كثيرة هي المصطلحات الحديثة التي تظهر وتنتشر وتصبح مسلمات، بل وفي كثير من الأحيان تكون مقننة بالتشريعات الملزمة، ولكن من دون أن يعرف الكثيرون التفاصيل الأساسية بشأنها. ومن ذلك البناء المستدام. ففي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الإنشاءات حول العالم، وفي ظل الاهتمام المتنامي عالميا بشأن القضايا البيئية، برز مفهوم البناء المستدام كأحد أهم الاتجاهات الحديثة التي تشكل فلسفة جديدة في التخطيط العمراني وأساليب البناء، وهي فلسفة كما يعد المختصون تمثل خيارا استراتيجيا للتعامل مع الكثير من التحديات وخاصة تلك المتعلقة بالجوانب البيئية والاقتصادية. فما المقصود بالبناء المستدام تفصيلا؟ وهل مازال رفاهية ام بات ضرورة ملزمة؟
بشكل مبسط، يعرف البناء المستدام (او ما يطلق عليه البعض بالبناء الأخضر) بأنه أسلوب في تصميم وإنشاء وتشغيل المباني بشكل يسهم في تقليل التأثيرات السلبية على البيئة، وتحقيق كفاءة أفضل في استهلاك الموارد مثل الطاقة الكهربائية والمياه، وبنفس الوقت يسهم في توفير بيئة صحية ومريحة للسكان أو المستخدمين. ما يعني انه يهدف الى تحقيق التوازن بين ثلاثة أبعاد رئيسية: البيئة والاقتصاد والإنسان.
وبالتالي فإن البناء المستدام لا يركز فقط على تشييد المبنى، بل يمثل منهجية متكاملة لتصميم وتشييد وتشغيل المباني تشمل اختيار الموقع والتصميم والتشييد والتشغيل والإدارة، بل وحتى الهدم أو إعادة التدوير.
صديق للبيئة
والسؤال هنا، كيف يختلف البناء المستدام عن البناء التقليدي؟
بشكل عام، يكمن الاختلاف في طريقة التفكير وفلسفة التصميم واستخدام الموارد مع التركيز على الأهداف طويلة المدى.
فمثلا في البناء التقليدي يكون التركيز على كلفة الإنشاء الأولية وسرعة التنفيذ اكثر من الاثر البيئي. في حين ان البناء المستدام يتعامل مع المشروع كدورة حياة كاملة، ويركز على توفير تصاميم واستخدام مواد تسهم في تقليل استهلاك الطاقة والمياه، وتكون صديقة للبيئة أو قابلة لإعادة التدوير، ويضمن تحقيق وفورات تشغيلية على المدى الطويل ويوفر بيئة داخلية أكثر راحة وصحة للسكان.
كما ان التصميم في البناء التقليدي يكون بشكل منفصل بدءا من وضع الخارطة ثم عمل المقاول يليه الكهربائي وهكذا. في حين ان البناء المستدام يعتمد على التصميم المتكامل، بحيث تُدرس حتى حركة الشمس في الموقع لتوجيه النوافذ بما يضمن دخول الضوء الطبيعي ويمنع الحرارة المباشرة. كما تُترك مساحات خضراء لتقليل الاحتباس الحراري في المحيط.
وفي حين يعتمد البناء التقليدي على مواد قياسية شائعة مثل الخرسانة التقليدية والدهانات التجارية التي تنبعث منها مركبات عضوية متطايرة ضارة، فإن البناء المستدام يلجأ الى مواد تسهم في لتقليل كربون النقل والمواد المعاد تدويرها، مثل «الخرسانة الخضراء» والعوازل الحرارية فائقة الجودة، ودهانات صديقة للبيئة وخالية من السموم.
وفي حين يعتمد البناء التقليدي على الشبكة الكهربائية بالكامل، والمياه التي تُستخدم مرة واحدة ثم تصرف كعادم ومياه مجارٍ. فإن البناء المستدام يعتمد على الأنظمة الدائرية والمغلقة. فمثلا يتم توليد جزء من الطاقة عبر الألواح الشمسية، وتُستخدم تقنيات «المياه الرمادية» مثل إعادة تدوير مياه المغاسل والاستحمام لري حدائق المبنى. ويوفر أنظمة استشعار ذكية تطفئ الأنوار والتكييف في الغرف الفارغة.
من هنا يمكن القول ان أبرز المعايير التي تجعل المبنى مستداما هي:
- كفاءة الطاقة، مثل استخدام أنظمة تكييف وإضاءة عالية الكفاءة، والاعتماد على العزل الحراري لتقليل استهلاك الكهرباء، والاستفادة من الطاقة الشمسية أو مصادر الطاقة المتجددة.
- ترشيد استهلاك المياه، من خلال تركيب أدوات صحية موفرة للمياه، وإعادة استخدام المياه المعالجة، واعتماد أنظمة ذكية لمراقبة الاستهلاك وتقليل الهدر.
- مواد البناء الصديقة للبيئة.
- جودة البيئة الداخلية بتوفير تهوية واضاءة طبيعية واستخدام مواد قليلة الانبعاثات الكيميائية.
- إدارة النفايات بشكل يقلل مخلفات البناء، ويضمن إعادة تدوير المواد المستخدمة أثناء الإنشاء أو التشغيل.
- اختيار الموقع والتصميم بما يتناسب مع المناخ المحلي، وتوجيه المبنى للاستفادة من الظل والتهوية الطبيعية مع توفير مساحات خضراء ومناطق مفتوحة.
- الاستدامة التشغيلية، باعتماد أنظمة ذكية لإدارة الطاقة والمياه، وسهولة الصيانة وإطالة العمر الافتراضي للمبنى.
- خفض الانبعاثات الكربونية، وهو من أبرز مميزات هذا النوع من البناء. حيث تلعب المباني المستدامة دوراً محورياً في خفض الانبعاثات الكربونية لأنها تقلل من استهلاك الطاقة والموارد خلال مرحلتي الإنشاء والتشغيل، وهما من أكثر المراحل إنتاجاً للانبعاثات في قطاع البناء. وهي كما اشرنا تعتمد بنسب جيدة على استخدام الطاقة المتجددة، وتقليل النفايات. وبذلك لا تقلل الانبعاثات بشكل مباشر فقط، بل تمثل سلسلة مترابطة تبدأ من مواد البناء وتنتهي بالطاقة المستخدمة يومياً داخل المبنى.
التكاليف
التحدي البارز هنا هو ارتفاع الكلفة الأولية بشكل أعلى من البناء التقليدي في مرحلة الإنشاء، بما في ذلك أسعار المواد والأنظمة وتكنولوجيا البناء الأخضر والعوازل. فضلا عن تكاليف التصميم والشهادات التي تتطلب الاستعانة بمهندسين متخصصين واستخراج شهادات الاعتماد الدولية والمحلية.
ولكن على المدى الطويل يكون التوفير اكبر بفضل اعتماد التقنيات الحديثة.
والسبب في ارتفاع الكلفة هو استخدام مواد بناء أكثر كفاءة وصديقة للبيئة، وتركيب أنظمة عزل حراري وتوفير متطورة، وكذلك اعتماد تقنيات مثل الألواح الشمسية وأنظمة التحكم الذكية. وكل ذلك يعني زيادة قد تصل الى 10% في الكلفة الانشائية.
ولكن على المدى الطويل، وعلى الرغم من ارتفاع التكاليف الأولية، الا انه يمكن اعتبارها استثمارا يوفر عائدا اقتصاديا طويل الاجل. وهذه الكلفة يمكن ان تُسترد من خلال انخفاض فواتير الكهرباء والمياه، وتقليل تكاليف الصيانة والتشغيل، وارتفاع زيادة العمر الافتراضي للمبنى، مع ارتفاع جاذبية العقار للمشترين والمستأجرين.
كما ان هذا النوع من العقارات يمثل عامل جذب للمستأجرين والملاك، ما يعني انها خيار أفضل بالنسبة الى المستمرين العقاريين وتوفر قدرة تنافسية اعلى بين المشاريع العقارية المعروضة في السوق.
ومن التحديات أيضا، نقص الخيارات في مواد البناء المستدام في العديد من الأسواق وخاصة في المنطقة العربية، مثل الخرسانة الصديقة للبيئة أو العوازل العضوية، وقد يتطلب توفيرها تكاليف شحن وجمارك إضافية.
يضاف الى ذلك نقص العمالة الماهرة المتخصصة في تركيب وتشغيل الأنظمة البيئية الذكية، ونقص المقاولين والفنيين على درجة عالية من التخصص.
وهناك تحد اخر يكمن في الفجوة التشريعية والتمويلية. فمثلا في بعض الدول لا تزال كودات البناء وأنظمة التراخيص لا تواكب مثل هذه التطورات.
ترف أم ضرورة؟
بعد هذا العرض الموجز، نعود الى السؤال المحوري، هل المباني المستدامة ترف أم ضرورة؟
يؤكد الاختصاصيون أن المباني المستدامة لم تعد ترفاً على الإطلاق، بل تحولت إلى ضرورة اقتصادية بيئية وتشريعية ملحة. ولا مكان للنظرة القديمة التي تصنف البناء الأخضر كنوع من «الرفاهية أو الدعاية التسويقية».
فمثلا مع التوجه العالمي لرفع الدعم تدريجيًا عن الكهرباء والمياه، وإعادة توجيهه، أصبحت كلفة تشغيل المباني التقليدية عالية. في حين أن المبنى المستدام يوفر ما بين30 % و50% من الاستهلاك اليومي.
وفي كثير من الدول مثل دول الخليج، لم يعد الامر خيارا للمطورين. حيث تتبنى جهود خفض الانبعاثات الكربونية الى الصفر، مع فرض كودات بناء صارمة. والمخالفون للمعايير يواجهون صعوبة في الحصول على التراخيص أو يقعون تحت طائلة غرامات البصمة الكربونية.
أضف الى ذلك أن الكثير من المستثمرين والصناديق التمويلية الدولية والمحلية تفض تمويل أو شراء العقارات التي لا تحمل شهادات استدامة مثل LEED.
وبالتالي لم تعد المباني المستدامة مجرد ميزة تنافسية، وانما متطلب تنظيمي وسوقي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك