كلما زاد الثراء، كلما زادت طموحات التميز في نمط الحياة. وهذه هي القاعدة الذهبية التي تحرك اقتصاد الفخامة عالميا. ففي مرحلة معينة، يتوقف المال عن كونِه أداة لتلبية الحاجات، إلى وسيلة للتميز وصياغة الهوية الخاصة، وهو ما يعرف في علم الاجتماع الاقتصادي بـ«الاستهلاك التفاخري».
ولا يختلف الأمر في سوق العقارات، حيث يتخذ التفاخر أبعاداً تتجاوز المظاهر إلى الرغبة في امتلك عقارات لا يمكن للمال التقليدي توفيرها، ومن ذلك امتلاك شقة دائمة داخل سفينة تجوب العالم طوال العام مع التنعم بخدمات على أعلى المستويات.
هذا النوع من العقارات موجود بالفعل، ويُعرف باسم السفن السكنية (Residential Cruise Ships)، وهي سفن بحرية مصممة بحيث يشتري الأشخاص شققًا أو وحدات سكنية فيها ويعيشون على متنها بشكل دائم أو لفترات طويلة، بينما تبحر السفينة حول العالم. بمعنى أنك تشتري شقة أو جناحًا داخل السفينة كما تشتري شقة في برج سكني، مع إمكانية إعادة بيعها أو تأجيرها. وتواصل السفينة الإبحار طوال العام لتزور عشرات الموانئ حول العالم. وخلال تلك الفترة، يعيش السكان من فاحشي الثراء، حياة طبيعية مع كل الخدمات من مطاعم ومراكز تسوق وعيادات وصالات رياضية ومرافق ترفيهية.
أول تجربة لهذا النوع من السفن السكنية في العالم كانت سفينة The World التي تعمل منذ عام 2002، وتضم نحو 165 شقة خاصة تتراوح أسعارها بين مليونين و15 مليون دولار بحسب الحجم والموقع. وتوضح خطط الرحلات والبرامج ومسارات الرحلات ونمط إدارة السفينة بمشاركة الملاك أنفسهم.
وهناك سفينةVilla Vie Odyssey التي تقدم خيارات شراء دائمة أو لعدة سنوات، بل وحتى إمكانية الإيجار الشهري مع رسوم تشغيل شهرية.
وأعلنت عدة شركات إطلاق سفن سكنية جديدة خلال السنوات القادمة مثل مشروع Blue World Voyagesالذي يفترض انطلاقه عام 2028، ويضم 45 وحدة سكنية تتراوح أسعارها بين 2.6 و5 ملايين دولار. مع توافر غرف فندقية للسياح. وهناك مشروع لشركة Ulyssia لإطلاق سفينة عملاقة عام 2030 طولها 323 متراً وتضم 122 شقة و22 جناحاً، بأسعار تبدأ من 10 ملايين يورو.
وعلى الرغم مما توفره هذه المنازل البحرية المتنقلة من مميزات مثل السفر المستمر حول العالم من دون الحاجة الى حجز فنادق، وامتلاك منزل ثابت ينتقل مع صاحبه في مجتمع صغير من السكان الدائمين من الطبقات الراقية، الى جانب توافر جميع الخدمات الأساسية على متن السفينة، فإن الامر لا يخلو من عيوب، مثل التكاليف المرتفعة في كل شيء، بما في ذلك رسوم الصيانة والخدمات. فسعر شراء الشقة ليس سوى جزء من الكلفة، إذ يدفع المالك أيضًا رسومًا سنوية أو شهرية لتغطية التشغيل والخدمات.
فمثلا سفينة The World، يتراوح سعر الشقة كما أسلفنا بين 2 و15 مليون دولار، ولكن هناك رسوم تشغيل تتراوح بين200 ألف و500 ألف دولار سنويًا، وقد تزيد في الوحدات الأكبر، وهي تشمل خدمات الصيانة والتنظيف والوقود ورسوم الموانئ. والأنشطة الترفيهية والأمن والخدمات الأساسية.
كما ان الحياة البحرية قد لا تعجب الكثير من الأثرياء. والبعض قد تكون لديه مشكلات صحية كدوار البحر.
وهناك عدة نماذج لهذه المشاريع لم تكلل بالنجاح، ودخل الملاك مع الشركات المستثمرة في سجالات قانونية.
ولكن في النهاية تبقى الفكرة مقبولة ومتزايدة خاصة لدى الأثرياء المتقاعدين الذين يمكنهم إدارة أعمالهم عن بُعد.
وعلى الرغم من ظهور نماذج أقل كلفة مثل سفينة Villa Vie Odyssey التي تبدأ سعر الوحدات الصغيرة من حوالي100 ألف دولار، وتتراوح الرسوم الشهرية بين24 ألفا و60 ألف دولار سنويًا. وهي تبقى تكاليف مرتفعة مقارنة بالعيش في مدينة عادية.
كما أنه لا يمكن اعتبار هذه الشقق استثمارا عقاريا تقليديا، لأن قيمتها قد لا ترتفع مثل العقارات العادية. فضلا عن أن إعادة بيعها قد يستغرق وقتًا طويلا بسبب محدودية الطلب.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك