العدد : ١٧٦٢٨ - الأحد ٢٨ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢٨ - الأحد ٢٨ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٨هـ

مقالات

البحرين شامخة.. لا يضيرها زور كيهان ولا بهتان رويترز

بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

الأحد ٢٨ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

ليس‭ ‬أخطر‭ ‬على‭ ‬التاريخ‭ ‬من‭ ‬رجلٍ‭ ‬يهوى‭ ‬الكذب،‭ ‬إلا‭ ‬رجل‭ ‬يتخذه‭ ‬مسلكًا‭ ‬ومذهبًا،‭ ‬ويجعل‭ ‬من‭ ‬الهوى‭ ‬منهجًا،‭ ‬ومن‭ ‬الأمنية‭ ‬وثيقةً،‭ ‬ومن‭ ‬الافتراء‭ ‬حجةً،‭ ‬ثم‭ ‬يطلب‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬أن‭ ‬يصدّقوا‭ ‬ما‭ ‬كتب؛‭ ‬لا‭ ‬لأنه‭ ‬أقام‭ ‬عليه‭ ‬برهانًا،‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬أكثر‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬البيان،‭ ‬وأطال‭ ‬فيه‭ ‬البهتان‭. ‬فالحقائق‭ ‬لا‭ ‬تُبدَّل‭ ‬بضجيج‭ ‬المطابع،‭ ‬والخرائط‭ ‬لا‭ ‬تُرسم‭ ‬بحبر‭ ‬الافتتاحيات،‭ ‬والسيادة‭ ‬لا‭ ‬تهبها‭ ‬صحيفةٌ‭ ‬إذا‭ ‬رضيت،‭ ‬ولا‭ ‬تسلبها‭ ‬إذا‭ ‬غضبت،‭ ‬ولا‭ ‬يمحوها‭ ‬مقالٌ‭ ‬عابرٌ‭ ‬إذا‭ ‬استبدَّ‭ ‬بصاحبه‭ ‬الوهم،‭ ‬واستطال‭ ‬به‭ ‬الزعم‭.‬

ومن‭ ‬عجبِ‭ ‬بعض‭ ‬الصحف‭ ‬إذا‭ ‬ران‭ ‬عليها‭ ‬الهوى،‭ ‬وغلب‭ ‬عليها‭ ‬الغرض،‭ ‬أنها‭ ‬تُخاصم‭ ‬التاريخ‭ ‬إذا‭ ‬شهد،‭ ‬وتُكذّب‭ ‬الوثيقة‭ ‬إذا‭ ‬نطقت،‭ ‬وتتهم‭ ‬الأمم‭ ‬إذا‭ ‬أجمعت؛‭ ‬فإن‭ ‬وافقها‭ ‬النصُّ‭ ‬رفعته‭ ‬راية،‭ ‬وإن‭ ‬خالفها‭ ‬رمته‭ ‬غواية،‭ ‬حتى‭ ‬يصير‭ ‬الباطل‭ ‬عندها‭ ‬أصلًا‭ ‬مأثورًا،‭ ‬والحق‭ ‬قولًا‭ ‬مهجورًا،‭ ‬والوهم‭ ‬سياسةً‭ ‬منشورة،‭ ‬والافتراء‭ ‬صناعةً‭ ‬مشهورة‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬خرج‭ ‬علينا‭ ‬المدعو‭ ‬حسين‭ ‬شريعتمداري‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬كيهان،‭ ‬وليس‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬الشريعة‭ ‬إلا‭ ‬رسم‭ ‬الاسم،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬المدار‭ ‬إلا‭ ‬دوران‭ ‬القلم‭ ‬حول‭ ‬الوهم؛‭ ‬فلا‭ ‬شريعةَ‭ ‬حقٍّ‭ ‬هدت‭ ‬مقاله،‭ ‬ولا‭ ‬مدارَ‭ ‬برهانٍ‭ ‬قام‭ ‬عليه‭ ‬جداله،‭ ‬بل‭ ‬ساق‭ ‬من‭ ‬الكلام‭ ‬ما‭ ‬تُغني‭ ‬الوثيقة‭ ‬عن‭ ‬رده،‭ ‬وتكفي‭ ‬الحقيقة‭ ‬في‭ ‬نقضه‭.‬

ولو‭ ‬كان‭ ‬المقالُ‭ ‬يضمُّ‭ ‬الأوطان،‭ ‬والحبرُ‭ ‬يرسمُ‭ ‬الحدود،‭ ‬والهوى‭ ‬يقضي‭ ‬على‭ ‬العهود،‭ ‬لكان‭ ‬على‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬أن‭ ‬تُغلق‭ ‬أبوابها،‭ ‬وعلى‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬أن‭ ‬يطوي‭ ‬كتابها،‭ ‬وعلى‭ ‬العالم‭ ‬أن‭ ‬ينتظر‭ ‬كل‭ ‬صباح‭ ‬عددًا‭ ‬جديدًا‭ ‬من‭ ‬كيهان؛‭ ‬ليعلم‭ ‬من‭ ‬بقي‭ ‬وطنًا‭ ‬ومن‭ ‬زال،‭ ‬ومن‭ ‬ثبت‭ ‬شعبًا‭ ‬ومن‭ ‬استحال‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التاريخ‭ ‬أعصى‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يُساق‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬الدعاية،‭ ‬والوثيقة‭ ‬أصلب‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكسرها‭ ‬مطبعة،‭ ‬والحقيقة‭ ‬أرفع‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تهبط‭ ‬من‭ ‬مقام‭ ‬البرهان‭ ‬إلى‭ ‬حضيض‭ ‬البهتان‭.‬

والذي‭ ‬تُسقطه‭ ‬كيهان‭ ‬عمدًا،‭ ‬وتُعرض‭ ‬عنه‭ ‬قصدًا،‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬يومًا‭ ‬أرضًا‭ ‬سائبة،‭ ‬ولا‭ ‬هويةً‭ ‬عائمة،‭ ‬ولا‭ ‬إرادةً‭ ‬غائبة،‭ ‬ولا‭ ‬شعبًا‭ ‬ينتظر‭ ‬من‭ ‬طهران‭ ‬اسمًا‭ ‬يُملى،‭ ‬أو‭ ‬رسمًا‭ ‬يُعطى،‭ ‬أو‭ ‬تعريفًا‭ ‬يُستجدى‭. ‬فمملكة‭ ‬البحرين‭ ‬عربيةٌ‭ ‬خليفيةٌ‭ ‬مسلمةٌ‭ ‬منذ‭ ‬قيام‭ ‬الدولة‭ ‬البحرينية‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬المؤسس‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬عام‭ ‬1783م؛‭ ‬حقيقةٌ‭ ‬لم‭ ‬تُنشئها‭ ‬بعثة،‭ ‬ولم‭ ‬تمنحها‭ ‬منظمة،‭ ‬ولم‭ ‬تصنعها‭ ‬صحيفة،‭ ‬فهويتها‭ ‬سابقةٌ‭ ‬على‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وسابقةٌ‭ ‬على‭ ‬كيهان‭ ‬ورويترز،‭ ‬وأعرقُ‭ ‬وأرسخُ‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يحاول،‭ ‬أو‭ ‬حاول،‭ ‬النيل‭ ‬منها‭. ‬لقد‭ ‬رسّخها‭ ‬التاريخ،‭ ‬وشهدت‭ ‬لها‭ ‬الدولة،‭ ‬وحملها‭ ‬شعبٌ‭ ‬عرف‭ ‬هويته‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُكتب‭ ‬التقارير،‭ ‬وأدرك‭ ‬سيادته‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتعاقب‭ ‬القرارات‭. ‬فقد‭ ‬أبت‭ ‬البحرين‭ ‬منذ‭ ‬البدء‭ ‬أن‭ ‬تُجعل‭ ‬عروبتها‭ ‬موضع‭ ‬سؤال،‭ ‬أو‭ ‬سيادتها‭ ‬محل‭ ‬جدال،‭ ‬أو‭ ‬استقلالها‭ ‬مادةً‭ ‬لاستفتاء؛‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬رسخ‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬الشعوب‭ ‬لا‭ ‬يُعرض‭ ‬للمراجعة،‭ ‬وما‭ ‬ثبت‭ ‬في‭ ‬ضمير‭ ‬الأوطان‭ ‬لا‭ ‬يُطرح‭ ‬للمساومة،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬حقًا‭ ‬أصيلًا‭ ‬لا‭ ‬يُنزَّل‭ ‬منزلة‭ ‬الاحتمال‭.‬

وإذ‭ ‬أتناول‭ ‬مسار‭ ‬بعثة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لتقصّي‭ ‬الحقائق،‭ ‬فليس‭ ‬ذلك‭ ‬استطرادًا‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬ولا‭ ‬ترفًا‭ ‬في‭ ‬السرد،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬السرد‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬واضحًا‭ ‬لا‭ ‬ملتبسًا،‭ ‬راسخًا‭ ‬لا‭ ‬مرتبكًا،‭ ‬موثقًا‭ ‬لا‭ ‬مرسلًا؛‭ ‬لأن‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬الزور‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬بانفعالٍ‭ ‬مهلهل،‭ ‬ولا‭ ‬بغضبٍ‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬بحجةٍ‭ ‬مزلزلة،‭ ‬ووثيقةٍ‭ ‬قاطعة،‭ ‬وسردٍ‭ ‬وطنيٍّ‭ ‬محكم،‭ ‬يعرف‭ ‬أين‭ ‬يبدأ،‭ ‬وأين‭ ‬يقف،‭ ‬وكيف‭ ‬يُسقط‭ ‬الفرية‭ ‬من‭ ‬أصلها‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬أطرافها‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬جاء‭ ‬مسار‭ ‬بعثة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لتقصّي‭ ‬الحقائق‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬إرادة‭ ‬بحرينية‭ ‬قائمة،‭ ‬لا‭ ‬صانعًا‭ ‬لإرادة‭ ‬مستعارة‭. ‬فما‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬اختراعَ‭ ‬حقيقة،‭ ‬بل‭ ‬إظهارَ‭ ‬وثيقة؛‭ ‬ولا‭ ‬إنشاءَ‭ ‬اختيار،‭ ‬بل‭ ‬إعلانَ‭ ‬قرار؛‭ ‬ولا‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬هويةٍ‭ ‬غائبة،‭ ‬بل‭ ‬تثبيتًا‭ ‬لهويةٍ‭ ‬راسخة‭. ‬وهناك‭ ‬انكشفت‭ ‬فرية‭ ‬كيهان‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬بابها؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الأمر‭ ‬صناديق‭ ‬تُدار،‭ ‬ولا‭ ‬أرقامًا‭ ‬تُختلق،‭ ‬ولا‭ ‬مشهدًا‭ ‬يُصنع‭ ‬في‭ ‬ليل‭ ‬السياسة،‭ ‬وإنما‭ ‬استطلاعٌ‭ ‬أمميٌّ‭ ‬واسع،‭ ‬باشره‭ ‬المبعوث‭ ‬الشخصي‭ ‬للأمين‭ ‬العام‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬فيتوريو‭ ‬وينسبير‭-‬غويتشياردي،‭ ‬فاستمع‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬فئات‭ ‬المجتمع‭ ‬البحريني،‭ ‬ثم‭ ‬انتهى‭ ‬إلى‭ ‬خلاصةٍ‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬ليًّا‭ ‬ولا‭ ‬تأويلًا،‭ ‬ولا‭ ‬تُبقي‭ ‬للدعاية‭ ‬مدخلًا‭ ‬ولا‭ ‬للبهتان‭ ‬سبيلًا‭: ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬دولةٌ‭ ‬عربيةٌ‭ ‬مستقلة،‭ ‬كاملة‭ ‬السيادة،‭ ‬حرةٌ‭ ‬في‭ ‬قرارها،‭ ‬ماضيةٌ‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬سائر‭ ‬الدول‭.‬

ولم‭ ‬تقف‭ ‬الحجة‭ ‬عند‭ ‬شهادة‭ ‬البعثة‭ ‬الأممية‭ ‬وحدها؛‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الشاه‭ ‬نفسه،‭ ‬وهو‭ ‬رأس‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬كيهان‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬تستدعي‭ ‬دعواها‭ ‬البائدة‭ ‬من‭ ‬رماد‭ ‬التاريخ،‭ ‬قد‭ ‬قبل‭ ‬بالمسار‭ ‬الأممي‭ ‬وارتضى‭ ‬نتيجته،‭ ‬فأصبح‭ ‬اعتراف‭ ‬الخصم‭ ‬القديم‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬سقوط‭ ‬الدعوى،‭ ‬وإقرار‭ ‬صاحب‭ ‬الزعم‭ ‬أبلغَ‭ ‬في‭ ‬نقض‭ ‬الزعم‭ ‬من‭ ‬ألف‭ ‬ردٍّ‭ ‬وجدال‭. ‬فكيف‭ ‬يعود‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬كاتبٌ‭ ‬مأجور،‭ ‬أو‭ ‬قلمٌ‭ ‬مأزوم،‭ ‬ليُخاصم‭ ‬حقيقةً‭ ‬قبلها‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬أولى‭ ‬بدعواها،‭ ‬ويُنكر‭ ‬أمرًا‭ ‬أقرّه‭ ‬من‭ ‬كانت‭ ‬كيهان‭ ‬تتكئ‭ ‬على‭ ‬ظله؟‭ ‬إن‭ ‬من‭ ‬العجب‭ ‬أن‭ ‬يثبت‭ ‬الشاه‭ ‬ما‭ ‬تنكره‭ ‬كيهان،‭ ‬وأن‭ ‬يعترف‭ ‬التاريخ‭ ‬بما‭ ‬تجحده‭ ‬الدعاية،‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬الخصم‭ ‬القديم‭ ‬أصدق‭ ‬على‭ ‬الحقيقة‭ ‬من‭ ‬صحيفةٍ‭ ‬تزعم‭ ‬أنها‭ ‬وريثة‭ ‬الموقف،‭ ‬فإذا‭ ‬بها‭ ‬وريثة‭ ‬الوهم‭ ‬لا‭ ‬غير‭.‬

ولم‭ ‬تكن‭ ‬تلك‭ ‬الإرادة‭ ‬إرادةَ‭ ‬شطرٍ‭ ‬دون‭ ‬شطر،‭ ‬ولا‭ ‬صوتَ‭ ‬فريقٍ‭ ‬دون‭ ‬فريق؛‭ ‬فقد‭ ‬أثبت‭ ‬التقرير‭ ‬أن‭ ‬الإجماع‭ ‬الوطني‭ ‬لم‭ ‬يتجزأ‭ ‬بين‭ ‬مذهبٍ‭ ‬ومذهب،‭ ‬ولا‭ ‬تفرّق‭ ‬بين‭ ‬مدينةٍ‭ ‬وقرية،‭ ‬ولا‭ ‬اختلف‭ ‬بين‭ ‬رجلٍ‭ ‬وامرأة،‭ ‬ولا‭ ‬تباين‭ ‬بين‭ ‬شيخٍ‭ ‬وشاب‭. ‬ثم‭ ‬توالى‭ ‬التثبيت‭ ‬الدولي‭ ‬للحقيقة‭ ‬البحرينية‭ ‬في‭ ‬مسارٍ‭ ‬واضحٍ‭ ‬لا‭ ‬التباس‭ ‬فيه؛‭ ‬ففي‭ ‬11‭ ‬مايو‭ ‬1970‭ ‬أصدر‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬قراره‭ ‬رقم‭ ‬278،‭ ‬فأقرّ‭ ‬ما‭ ‬انتهت‭ ‬إليه‭ ‬البعثة،‭ ‬بأن‭ ‬البحرين‭ ‬دولةٌ‭ ‬عربيةٌ‭ ‬حرةٌ‭ ‬كاملة‭ ‬السيادة‭. ‬ثم‭ ‬في‭ ‬18‭ ‬أغسطس‭ ‬1971‭ ‬صوّت‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬لصالح‭ ‬قبول‭ ‬انضمام‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬إلى‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بموجب‭ ‬القرار‭ ‬رقم‭ ‬296،‭ ‬موصيًا‭ ‬بالإجماع‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬بقبول‭ ‬طلب‭ ‬البحرين‭ ‬للعضوية‭. ‬ثم‭ ‬في‭ ‬21‭ ‬سبتمبر‭ ‬1971‭ ‬فتحت‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬سجلَّها‭ ‬للبحرين‭ ‬عضوًا‭ ‬كاملًا‭ ‬بموجب‭ ‬القرار‭ ‬رقم‭ ‬2752،‭ ‬لتصبح‭ ‬العضو‭ ‬رقم‭ ‬129‭ ‬في‭ ‬المنظمة‭ ‬الدولية‭. ‬أفكانت‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬كلُّها‭ ‬جوقةَ‭ ‬وهم؟‭ ‬أم‭ ‬غدا‭ ‬اعتراف‭ ‬العالم‭ ‬حبرًا‭ ‬لا‭ ‬يراه‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬أطفأ‭ ‬في‭ ‬عينيه‭ ‬مصباح‭ ‬الحقيقة،‭ ‬وفتح‭ ‬في‭ ‬عقله‭ ‬دكّان‭ ‬الدعاية؟

أما‭ ‬رويترز‭ ‬فليست‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقام‭ ‬كحال‭ ‬كيهان؛‭ ‬فكيهان‭ ‬بوقُ‭ ‬كذبٍ‭ ‬من‭ ‬أبواق‭ ‬نظام‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه،‭ ‬ينفخ‭ ‬في‭ ‬رماد‭ ‬الوهم‭ ‬حتى‭ ‬يحسبه‭ ‬نارًا،‭ ‬ويبيع‭ ‬على‭ ‬قارئه‭ ‬دخان‭ ‬الدعاية‭ ‬حتى‭ ‬يراه‭ ‬نهارًا‭. ‬أما‭ ‬رويترز،‭ ‬فليست‭ ‬علتها‭ ‬علة‭ ‬المأمور‭ ‬إذا‭ ‬كذب،‭ ‬بل‭ ‬عثرة‭ ‬المهني‭ ‬إذا‭ ‬اضطرب؛‭ ‬ترفع‭ ‬للحياد‭ ‬راية،‭ ‬ثم‭ ‬تميل‭ ‬بها‭ ‬الرواية،‭ ‬وتعلن‭ ‬للنزاهة‭ ‬ميثاقًا،‭ ‬ثم‭ ‬تضيق‭ ‬بها‭ ‬عند‭ ‬التطبيق‭ ‬آفاقًا‭.‬

تقول‭ ‬رويترز‭ ‬في‭ ‬مبادئ‭ ‬الثقة‭ ‬إن‭ ‬النزاهة‭ ‬محفوظة،‭ ‬والاستقلال‭ ‬مصون،‭ ‬والحياد‭ ‬قائم،‭ ‬والخبر‭ ‬موثوق‭. ‬وما‭ ‬أيسر‭ ‬المبادئ‭ ‬إذا‭ ‬صيغت‭ ‬في‭ ‬المكاتب،‭ ‬وما‭ ‬أعسرها‭ ‬إذا‭ ‬نزلت‭ ‬إلى‭ ‬المواقف‭. ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬الآفة‭ ‬في‭ ‬خطأ‭ ‬عابرٍ‭ ‬من‭ ‬محرر،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الزحف‭ ‬اليساري‭ ‬المؤدلج‭ ‬الذي‭ ‬يتسلل‭ ‬إلى‭ ‬حصون‭ ‬المؤسسات‭ ‬الإعلامية‭ ‬باسم‭ ‬التقدّم،‭ ‬ويتزيّن‭ ‬بلباس‭ ‬الحقوق،‭ ‬ويتكلم‭ ‬بلسان‭ ‬الحياد،‭ ‬ثم‭ ‬ينخر‭ ‬من‭ ‬داخلها‭ ‬مصداقيتها‭ ‬نخر‭ ‬السوس‭ ‬في‭ ‬الخشب؛‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬قرأت‭ ‬الخبر‭ ‬وجدت‭ ‬وراءه‭ ‬موقفًا،‭ ‬وإذا‭ ‬فتشت‭ ‬في‭ ‬التحليل‭ ‬وجدت‭ ‬تحزّبًا،‭ ‬وإذا‭ ‬سألت‭ ‬عن‭ ‬الحياد‭ ‬وجدت‭ ‬رأيًا‭ ‬مؤدلجًا‭ ‬يخاصم‭ ‬سياسات‭ ‬لا‭ ‬تعجبه،‭ ‬ويجامل‭ ‬أنظمة‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬مجاملتها‭.‬

وليس‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬تلخصه‭ ‬العبارة‭ ‬السياسية‭ ‬المنسوبة‭ ‬إلى‭ ‬تشرشل‭: ‬إن‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يساريًا‭ ‬في‭ ‬شبابه‭ ‬فلا‭ ‬قلب‭ ‬له،‭ ‬ومن‭ ‬بقي‭ ‬يساريًا‭ ‬بعد‭ ‬الأربعين،‭ ‬وقد‭ ‬اكتمل‭ ‬له‭ ‬نضج‭ ‬العمر،‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬عقل‭ ‬له؛‭ ‬وهي‭ ‬عبارة،‭ ‬وإن‭ ‬اضطربت‭ ‬نسبتها،‭ ‬تكشف‭ ‬معنى‭ ‬حاضرًا‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الجامعات‭ ‬الغربية،‭ ‬حيث‭ ‬يجد‭ ‬التيار‭ ‬اليساري‭ ‬في‭ ‬الحرم‭ ‬الجامعي‭ ‬تربةً‭ ‬خصبةً‭ ‬للانتشار،‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬يلبث‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬قاعات‭ ‬الدرس‭ ‬إلى‭ ‬غرف‭ ‬التحرير،‭ ‬ومن‭ ‬شعارات‭ ‬الطلبة‭ ‬إلى‭ ‬عناوين‭ ‬بعض‭ ‬الصحف،‭ ‬ومن‭ ‬الانفعال‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬إلى‭ ‬صناعة‭ ‬الخبر‭. ‬وهنا‭ ‬تصبح‭ ‬المؤسسة‭ ‬الإعلامية‭ ‬في‭ ‬خطرٍ‭ ‬حقيقي،‭ ‬لا‭ ‬لأن‭ ‬لها‭ ‬رأيًا،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬رأي‭ ‬كاتبها‭ ‬يستعمر‭ ‬معيارها،‭ ‬ولأن‭ ‬انحيازه‭ ‬يلبس‭ ‬عباءة‭ ‬حيادها‭.‬

وليس‭ ‬هذا‭ ‬بعيدًا‭ ‬عمن‭ ‬كتب‭ ‬ذلك‭ ‬المقال‭ ‬المزيف‭ ‬حين‭ ‬تناول‭ ‬شأن‭ ‬البحرين؛‭ ‬إذ‭ ‬تبدو‭ ‬بصمات‭ ‬توجهه‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬انتقاء‭ ‬العبارة،‭ ‬وتوجيه‭ ‬السياق،‭ ‬وتغليف‭ ‬الرأي‭ ‬بثوب‭ ‬الخبر،‭ ‬وجرّ‭ ‬القارئ‭ ‬إلى‭ ‬قراءةٍ‭ ‬لا‭ ‬تخدم‭ ‬الحقيقة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تخدم‭ ‬موقفًا‭ ‬مؤدلجًا‭ ‬معارضًا‭ ‬للسياسات‭ ‬الهادفة‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬أفعال‭ ‬نظام‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬الإرهابية‭. ‬وليس‭ ‬أخطر‭ ‬على‭ ‬الإعلام‭ ‬من‭ ‬كاتبٍ‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬منصة‭ ‬الخبر‭ ‬منبرًا‭ ‬لفكرته،‭ ‬ومن‭ ‬معيار‭ ‬المؤسسة‭ ‬ستارًا‭ ‬لميله،‭ ‬ومن‭ ‬اسم‭ ‬الوكالة‭ ‬غطاءً‭ ‬لانحيازه‭.‬

فإذا‭ ‬تناولت‭ ‬الوكالة‭ ‬شأن‭ ‬البحرين،‭ ‬وعلّقت‭ ‬سردها‭ ‬على‭ ‬عبارة‭ ‬رخوة‭ ‬مبهمة‭ ‬من‭ ‬جنس‭: ‬‮«‬يقول‭ ‬محللون‮»‬،‭ ‬ثم‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الظل‭ ‬المجهول‭ ‬أصلًا،‭ ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬الصوت‭ ‬المستور‭ ‬دليلًا،‭ ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬الرأي‭ ‬العابر‭ ‬مدخلًا‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬تختزل‭ ‬وطنًا‭ ‬في‭ ‬قلق،‭ ‬وشعبًا‭ ‬في‭ ‬مذهب،‭ ‬ودولةً‭ ‬في‭ ‬احتمال؛‭ ‬فهنا‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬الخبر‭ ‬خبرًا،‭ ‬بل‭ ‬رأيًا‭ ‬تنكّر‭ ‬في‭ ‬ثوب‭ ‬الخبر،‭ ‬ولا‭ ‬يكون‭ ‬التحليل‭ ‬تحليلًا،‭ ‬بل‭ ‬ظنًّا‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬ختم‭ ‬وكالة‭ ‬ليغدو‭ ‬في‭ ‬عين‭ ‬القارئ‭ ‬يقينًا‭.‬

فالصحافة‭ ‬لا‭ ‬تُدان‭ ‬لأنها‭ ‬تسأل،‭ ‬بل‭ ‬حين‭ ‬تُخفي‭ ‬مصدر‭ ‬الجواب؛‭ ‬ولا‭ ‬تُلام‭ ‬لأنها‭ ‬تنقل‭ ‬رأيًا،‭ ‬بل‭ ‬حين‭ ‬تُلبسه‭ ‬جبة‭ ‬الحقيقة‭. ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬رويترز‭ ‬قد‭ ‬جعلت‭ ‬الحياد‭ ‬من‭ ‬مبادئها،‭ ‬فليكن‭ ‬حيادًا‭ ‬يُرى‭ ‬في‭ ‬الصياغة‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬الشعار،‭ ‬ويُسمع‭ ‬في‭ ‬الدقة‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬الادعاء،‭ ‬ويقوم‭ ‬على‭ ‬مصدرٍ‭ ‬ظاهر‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬اسمٍ‭ ‬غائب،‭ ‬وعلى‭ ‬واقعةٍ‭ ‬ثابتة‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬قراءةٍ‭ ‬سائبة‭.‬

إن‭ ‬البحرين‭ ‬ليست‭ ‬روايةً‭ ‬تنسجها‭ ‬كيهان‭ ‬من‭ ‬خيوط‭ ‬كذب‭ ‬نظام‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه،‭ ‬ولا‭ ‬حكايةً‭ ‬تُرتّلها‭ ‬أبواق‭ ‬الزور‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬التمويه،‭ ‬ولا‭ ‬فرضيةً‭ ‬يمرّرها‭ ‬مجهولٌ‭ ‬في‭ ‬سطرٍ‭ ‬عابرٍ‭ ‬من‭ ‬خبرٍ‭ ‬واهٍ‭ ‬أو‭ ‬تحليلٍ‭ ‬سفيه؛‭ ‬فالأوطان‭ ‬لا‭ ‬تُختصر‭ ‬في‭ ‬مقالة،‭ ‬ولا‭ ‬تُختطف‭ ‬بعبارة،‭ ‬ولا‭ ‬تُعلَّق‭ ‬هويتها‭ ‬على‭ ‬قلمٍ‭ ‬مأجور،‭ ‬أو‭ ‬مصدرٍ‭ ‬مستور،‭ ‬أو‭ ‬إشارةٍ‭ ‬عابرةٍ‭ ‬في‭ ‬خبرٍ‭ ‬مبتور‭.‬

فلتكتب‭ ‬كيهان‭ ‬ما‭ ‬شاءت‭ ‬من‭ ‬أوهامها،‭ ‬ولتتفضّل‭ ‬رويترز‭ ‬بتطبيق‭ ‬ما‭ ‬ترفعه‭ ‬من‭ ‬معاييرها؛‭ ‬فليست‭ ‬البحرين‭ ‬حاشيةً‭ ‬على‭ ‬مقالٍ‭ ‬مأجور،‭ ‬ولا‭ ‬هامشًا‭ ‬في‭ ‬تحليلٍ‭ ‬مستور،‭ ‬ولا‭ ‬وطنًا‭ ‬ينتظر‭ ‬تعريفه‭ ‬من‭ ‬صحيفةٍ‭ ‬ضلّت،‭ ‬أو‭ ‬وكالةٍ‭ ‬زلّت‭. ‬البحرين‭ ‬باقيةٌ‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬قيادة‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬الكرام،‭ ‬مصونةَ‭ ‬العهد،‭ ‬محفوظةَ‭ ‬السيادة،‭ ‬ثابتةً‭ ‬بولاء‭ ‬شعبها‭ ‬لقيادته،‭ ‬ووفائه‭ ‬لأرضه،‭ ‬وإخلاصه‭ ‬لوطنه،‭ ‬ووئامه‭ ‬في‭ ‬مجتمعه؛‭ ‬راسخةً‭ ‬بما‭ ‬شهد‭ ‬له‭ ‬تاريخها،‭ ‬ماضيةً‭ ‬بما‭ ‬أقرّه‭ ‬العالم‭ ‬لها‭: ‬دولةً‭ ‬عربيةَ‭ ‬الهوية،‭ ‬بحرينيةَ‭ ‬الوجدان،‭ ‬مسلمةً،‭ ‬مستقلةَ‭ ‬القرار،‭ ‬كاملةَ‭ ‬السيادة؛‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬للحق‭ ‬شاهدٌ‭ ‬لا‭ ‬يُشترى،‭ ‬وللوطن‭ ‬اسمٌ‭ ‬لا‭ ‬يُمحى،‭ ‬وللبحرين‭ ‬مجدٌ‭ ‬لا‭ ‬يُطوى‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا