العدد : ١٧٦٢٨ - الأحد ٢٨ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢٨ - الأحد ٢٨ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٨هـ

مقالات

الأمن الحضاري العربي

بقلم: سميرة بن رجب

السبت ٢٧ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

قد‭ ‬يكون‭ ‬مصطلح‭ ‬الأمن‭ ‬الحضاري‭ ‬العربي‭ ‬حديثًا‭ ‬بمفاهيمه‭ ‬وأبعاده‭ ‬التي‭ ‬تختلف‭ ‬عما‭ ‬يوازيها‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬العربي،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يعد‭ ‬إحدى‭ ‬الركائز‭ ‬المفاهيمية‭ ‬الأمنية‭ ‬العربية،‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬تفعيله‭ ‬لسد‭ ‬الفجوة‭ ‬الأمنية‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬الأمة‭ ‬كتهديد‭ ‬وجودي‭ ‬وحضاري‭ ‬خطير‭ ‬ومتصاعد،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الحروب‭ ‬والصراعات‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬العربي‭.‬

يُحدد‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمن‭ ‬الحضاري‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬علاقته‭ ‬بحماية‭ ‬الهوية،‭ ‬والقيم،‭ ‬واللغة،‭ ‬والتراث،‭ ‬والتاريخ،‭ ‬والنسيج‭ ‬الثقافي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬بما‭ ‬يتجاوز‭ ‬الإطار‭ ‬السياسي‭ ‬والجغرافي،‭ ‬ليشمل‭ ‬البعد‭ ‬الوجودي‭ ‬والحضاري‭ ‬للأمة‭ ‬العربية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالتهديدات‭ ‬الناعمة‭ ‬مثل‭ ‬الغزو‭ ‬الثقافي،‭ ‬والتطرف،‭ ‬وتزييف‭ ‬وتشويه‭ ‬التاريخ،‭ ‬والتفكك‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والقيمي،‭ ‬وفقدان‭ ‬وندرة‭ ‬المرجعيات‭ ‬والرموز‭ ‬الثقافية‭.‬

تتحدد‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬مصطلحي‭ ‬الأمن‭ ‬‮«‬القومي‭ ‬والحضاري‮»‬‭ ‬بمؤشرات‭ ‬القياس‭ ‬والتأثير؛‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬المقومات‭ ‬المادية‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬الكيان‭ ‬السياسي‭ ‬والجغرافي‭ ‬من‭ ‬التهديدات‭ ‬الخارجية‭ (‬عسكرية،‭ ‬سياسية،‭ ‬اقتصادية‭)‬،‭ ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬استمرار‭ ‬الأمن‭ ‬الحضاري،‭ ‬بينما‭ ‬يوفر‭ ‬الأمن‭ ‬الحضاري‭ ‬التماسك‭ ‬المجتمعي‭ ‬الذي‭ ‬يُدعِم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬الأمن‭ ‬القومي،‭ ‬ما‭ ‬يُشكل‭ ‬بعدًا‭ ‬تكامليًّا‭ ‬وتداخليًّا‭ ‬بين‭ ‬المصطلحين‭. ‬لذلك‭ ‬يؤدي‭ ‬أي‭ ‬تهديد‭ ‬للأمن‭ ‬القومي،‭ ‬كاحتلال‭ ‬أو‭ ‬حرب،‭ ‬إلى‭ ‬تآكل‭ ‬الأمن‭ ‬الحضاري؛‭ ‬وأي‭ ‬انهيار‭ ‬حضاري،‭ ‬كفقدان‭ ‬اللغة‭ ‬أو‭ ‬الانسلاخ‭ ‬الثقافي،‭ ‬يُضعف‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭.‬

أما‭ ‬التوتر‭ ‬بين‭ ‬البُعدين‭ ‬فيتمثل‭ ‬في‭ ‬تعارض‭ ‬الأولويات،‭ ‬بحيث‭ ‬قد‭ ‬يضحي‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬ببعض‭ ‬المقومات‭ ‬الحضارية‭ ‬لتحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬سياسية‭ ‬عاجلة،‭ ‬وقد‭ ‬يُهَمّش‭ ‬الأمن‭ ‬الحضاري‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الصراعات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭.‬

التحديات‭ ‬المعاصرة

تَطرح‭ ‬العولمة‭ ‬والهيمنة‭ ‬الثقافية‭ ‬الغربية‭ ‬تحديات‭ ‬كبرى‭ ‬أمام‭ ‬الأمن‭ ‬الحضاري‭ ‬تتجاوز‭ ‬قدرة‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬التقليدي‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬معها؛‭ ‬وتُظهِر‭ ‬الصراعات‭ ‬الأهلية‭ ‬والإقليمية‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬انهيار‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬يؤدي‭ ‬تاليًا‭ ‬إلى‭ ‬تدمير‭ ‬الأمن‭ ‬الحضاري؛‭ ‬كما‭ ‬يُعتبر‭ ‬التطرف‭ ‬والإرهاب‭ ‬تهديدًا‭ ‬مشتركًا‭ ‬للبُعدين‭ ‬القومي‭ ‬والحضاري‭.‬

إنَّ‭ ‬الأمن‭ ‬الحضاري‭ ‬والأمن‭ ‬القومي‭ ‬ليسا‭ ‬بديلين،‭ ‬بل‭ ‬مكملين،‭ ‬إذ‭ ‬يمثل‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬البعد‭ ‬الصلب‭ (‬الحماية‭ ‬المادية‭ ‬والسياسية‭)‬،‭ ‬ويمثل‭ ‬الأمن‭ ‬الحضاري‭ ‬البعد‭ ‬الناعم‭ (‬الحماية‭ ‬الفكرية‭ ‬والثقافية‭)‬،‭ ‬وأي‭ ‬تصور‭ ‬للأمن‭ ‬العربي‭ ‬الشامل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُدمَج‭ ‬البعدين‭ ‬في‭ ‬استراتيجية‭ ‬متكاملة‭ ‬تراعي‭ ‬خصوصية‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬وموقعها‭ ‬الجيواستراتيجي‭.‬

أدوات‭ ‬حماية‭ ‬الأمن‭ ‬الحضاري‭ ‬

‮«‬البُعد‭ ‬الناعم‮»‬

تتنوع‭ ‬أدوات‭ ‬حماية‭ ‬الأمن‭ ‬الحضاري‭ ‬في‭ ‬إصلاح‭ ‬المناهج‭ ‬التعليمية‭ ‬بتعزيز‭ ‬الهوية‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬في‭ ‬المواد‭ ‬الدراسية،‭ ‬وتضمين‭ ‬التاريخ‭ ‬والتراث‭ ‬العربي‭ ‬بشكل‭ ‬متوازن‭ ‬ونقدي،‭ ‬وتدريس‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬الفصحى‭ ‬بأساليب‭ ‬حديثة‭ ‬مشوقة،‭ ‬وإضافة‭ ‬برامج‭ ‬توعوية‭ ‬وتثقيفية‭.‬

في‭ ‬مجال‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭ ‬هناك‭ ‬ضرورة‭ ‬لإنشاء‭ ‬مراكز‭ ‬بحثية‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬الأمن‭ ‬الحضاري،‭ ‬وتطوير‭ ‬برامج‭ ‬دراسات‭ ‬عليا‭ ‬في‭ ‬الهوية‭ ‬والتراث‭ ‬والتنوع‭ ‬الثقافي،‭ ‬ودعم‭ ‬الدراسات‭ ‬المستقبلية‭ ‬لتحليل‭ ‬أخطار‭ ‬التهديدات‭ ‬الحضارية‭.‬

أما‭ ‬أدوات‭ ‬الإعلام‭ ‬والاتصال،‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬والثقافة‭ ‬بجانب‭ ‬التعليم،‭ ‬فتعد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الأسلحة‭ ‬والأدوات‭ ‬فاعلية‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬الحضاري،‭ ‬بما‭ ‬تتضمن‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬قانونية‭ ‬وسياسية‭ ‬لتفسير‭ ‬التشريعات‭ ‬الوطنية‭ ‬والاتفاقيات‭ ‬والسياسات‭ ‬الثقافية،‭ ‬والأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬ومواجهة‭ ‬الشائعات‭ ‬والمعلومات‭ ‬المغلوطة‭.‬

مؤشرات‭ ‬القياس‭ ‬والتقييم

تُعدُّ‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬ذات‭ ‬أهمية‭ ‬قصوى‭ ‬لمتابعة‭ ‬وتطوير‭ ‬الأمن‭ ‬الحضاري،‭ ‬لتشمل‭ ‬مؤشرات‭ ‬الهوية‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬والانتماء‭ ‬والقيم‭ ‬المشتركة؛‭ ‬بجانب‭ ‬مؤشرات‭ ‬التراث،‭ ‬ومؤشرات‭ ‬التعرض‭ ‬الثقافي،‭ ‬أي‭ ‬مؤشرات‭ ‬استهلاك‭ ‬المحتوى‭ ‬الثقافي‭ ‬المحلي‭ ‬مقابل‭ ‬المستورد‭... ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬مؤشرات‭ ‬التطرف‭ ‬الفكري‭ ‬الذي‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬خطابات‭ ‬الكراهية‭ ‬والتحولات‭ ‬القيمية‭ ‬السلبية‭.‬

إنَّ‭ ‬حماية‭ ‬الأمن‭ ‬الحضاري‭ ‬تتطلب‭ ‬التكامل‮ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬الأدوات،‭ ‬والاستدامة عبر‭ ‬استراتيجيات‭ ‬طويلة‭ ‬المدى،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬التجدد لمواكبة‭ ‬التغيرات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬والثقافية،‭ ‬والشراكة بين‭ ‬الحكومات‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني‭ ‬والقطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬بجانب‭ ‬المرونة لعدم‭ ‬تحول‭ ‬الحماية‭ ‬إلى‭ ‬انغلاق‭ ‬أو‭ ‬جمود‭.‬

الأمن‭ ‬الحضاري‭ ‬على

‭ ‬المستوى‭ ‬الوطني

من‭ ‬المؤسف‭ ‬أنَّ‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬أدوات‭ ‬ومفاهيم‭ ‬الأمن‭ ‬الحضاري،‭ ‬وخاصةً‭ ‬في‭ ‬الجوانب‭ ‬التعليمية‭ ‬والتقنية‭ ‬والبحثية،‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬نهضة‭ ‬عربية‭ ‬شاملة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الأمني‭ ‬عمومًا‭.‬

لذلك‭ ‬من‭ ‬الممكن،‭ ‬بل‭ ‬والضروري،‭ ‬صناعة‭ ‬وتنفيذ‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الوطني‭ ‬لكل‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬على‭ ‬حدة،‭ ‬حتى‭ ‬إنَّ‭ ‬هذا‭ ‬المستوى‭ ‬يعد‭ ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬وجدوى‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة،‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬الاعتراف‭ ‬بوجود‭ ‬تحديات‭ ‬وقيود‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الجماعي‭.‬

إنَّ‭ ‬الواقع‭ ‬العربي‭ ‬الراهن‮ ‬يفرض‭ ‬الاعتراف‭ ‬بضعف‭ ‬العمل‭ ‬العربي‭ ‬المشترك‭ ‬وفاعلية‭ ‬الدول‭ ‬الفردية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬سرعة‭ ‬التهديدات؛‭ ‬كالتطرف‭ ‬الرقمي‭ ‬والغزو‭ ‬الثقافي،‭ ‬لا‭ ‬تنتظر‭ ‬تنسيقًا‭ ‬عربيًّا‭ ‬بطيئًا‭.‬

بجانب‭ ‬ذلك‭ ‬هناك‭ ‬تجارب‭ ‬ناجحة‮ ‬يمكن‭ ‬الاقتداء‭ ‬بها‭ ‬وتطويرها‭ ‬محليًّا،‭ ‬بحيث‭ ‬يصبح‭ ‬التكامل‭ ‬العمودي،‭ ‬من‭ ‬القيادة‭ ‬السياسية‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسات‭ ‬المحلية،‭ ‬أسهل‭ ‬من‭ ‬التكامل‭ ‬الأفقي‭ ‬العربي‭.‬

لكن‭ ‬هناك‭ ‬تحذيرين‭ ‬أساسيين،‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬ضرورة‭ ‬وجود‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬التنسيق‭ ‬العربي‮ ‬لمواجهة‭ ‬التهديدات‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود؛‭ ‬والثاني‭ ‬هو‭ ‬تجنب‭ ‬‮«‬القُطرية‭ ‬الثقافية‮»‬،‮ ‬التي‭ ‬تُهَمّش‭ ‬البعد‭ ‬الحضاري‭ ‬الجامع‭ ‬للأمة‭ ‬العربية‭.‬

في‭ ‬الخلاصة،‭ ‬يحتاج‭ ‬الأمن‭ ‬الحضاري‭ ‬العربي‭ ‬إلى استراتيجية‭ ‬مزدوجة‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬التنفيذ‭ ‬الوطني‮ ‬للسرعة‭ ‬والفاعلية‭ ‬والملاءمة‭ ‬والتنسيق‭ ‬الإقليمي‮ ‬لمواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬المشتركة‭ ‬وحماية‭ ‬الجامع‭ ‬الحضاري‭.‬

والأمر‭ ‬ليس‭ ‬مستحيلا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ممكن‭ ‬ومطلوب،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المستقرة‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬إرادة‭ ‬ورؤية‭ ‬مستقبلية،‭ ‬كدول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي،‭ ‬إذ‭ ‬المطلوب‭ ‬الآن‭ ‬هو‭ ‬تحويل‭ ‬الوعي‭ ‬النظري‭ ‬إلى‭ ‬خطط‭ ‬عمل‭ ‬وطنية‭ ‬بمؤشرات‭ ‬قياس‭ ‬وزمن‭ ‬تنفيذ‭ ‬وميزانيات‭ ‬مخصصة‭.‬

 

sr@sameerarajab‭.‬net

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا