يعالج فجوة حقيقية. فالمصرف الرقمي لا يملك بالضرورة شبكة فروع أو إجراءات ورقية تقليدية، بل يعتمد على الخوارزميات، والتعاقد الإلكتروني، والهوية الرقمية، والحوسبة السحابية، وربما الذكاء الاصطناعي في تقييم العملاء واتخاذ بعض القرارات. وهنا تظهر أسئلة شرعية ورقابية جديدة: كيف تراقَب العقود المبرمة آلياً؟ ومن يتحمل مسؤولية الخطأ الخوارزمي؟ وكيف تضمن المؤسسة أن سرعة الابتكار لا تسبق الرقابة الشرعية وحماية البيانات؟ لذلك فإن صدور هذا المشروع من مؤسسة إسلامية عالمية مرموقة مقرها مملكة البجرين يمنح المملكة فرصة للمشاركة في صياغة قواعد الجيل المقبل من الصيرفة الاسلامية.
ولم تأتِ هذه المكانة من فراغ. فقد بدأت الصيرفة الإسلامية في البحرين بتأسيس بنك البحرين الإسلامي عام 1979، ثم اتسعت التجربة منذ منتصف الثمانينيات لتشمل بنوك التجزئة والجملة، والتكافل، والصكوك، وإدارة الأصول. وبالتوازي، بنت الدولة منظومة تشريعية ومؤسسية متخصصة، وصولاً إلى إصدار مصرف البحرين المركزي إطاراً رقابياً منفصلاً للمصارف الإسلامية، يتناول الحوكمة الشرعية، والترخيص، وكفاية رأس المال، وإدارة المخاطر، والسلوك المهني، والإفصاح ومكافحة الجرائم المالية.
كما تحولت البحرين إلى مقر لمؤسسات أساسية في البنية العالمية للتمويل الإسلامي، أبرزها «أيوفي»، التي تأسست عام 1991 وتضم عضوية مؤسسية من سلطات رقابية ومصارف ومكاتب مهنية في أكثر من 45 دولة، إلى جانب السوق المالية الإسلامية الدولية ومركز إدارة السيولة والوكالة الإسلامية الدولية للتصنيف. وقد منح ذلك البحرين ما يمكن تسميته «رأس المال التنظيمي»: أي القدرة على التأثير في القواعد والمعايير الدولية بما يفوق حجم السوق المحلية.
وتظهر الأرقام أن هذه المنظومة ليست مجرد إرث تاريخي. فقد بلغ عدد المصارف الإسلامية المرخصة في البحرين 15 مصرفاً، ووصلت أصولها في ديسمبر 2025 إلى نحو 67.1 مليار دولار، ما يعادل أكثر من ربع الميزانية الإجمالية للنظام المصرفي البالغة 254.5 مليار دولار. كما ارتفعت القيمة الصافية لأصول مؤسسات الاستثمار الجماعي المتوافقة مع الشريعة من 1.904 مليار دولار في الربع الثالث من 2024 إلى 2.185 مليار دولار في الربع الثالث من 2025، بنمو بلغ 14.76.% أما رقمياً، فقد هيأ مصرف البحرين المركزي أرضية متقدمة شملت الخدمات المصرفية المفتوحة، والتعرف الإلكتروني على العميل، وبيئة الاختبار الرقابية، ومنصة FinHub973 للتعاون بين المصارف وشركات التكنولوجيا المالية. كما أدرجت قواعد المصارف الإسلامية متطلبات لواجهات الخدمات المصرفية المفتوحة، بما يتيح تقديم معلومات الحسابات وبدء المدفوعات عبر مزودي الخدمات المرخصين.
لكن امتلاك المقومات لا يعني ضمان القيادة. فهناك عدة دول تستثمر بقوة في المصارف الرقمية والتكنولوجيا المالية الإسلامية. ولكي تقود البحرين الموجة الجديدة، تحتاج إلى تحويل تفوقها التنظيمي إلى منتجات قابلة للتصدير: تراخيص متخصصة للبنوك الإسلامية الرقمية، ومختبرات للذكاء الاصطناعي الشرعي، ومنصات صكوك رقمية، وحلول تمويل فورية للمؤسسات الصغيرة، وربط معايير «أيوفي» بواجهات تقنية يمكن دمجها في الأنظمة المصرفية.
البحرين بخير لأنها لم تبدأ اليوم؛ فهي تمتلك خبرة تمتد قرابة نصف قرن، ومصرفاً مركزياً ذا مرونة تنظيمية، ومؤسسات معيارية عالمية، وقطاعاً مصرفياً إسلامياً تتجاوز أصوله 67 مليار دولار. والتحدي الآن ليس إثبات تاريخ الريادة، بل تحويل هذه الريادة
من صناعة المعايير للجيل الأول من الصيرفة الإسلامية إلى قيادة المعايير والمنصات والمنتجات التي سيقوم عليها جيلها الرقمي الثاني.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك